الأربعاء، 17 يوليو 2019

المرأة التي أبصر طه حسين بعينيها

في سنة 1917، تزوّج طه حسين (1889-1973) عميد الأدب العربي في العصر الحديث، من الفرنسية سوزان، أو سوزان بريستو. هكذا تمرّ مائة سنة على زواجهما الذي استمرّ نحو 56 سنة، أثمر إنجاب طفلين: أمينة ومؤنس.

زواج أقل ما يقال عنه أنه «خارق للعادة». جمع بين رجل مسلم، جاء من صعيد مصر، خريج الأزهر، وفاقد البصر.. وبين امرأة فرنسية، ميسورة الحال، مسيحية متمسكة بدينها… زواج دام واستمرّ في جوّ ساده الحبّ والاحترام المتبادل، بين رجل وامرأة، يبدو  للوهلة ألأولى، وكأنّ لا شيء يجمع بينهما.. كلاهما حافظ على دينه إلى آخر حياته، ولم يفكر أحدهما أبدا، في فرض معتقده على الآخر.

طه حسين وسوزان في شبابهما

تتناول سوزان زوجة طه حسين (والتي توفيت سنة 1989،عن عمر يناهز 94 عاما) من خلال كتابها «معك» (Avec toi) حياتها الزوجية مع طه حسين، الممتدّة لنحو 56 سنة. وهو كتاب يضجّ بالذكريات الجميلة، وتعاقب الأحداث، ويزدان بصوّر نادرة، التقطت لهما في شبابهما، وفي كبرهما، وصوّر أخرى صحبة أفراد عائلتهما الصغيرة.

كعنوان فرعي جاء في غلاف الكتاب : «من فرنسا إلى مصر، سوزان وطه حسين: قصة حبّ خارقة (1915-1973)». للإشارة يؤرّخ عام 1915 لأوّل لقاء جمع بينهما وأوّل حب، قبل زواجهما عامين بعد ذلك أي سنة 1917. أما سنة 1973، فهي السنة التي توفي فيها طه حسين.

المفكر الفرنسي جاك بيرك، (من مواليد فرندة بالجزائر)، هو من أوحى لسوزان، بفكرة كتابة تجربتها مع زوجها طه حسين، فقد شكلت الرابطة الزوجية الناجحة التي جمعت بينهما، صلب اهتمامه الفكري، وكانت تمثل بالنسبة إليه، نموذجا تطبيقيا لأفكاره التي كان يدعو إليها، في ضرورة وأهمية الحوار بين الثقافات والديانات.

غلاف كتاب سوزان «معك»

في مقدمة كتاب «معك» يشرح مترجمه إلى اللغة العربية، الكاتب السوري بدر الدين عرودكي، ظروف كتابته وترجمته الى اللغة العربية، قائلا : «سنة 1975، قام جاك بيرك، المستعرب وأستاذ التاريخ الاجتماعي والحضاري للعالم العربي في الكوليج دو فرانس، بتخصيص سنتين من درسه الأسبوعي لدراسة  طه حسين ودوره في تاريخ الثقافة العربية المعاصرة. كانت سنتان قد مضتا على وفاة طه حسين، وكان قد ارتبط بعلاقة صداقة حميمة معه، يرتبط أيضاً  بالعلاقة نفسها مع زوجة طه حسين، سوزان، ومع ابنه مؤنس الذي كان يعمل في اليونسكو، ويعيش في باريس على الدوام. وقد كان يبدى في كلِّ مناسبة إعجابه بهذه العلاقة الفريدة من نوعها، التي ربطت طه حسين إلى زوجته: مسلم ومسيحية، مصري وفرنسية، عربي الثقافة والانتماء الحضاري، وأوربية في ثقافتها وانتمائها. علاقة استمرّت أكثر من خمسين عاماً، نسجها حبٌّ عميق واحترامٌ لا يقلّ عنه عمقاً. وكان أكثر ما يثير إعجابه فيها، أن هذا الاحترام طال في حياتهما المشتركة حريّة العقيدة؛ فقد كانت مسيحية وبقيت كذلك في رفقة زوج مسلم، لا يثنيها عن دينها ولا يحاول. وكان ذلك أمراً ليس شديد الندرة فحسب، بل فريداً في وقته وفى مجتمعه. فاقترح عليها في إحدى زياراتها إلى باريس ولقائها به بعد وفاة طه حسين، أن تكتب تجربتها هذه لتقدم طه حسين تحت أضواء لم يسبق أن سلطت عليه من قبل ولا يسع أحداً أن يقوم بذلك سواها… وأخبرها أنها إن كتبت هذا الكتاب، فسيقترح عليها أن يقوم بترجمته كاتب سوري، لكي يؤكد على البعد العربي لمشروع طه حسين الثقافي، وكنتُ من اقترح بيرك اختياره لهذه المهمة، وأن يقوم بمراجعة الترجمة كاتب مصريّ تقدمي، لكي يؤكد على البعد المستقبلي لهذا المشروع، وكان اختياره قد وقع على الصديق الأستاذ محمود أمين العالم. ولقد جاء الكتاب فريداً من نوعه شكلاً ومضموناً كما كان يقال، في لغة النقد الأدبي الكلاسيكية! فلا هو رواية على امتلاكه كثيراً من عناصرها، ولا هو قصّة طويلة على وجود شخصية رئيسية أساسية، ولا هو رسالة حب حميمة، على ما ينطوي عليه من فصول ومقاطع يسود فيها ضمير المخاطب: منها /إليه، ولا هو تأريخ على ما فيه من سرد لحوادث كبرى عرفتها مصر خلال حياة طه حسين، ولا هو أخيراً يوميّات على ما تضمنه من ضبط إيقاع الكتاب تارة، بناء على تواريخ معينة، وتارة أخرى، بناء على مواقع محدّدة.. وأجرؤ على القول إنّ فيه من كلّ شكل من هذه الأشكال، عناصر صنعت فرادته فعلاً، وجماله فعلاً، وخصوصيته فعلاً. كان همُّ السيدة سوزان طه حسين، أن تتمّ ترجمة الكتاب، وأن يُنشرَ بأسرع وقت ممكن، لتتمكن من رؤيته يُقرأ في مصر، وفيما وراء مصر في العالم العربي. ولم تكن تلقي بالاً إلى نشره بالفرنسية، فقد قررت أن القارئ الفرنسي لن يحفل بمثل هذا الكتاب، وإنما القارئ العربيّ هو الأولى به. ومن ثمّ فقد وضعت ذات يوم بين يديّ نصّ المخطوط مضروباً على الآلة الكاتبة ومصحّحاً بخط يدها».

سوزان وطه حسين وقد تقدّم بهما السنّ

في سنة 1915، حدث اللقاء بين طه حسين الطالب القادم من مصر يومها، لاستكمال دراسته الجامعية، وسوزان الفرنسية التي كانت تبلغ العشرين من العمر، كانت تبحث عن منصب عمل، عندما قرأت إعلانا في صحيفة محلية توفر وظيفة قارئ لطالب أجنبي كفيف، وهكذا كان لقاؤها الأول معه. في كتابها تحدثت عن لحظات اللقاء قائلة: »أوّل مرة التقينا فيها كانت في 12 مايو 1915، في مونبولييه، لم يكن ثمة شيء في ذلك اليوم ينبّئني، بأن مصيري كان يتقرّر، ولم يكن بوسع أمّي التي كانت بصحبتي أن تتصوّر أمرًا مماثلا، وكنت في شيء من الحيرة، إذ لم يسبق في حياتي، أن كلمت أعمى…لقد عدت إليه أزوره، بين الحين والآخر في غرفته، التي كانت غرفة طالب جامعي، كنا نتحدث، وكنت أقرأ له بعض الفصول من كتاب فرنسي، ولعل القدر كان قد أصدر قراره فعلا… قال لي ذات يوم : “اغفري لي، لا بدّ من أن أقول لك ذلك، فأنا أحبّك”، وصرخت، وأذهلتني المفاجأة.. قلت له بفظاظة : “ولكنّي لا أحبك”.. كنت أعني الحبّ بين الرجل والمرأة ولا شك، فقال بحزن: “آه إنني أعرف ذلك جيّدًا، وأعرف جيّدًا كذلك أنه مستحيل”..  ويمضي زمن ثم يأتي يوم آخر، أقول فيه لأهلي بأنني أريد الزواج من هذا الشاب، وكان ما كنت أنتظره من ردّة الفعل : “كيف؟ من أجنبي؟ وأعمى؟ وفوق كل ذلك كله مسلم؟ لا شك أنك جننت تماما»..

لكن سوزان كانت قد صمّمت على الزواج من طه حسين، رغم رفض عائلتها القاطع، وكان لتدخل عمها لصالحها، وكان قسيسا، يحظى باحترام العائلة، السبب في تحقيق أمنيتهما في الزواج، سنة 1917…

في «معكَ» (الصفحة 41، حسب الكتاب المترجَم) وكأنّها كانت تدرك استغراب الناس، في استحالة التعايش بين شخصين على غير دين واحد. تشرح سوزان شيئا من تفاصيل احترام المعتقد، بينها وبين زوجها طه حسين:

«أفكر بهذا التوافق الخفيّ، الذي وحّدنا دوما، في احترام كل منّا لدين الآخر، لقد دُهش البعض من ذلك، في حين فهم البعض الآخر، إذ رأى أن بوسعي أن أردد صلاتي، على حين تستمع إلى القرآن في الغرفة المجاورة، ويصدفني اليوم أن افتح المذياع، لاستمع إلى آيات من القرآن، عندما أبدأ في تسبيحي، بل إني لأسمعه على كل حال، في أعماق نفسي، كنت غالبا ما تحدثني عن القرآن، وتردد لي البسملة التي كنت تحبّها بوجه خاص، وكنتَ تقرأ التوراة، وكنتُ أتحدث عن يسوع، كنتَ تردّد في كثير من الأحيان، “إننا لا نكذب على الله”، لقد قالها أيضا القديس بولس. لا شك أننا لا نكذب على الله، وويل للمكذبين».

طه حسين وسوزان

«المرأة التي أبصرت بعينيها» هكذا عنون طه حسين، الفصل الخامس عشر من كتابه الشهير «الأيام»… وقال عنها : «كانت صديقتي، وأستاذًا لي، عليها تعلمت الفرنسية، وفقهت ما أستطيع أن أفقهه من أدبها، وعليها تعلمت اللاتينية، واستطعت أن أجوز فيها امتحان الليسانس، ومعها درست اليونانية، واستطعنا أن نقرأ معًا بعض آثار أفلاطون»

كان يعاني وهو في بداياته المتعثرة بفرنسا غربة شديدة: غربة اللغة، غربة الإعاقة، وغربة المكان. فقد الثقة في كل شيء، وكاد أن يدبّ اليأس في نفسه، ولكنه سرعان ما استعاد ثقته بعد أن تعرف على سوزان، كما جاء في «الأيام» سيرته الذاتية: «أخذت تتوب إليه ثقته في نفسه، وأخذ ينجلي عنه الشعور بالغربة، والضيق بالوحدة، والسأم من العزلة.. فقد جعلت فتاته تلك (سوزان) شقاءه سعادة، وضيقه سعة، وبؤسه نعيما، وظلمته نورا».

وعندما توفي طه حسين، كتبت زوجته سوزان تقول: «ذراعي لن تمسك بذراعك أبدًا، ويداي تبدوان لي بلا فائدة بشكل محزن»..

قصّة حبّ طه حسين وسوزان، قصة حقيقية لم يكتبها طه حسين رواية من بنات أفكاره، ولا من وحي خياله. لكنه عاشها بآمالها وآلامها ودموعها وأحلامها..

 

 

Enregistrer

Enregistrer

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

الكتابة لحظة وعي أم وظيفة أيديولوجية؟

سؤال افتتح به الكاتب الرّاحل محمد بوشحيط(1943-1996) كتابه الأوّل، الذي صدر عن المؤسسة الوطنية للكتاب(1987)، …

فنلندي في الجزائر أو الحبّ الجيوسياسي

حاوره: أمزيان فرحاني. ت: جلال الدين سماعن التقينا أوسمو بيكونن بالمكتبة الوطنية يوم الإثنين 28 …