الإثنين، 18 نوفمبر 2019

لا يمكن اختزال التّاريخ في ابن باديس

محمد بن زيّان

كلّ مجتمع يقترن بعلامات ومعالم ورموز لأن الكينونة يختزلها الأثر والعلامة والرّمز .
في الجزائر، نتيجة عوامل متعدّدة، متّصلة بالتّراكمات التّاريخية وبآليات الاستبعاد الموظّفة في صراعات التموقعات، اهتزّت المرجعية وغابت رمزيات الشّراكة الوطنية.
الأسماء الحاضرة كرموز تبنّتها المؤسسة الرسمية، حاضرة حضورا تنميطيًا، يهلك الرّمز ويرتفع بالوثن الذي يسدّ الأفق ويرسخ التّحنيط.. والنّتيجة غياب المشترك الرمزي، وغياب الإحداثيات غيابًا يمدّ المتاهات مدًا، يبقينا رهائن تأويلات تتوهّم تأصيلا وتحقيقا لما هو حقيقة – مع أن الحقيقة هي كما عبّر عنّها أركون استحالة التّأصيل –.

وبدل أن يصبح التّاريخ أفقًا تحوّل مأزقا، بل فقد الدال – التّاريخ – المدلول، إذ التّاريخ صيرورة وفعالية منتجة للقيّم المضافة.

يتردّد اسم عبد الحميد بن باديس أو الأمير عبد القادر، وتدبج الخطب، مع استنساخ نصوص المناقب، فيفقد الرّمز الوهج. وتكثف تدمير الرّمز بآليات الحجب والانتقاء والاستبدال. حجب لأسماء لها توقيعها التّاريخي وانتقاء لأسماء خدمة لحسابات المرحلة وعمليات الاستبدال التي تخفي ما تمّ إظهاره وتظهر ما كان مخفيًا فيفقد المواطن القدرة على التّمييز وعلى إدراك الحقائق.
تفاقم الأمر بإقحام الحساسيات والحسابات في صياغة المدوّنة التّاريخية، سواء من الرّسميين أو من التيارات السياسية.
والجزائر لا يختزلها رمزيا اسم واحد أو تيار واحد، بل هي صياغة المتعدّد والمختلف، هي جزائر الأمير وحمدان خوجة وأحمد باي، أطفيش وابن باديس وابن عليوة، وفرحات عبّاس ومصالي الحاج و عمر أوزقان..
تلك الرّمزية المركّبة هي التي حضرت في خطاب ابن باديس، الذي كان يعتزّ بعروبته فيرجع لتاريخ العرب في القٍرآن الكريم، ويعتز بأمازيغيته فيوقع بالصنهاجي، ولا يخضع إسلامه لما ترسّب من تصوّرات حجبت الجوهر وحجزت العقل.
مؤخرًا، نشر الكاتب احميدة عياشي مقالات ضمن مشروع يشتغل عليه فأثار بعض من يرفضون أنسنة التّاريخ والانتصار للمعرفة في البحث والنقاش. وضمن الرّدود كتب رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين عبد الرّزاق قسوم مقالاً، بعنوان يختزل منطق الغلق والتّشبث بالتّموقع الكهفي، كتب ردًا بعنوان: “قل موتوا بغيظكم”.. صيغة تغني عن التّعليق المسهب.

وبدل أن يُناقش ما يطرح من منطلق الحيثيات والحقائق التاريخية، وما يتّصل بالحجاج الفلسفي – وهو أستاذ الفلسفة – استغرق في سردية مفارقة ومفترقة ومفرقة، سردية تعالي عن الدنيوي واقتران بديني يحجب ويعزل عن النقاش، وهو تعاطي مرتبط بتوثين يجرّد الحقائق التاريخية من ناسوتيتها ويطبعها بلاهوتية خارج التّاريخ.
مثلا يقول: “وما جعلت لنبي قبل نبينا، أن يؤدي رسالة دون التّضحية والبلاء، وما جعلت لعالم قبل علمائنا، أن يؤدي رسالته، دون فتنة وابتلاء، فما يُقال لنا إلا ما قد قيل للأنبياء، والعظماء، والعلماء من أسلافنا، وإنها لضريبة المسؤولية، وأكرم بها من ضريبة ما دامت في سبيل الله، وأنعم بها من مسؤولية ما دامت تهدف إلى بثّ قيم العلم والعلماء، ونشر مبادئ التّدين الصّحيح، وحسن الإخاء”.
ويضيف: “إن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، هي من القداسة والعصمة، بحيث لا مكان فيها لدعي أو غبي، وإنها كالمدينة المنوّرة، تنفي خَبَثها، وعبثها، لأنها طاهرة، ولا تضم بين صفوفها إلا المطهّرين”.
تلك عيّنة من سردية مُضادّة للتّاريخي والمعرفي، سردية الجواب المعادية للسّؤال، سردية الطّمأنينة والقناعة المعادية للقلق والفضول والشّغف. وهذا ما يعني نفي الفاعلية.

عبد الحميد بن باديس

القراءة المتجدّدة المؤسّسة على الوعي النّقدي والحسّ الإبداعي، هي التي تؤسّس للحضور الفاعل المنتج للقيمة المضافة. القراءة المتجددة مؤشر حيوية وخميرة إخصاب.
وغياب التّجديد العارف والعاشق للمعرفة وللجمال وللحقيقة، هو الذي يجعلنا رهائن الغرق.
غياب التّجديد يحوّل الفكرة إلى وثن كما ذكر بن نبي، و لما تتوثن الأفكار تستيقظ العفاريت وتنفلت لتصغ الهول.
وكل طرف يردّد ما يعتبره يقينا وينسف جسور التّواصل مع الآخر المختلف.
السّؤال هنا: ماذا أضاف اليساريون و الليبراليون والإسلاميون والقوميون إلى رصيد المفاهيم والأطروحات؟!
طرف يدعي أنه امتداد لابن باديس وطرف آخر يقول أنه استمرار لعبان رمضان وأطراف أخرى كلّ منها يشهر نسبًا. وكلّ من ذكروا لم يقدّموا ما يثبت شرعية الإدعاء، ولم يقدّموا طرحًا يكسر الجاهز ويتجاوز النمطية.
لم يباشروا قراءة كقراءة ألتوسير لرأسمال ولا كقراءة لاكان لفرويد ولا كحفريات فوكو وقراءات بارت وتفكيكات دريدا وخلخلة تشومسكي.
لم ينجزوا سوى ما يرسخ هيمنة منطق القطيع، وما يهندس للكهف بجدرانه العازلة وبمراياه المُخادعة.
المعارك التي تشهدها الجزائر حاليًا، سياسيًا وإعلاميًا تختزل وضع الهشاشة والبؤس.. معارك أفول الفكرة وانسحاب اللغة.. معارك سيادة الأهواء وهيمنة اللغو.
نحن في حاجة إلى تفكير في تاريخنا وقراءته باستثمار المناهج العلمية المختلفة، قراءة تتحرّى الحقيقة لبناء الرؤية المحرّرة من كلّ أشكال التّزييف للوعي الجمعي، تحريرًا يسهم في فكّ إشكالات ورفع التباسات ظلّت تكتنف الطّرح.
ومن الحلقات المحورية في تاريخنا المعاصر ما يتّصل بالحركة الإصلاحية وبرائدها عبد الحميد بن باديس.. قيل الكثير وكُتب عن الإمام وعن رفاقه وعن جمعية العلماء المسلمين، واختلفت التّفسيرات والتّأويلات، لكن لا يستطيع أحد نفي دور الجمعية وتأثير ابن باديس في وجهة الأمور.
يشكّل ابن باديس معلمًا محوريًا في التّاريخ المُعاصر للجزائر، وهو كشخصية فذّة يعتبر – كما يقول مالك بن نبي –: “مناظرًا مفحمًا، ومربيًا بنّاء، ومؤمنًا متحمسًا، وصوفيًا والهًا، ومؤمنًا يرجع إلى أصول الإيمان المذهبية، ويفكّر في التّوفيق بين هذه الأصول توفيقا عزب عن الأنظار، إبان العصور الأخيرة للتّفكير الإسلامي”.

وهو: “المصلح الذي استعاد موهبة العالم المسلم كما كانت في عصر ابن تومرت بإفريقيا الشمالية. فقد كان المغرب يعيش على صورة ما حياة العصر الذي وضعت له حدًا نهائيًا دعوة مهدي الأطلس المغربي، وسيفه عبد المؤمن. ونحن نعلم أن عصر المرابطين شهد انزلاق الضّمير الإسلامي نحو النّزعة الفقهية. فجاء ابن تومرت ارتكاسا لروح الفقهاء الضّيقة، ووضعت دعوته الضّمير الإسلامي في شريعة القرآن وطريق السّنة. أما ابن باديس فقد جاء في فترة جدّدت فيها النّزعة الصوفية “المرابطية أو الطرقية” دورة المرابطين. وهنا موضع الخطورة، ذلك أن الحلقة لم تستأنف بالفقه والرّباط، بل بالتّميمة والزّاوية”.
يقول الدكتور عمار طالبي: “يمكن القول بأن ابن باديس اتّخذ التربية وسيلة للإصلاح الثّقافي والاجتماعي والسّياسي لأن الأهداف التربوية تشمل كلّ ذلك عنده”.
لا يمكن الحديث عن تاريخنا دون استحضار ابن باديس، كما أنه لا يمكن اختزال ذلك التاريخ في ابن باديس. نحتاج إلى تمثل يتجاوز السرديات المناقبية النمطية.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

5 أكتوبر 1988.. النّار والرّماد

3 أكتوبر 1988، كآبة وطنية شاملة.. الوجوه مكفهرة، اليأس يئن مثل غربان فوق الرّؤوس، الشّرطة …

بابيشة

آخر فيلم في زمن بوتفليقة يحكي عن “بابيشة” تائهة

يُثير فيلم “بابيشة”، منذ أيّام، نقاشات متضاربة فيما بينها. يروي الفيلم قصّة فتيات يقطنّ في …