الإثنين، 17 يونيو 2019

عبد الحميد بن باديس في سجال جديد.. هل تنكّر ابن باديس لأصله الأمازيغي؟

إلياس فخارجي

عبد الحميد بن باديس

عبد الحميد بن باديس عاد إلى واجهة النّقاشات، كثر الحديث، في الأيام الأخيرة، عن شخصيته ودار جدال محتدم حولها، وجاء نشر كتاب “ابن باديس، سيرة ومسيرة”(دار الأوطان) للشّاعر والمترجم عبد الله حمادي بالتّزامن مع ذلك.

في الحقيقة تابعت ما نشر من مقالات وما تبعها من سجال حول موقف جمعية العلماء المسلمين الجزائريين من الثّورة الجزائرية وعلاقة عائلة مؤسسها بالإدارة الاستعمارية، ولم أستغرب جملة الحقائق التي قدّمها الكاتب احميدة عيّاشي عن ابن باديس، لأنّها موثّقة على الورق.

نعود إلى كتاب “ابن باديس، سيرة ومسيرة” الذي بحثت عنه ولم أجده، فبقدر ما سيفرح الكاتب بخبر نفاد كتابه من رفوف المكتبات ربما بسبب السّجال المحتدم حول موضوع هذه الشخصية أو ربما لأن القسنطينيين كانوا ينتظرون صدور الفيلم الذي يتناول قصّة حياة الإمام بالتزامن مع يوم العلم وخاب ظنّهم بعد تصديقهم لوعود وزارة الثقافة، أو ربما بسبب عدد النسخ المطبوعة الذي لم يتجاوز الألف نسخة، ولذا أنا أنتظر صدور الطبعة الثانية بفارغ الصّبر.

لكن الذي لفت انتباهي هو ما ورد في الفقرة المنشورة على غلاف الكتاب، المقتطفة من مقولة لمؤسس جمعية العلماء المسلمين وإحدى الشخصيات “المقدّسة” في التّاريخ الجزائري ولدى الإسلاميين والعروبيين بالدرجة الأولى، إذ يقول عبد الحميد ابن باديس – رحمه الله – حسب المقطع المنشور: “إن أبناء يعرب وأبناء مازيغ قد جمع بينهم الإسلام منذ بضع عشرة قرنا، ثم دأبت تلك القرون تمزج ما بينهم في الشدّة والرخاء، وتؤلّف بينهم في العسر واليسر، وتوحّدهم في السّراء والضّراء، حتى كوّنت منهم أحقابا بعيدة عنصرًا مسلما جزائريا: أمّه الجزائر وأبوه الإسلام”.

لنتمعن في هذه الفقرة حيث لا ينكر الجانب الصحيح منها إلاّ جاحد، لقد صدق الشيخ الجليل، فالإسلام والعروبة هما عنصران مهمّان في الثقافة والهوية الجزائرية، ولكن ليسا هما فقط من يختصر شخصية الإنسان الجزائري ولا الجزائر شعبًا ووطنًا، فكيف فات علاّمة ومفكّر ورجل إصلاح أن يقع في فخّ هذا التّعميم ويتبنّى خطابًا يشبه خطاب من يحوّلون الدّين إلى مجرد جنسية والوطن مقتصر على جماعة وقسّموا العالم بأسره إلى مسلم وغير مسلم؟!

كيف يحصر الشيخ شخصية الجزائري على أساس توجّهه الديني فقط وهو من بعث برسالة تهنئة إلى مؤسس الدولة التركية الحديثة كمال أتاتورك الذي فرض العلمانية على شعبه.. الشّيخ كان مرحبًا بسقوط الخلافة، وما كان ليُناصر اليوم الفكر الرّاديكالي الذي يُنادي بأسلمة الدّول، بينما كان الشباب آنذاك من مناضلي حزب الشعب وحزب نجم شمال إفريقيا وأغلبهم من الشيوعيين يتبنّون الأفكار التحررية وينتصرون للقيم الجمهورية.

هل حاد ابن باديس عن أصله الأمازيغي؟

لا يجب قراءة أحداث الماضي بعيون الحاضر لأن لكلّ مرحلة أسبابها وظروفها وأسرارها، ولكني كشاب استغرب من أن يختصر الإمام شخصية الجزائري في كونه مسلمًا وعربيًا وأمازيغيًا في تلك المرحلة الزّمنية، وهو قد واكب بداية القرن الماضي حيث كان المجتمع مزيجًا منصهرًا من الدّيانات والإثنيات والثقافات، كما أن الشيخ ابن باديس وُلد وعاش ومات في قسنطينة التي كانت أهم حواضر شمال أفريقيا، تعجّ بأطياف بشرية مختلفة في المعتقد والأصل واللغة ولون البشرة والطّبقة الإجتماعية، وكلهم كانوا قسنطينيين، كانوا جزءًا لا يتجزأ من ذاكرة تلك المدينة، فألقابهم ومنازلهم ومقابرهم مازالت شاهدة على ذلك.

هل غضّ مؤسس جريدة “البصائر” بصره عمن كان يعيش حوله من جيران يهود وأفارقة ومسيحيين وأوروبيين وكراغلة؟ فأغلبية اليهود لم يكونوا ضيوفًا أو وافدين بل عاشوا في الجزائر قبل ثلاثة آلاف سنة ثم تعايشوا مع إخوانهم المسلمين بعد دخول العرب. ألم يطرب ابن باديس مثلا لصوت الشيخ ريمون سيّد أغنية المالوف الأندلسية؟ ألم ينتبه إلى الكنائس الموجودة في بلادنا حتى قبل دخول الاستعمار الفرنسي؟ ربما لم يسمع الشّيخ الكبير بالفيلسوف الأمازيغي أغسطينوس مؤسس المذهب الرابع في الديانة المسيحية في القرن الخامس الميلادي رغم أن شجرته العتيقة في سوق أهراس وضريحه وكاتدرائيته في عنابة ظلّوا كعبة للحجاج المسيحيين من قارات العالم الخمس إلى غاية العشرية السوداء.. ألم يزر ابن باديس سوق أهراس أو عنابة قط؟!

عبد الله حمّادي على اليمين يقدّم كتابه عن ابن باديس

لقد كان للمصلح والشاعر الجليل جيران أفارقة استقروا منذ زمن طويل في المدينة وتكاثروا فيها، وآخرون من بقايا العائلات التركية، وقد كانت أسرته هو شخصيا موالية لباشاغات الباب العالي خلال العهد العثماني حسب الوثائق التاريخية، كما كان لديه جيران من الأندلسيين والأسبان والطليان والفرنسيس أيضا.

يكفي أن نطّلع على لائحة المحكوم عليهم بالإعدام خاصة في بداية الاحتلال الفرنسي فنلاحظ أن العدد الكبير من هؤلاء المتمردين ضد الكولون وسياسة الإدارة الاستعمارية يحملون ألقابا إسبانية وإيطالية وحتى فرنسية، ناهيك عن الأحزاب الشيوعية والحركات النقابية ثم حزب جبهة التحرير الوطني، التي ضمت بعضا من الأقدام سوداء واليهود الجزائريين الذين ناضلوا إلى جانب إخوانهم العرب والمسلمين والأمازيغ من أجل تحقيق المساواة والاندماج ثم رفعوا بعدها مطلب الاستقلال، وهناك من لبّى نداء أول نوفمبر وسقط في ميدان الشّرف، لكن للأسف لم يحظى هؤلاء بالتّقديس لأنهم كانوا من ديانات أخرى ويحملون ألقابا إفرنجية، بل هناك من الجيل الجديد من يحرّم التّرحم عليهم إذا حلّت ذكرى استشهادهم في سبيل استقلال وطن.

نعم، الشيخ عبد الحميد ابن باديس، هو جزء من تاريخنا ومصلح عظيم وفخر لبلادنا، ولكن الإسلام في رأيي ليس هوية بل دين الله نعتنقه اليوم مثلما اعتنق أجدادنا الوثنية واليهودية والمسيحية في الأحقاب الماضية والدستور ينصّ على حرية المعتقد ويحميها، كما أن الأنثربولوجيا أثبتت أن أبناء مازيغ لا ينتسبون إلى العروبة، وربما النظرية عكسية مادام أن أقدم هيكل عظمي للإنسان وُجد في إثيوبيا، والآخر الذي يعرف بالرجل التغنيفي عُثر عليه في غرب الجزائر.

إن الفراغ الذي تتخبط فيه الجزائر اليوم هو بسبب إفراغها من تنّوعها الثقافي وإفقار نسيجها الديموغرافي نتيجة التضييق على حرية الدين والمذهب ورفضنا للآخر والمختلف وهجرة الأدمغة، كل هذا حوّل قسنطينة وأخواتها إلى مدن أشباح وجعل الجزائر بلدًا منغلقًا بل سجنًا كبيرًا إلى درجة أن الجزائري صار يُصاب بالدّهشة عندما يرى عاملا أجنبيا يجوب شوارعه! فهل جذور الانغلاق تغلغلت فينا منذ أن حفظنا صغارًا البيت الشّهير للشّاعر والشّيخ المُصلح: “شعب الجزائر مُسلم.. وإلى العروبة ينتسب”؟! هل قصيدة الشيخ هي من نفخ عضلات الإسلاميين والعروبيين الذين حاربوا بُعدنا الأمازيغي والإفريقي والمتوسطي منذ سنوات السبعينيات؟

أنا لا أدري صراحة، ولكن الذي أعرفه أني كنت أحد ضحايا تلك الكليشيهات، ولم أحسّ بالفخر إلا بعدما بدأت بالتنقيب عن الحقيقة بنفسي، وقطعت مسافات من تبسة إلى مغنية ومن الجزائر العاصمة إلى عين صالح، لقد شعرت أن وطني أكبر من أن يختصر في عنصر أو في عنصرين، فهو حاضن لكل المعتقدات والطوائف والثقافات، صحيح أن الجزائر تغيّرت تماما وجيل نوفمبر الذي نتباهى به اليوم قد ولّى إلى غير رجعة، ولكن هذا لا يعني أن نلغي من يختلف عنا من كتاب التاريخ أو نستأصله من الذاكرة، مادام أن المسلم والمسيحي واليهودي والعربي والأمازيغي والأوروبي وغيرهم.. ناضلوا كلهم جنبا إلى جنب في ثورتنا المجيدة. في الأخير، أفضّل أن أختم مقالي المتواضع هذا بمقولة أخرى تنسب إلى الشّيخ ابن باديس: من لا ينتقد لا يعتقد.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

17 ماي بالجزائر: حراك ومناهضة كراهة المثلية

17 ماي بالجزائر: حراك ومناهضة كراهة المثلية

تتوالى جُمُعات الحراك بكامل التّراب الجزائري من أجل حقوق الشعب وحرياته؛ ما أنقص رمضان من …

أيها الحراك.. الخيال قوة سياسية

ذات مرة كنت غارقًا في الاستماع إلى أحد طلبتي وهو يستعرض ملاحظته حول كتاب لتيري …