الخميس، 18 يوليو 2019

هل الله موجود؟.. وما هو الدّليل على وجوده؟

أسماء كوار

فكرة هذا المقال انبثقت من نقاش دار بيني وبين صديق كان ينقل لي معاناة والدته مع المرض.

أثار هذا الصّديق سببية الأذى والألم والمرض، وتساءل كيف يعيش الإنسان في عذاب وهو المؤمن بربّه والمواظب على صلاته والمؤدي لواجباته الدّينية!

كيف لهذا الإنسان الواقع تحت رحمة العذاب الدنيوي وهو الذي يصوم ويتصدّق ويعتمر ويحج ّويذكر الله بكرة وأصيلا، أن لا يستجيب الله لدعائه؟

ألا يُقال أن الصّدقة تدفع بالسيئة؟ ألا يُقال أن الله يرفع الغبن على بني آدم إذا خلص عبادته لربّه؟ فأين هو الله الذي يناجيه عبده في السر ويدعوه في بيته المقدّس؟!

ما الدّليل بأن الله موجود؟ هذا الإله الذي أمرنا الدّين أن نخلص لروبوبيته وأولوهيته! أيمكن وهو موجود أن يتخلّى على عبده ولا يستجيب له ويدفع الضر عنه؟!

من السّهل أن نجيب على تلك الأسئلة أن الإنسان يجب أن يكون له موجِد، والكرة يجب أن يكون لها صانع، والله واجب الوجود، ليس له موجِد، أي ليس له مسبب، فهو(لم يلد ولم يولد)؟ هل سيقتنع صديقنا بكلام مثل هذا؟!

من السّهل أن نرفع كلّ ما قيل في  التوحيد ومضامينه لإثبات وجود الله، ونلقي بها في وجه صديقنا وأن “نفتيه” بما ذكر بالتواتر وبغير تواتر، فقد نقنعه بما عليه أن يقتنع!

لكن هذا النقاش أثار فيّ الفضول لنقطة مهمة أصبحت وكأنها موضة الجيل الجديد، وهي”إنكار وجود إله”. هل الله موجود؟

إذا كنّا نملك قدرة إستيعاب ما يُثار حولنا من أسئلة وتمعنا في مردها، فبالتأكيد سيؤول جوابنا نحو نفس منحى السّؤال: هل فعلا الله موجود؟

القرآن يقول: “ونبلوكم بالشّر والخير فتنة”. البلاء كأنه من جنس العمل، أو هو إمتحان لصبر ذلك الإنسان.

بعيدًا عن الدلائل العلمية والكونية التي إما أثبتت تحكم الله في الكون أو برهنت على أن قوى أخرى تتحكّم في تسيير الكون، فإن العقل البشري في أعتى مراحل تفكيره يقف عند ما يراه من واقعه ومن ظواهر وعلل موقف السؤال!

الله.. لا نراه وهو يرانا.. أي “لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار”. لا نحادثه وهو يأمرنا وينهانا ونحن نمتثل له ونأتمر بأمره دون أن نراه ودون أن نسأل في مسألة وجوده.

هل هذا” الخضوع” معلل التّعليل ومبرهن بالدليل؟!

إن اقتنعنا بذلك الدّليل لوجود خالق لهذا الكون، هل معنى ذلك أن نرفض من” تسوّل “له نفسه طرح السؤال، أو أكثر من ذلك أن ندحض الجدل الدّائر سواء من علماء الكلام والفلاسفة أو المفكّرين الذين خاضوا في مسألة وجود خالق للكون؟!

النّظرية الديكارتية “أنا أفكّر؛ فأنا موجود “رجعت إلى نقطة البداية.. إلى لحظة الشكّ، الذي لم يكن في المنهج الديكارتي، نهاية العقل الفلسفى بل” مذهب” للبحث عن النّقطة التى يصحّ للفيلسوف أن يبدأ عندها، فالشكّ هو المرحلة الأولى، هو التأمّل الأول لدى الإنسان لبلوغ اليقين.

عندما تبنّى ديكارت مذهبه المستند على العقل وفقط، أراد من خلاله إثبات وجود الله، فأسّس بذلك لبراهينه الثلاثة الدالة على ذلك، بعدما أثبت أنّ هذه النّفس هي محلّ اليقين والصّدق وما يقع فيها من أفكار، كون فكرة الكائن الكامل اللامتناهي فكرة منطوية في النفس الإنسانيّة، بالتّالي هي فكرة صادقة ويقينيّة.

وعندما أفضى صاحب يقينيّات العقل إلى أن العقل موجود وموجد العقل موجود، نزح إلى أن حتمية باقي الأفكارالمرتبطة أساسًا بحقيقة هذه الفكرة؛ فكرة الله الكاملة، وأنّه موجود ومصدر أفكارنا.

فالمعرفة أكمل من الشّكّ الذي هو دليل واضح على النقص، حيث يقول “أرى أنّ فكرة اللامتناهي سابقة لديّ على فكرة المتناهي؛ أي أنّ الله سابق لذاتي، فأنا أعرف أني أشكّ، أرغب، أعني أنّ شيئاً ينقصني، أي لست كاملاً كلّ الكمال”.

إذا كان ديكارت فكّر وخلص إلى وجود الله منذ قرون، فإن هناك من يتساءل اليوم عن وجود الله من عدمه! ولاقتحام هذا الموضوع، تجنبت الخوض في أدلة المتكلمين من المسلمين ومن حذى حذوهم من أصحاب الملل والنحل، بما أن العقل العربي لا يقبل إلا بما هو غربي، فسأخوض بنوع من الحذر في ما خاض فيه بعض مفكري الغرب في هذا الصدد.

ديكارت

أساسًا.. الحديث في فكرة “وجود الله” تجلب لصاحبها “الحدّ” في مجتمع يرى أن الخوض في اللاءات الثلاث محرم التّحريم، فأن نقتحم هذه اللاءات (الله، الدين والجنس)، فكأننا انتهكنا كبيرة من الكبائر أوّلها وأكبرها: الشّرك بالله. ففي القرآن في الأية 72 من سورة المائدة: (إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ).

والوضوح هنا في الأية، واقع في جزئية تحريم الجنّة حيث يكون التنزيل في المرتبة والمآل من جنس الفعل. كأن الفكرة تعود بنا إلى نظرية الفيلسوف والرياضي الفرنسي بلايز باسكال (1623 – 1662) في رهانه حول إثبات وجود الله وشقاء الإنسان دون الله. وأن الإنسان إذا آمن بوجود الله، فإنه لم يخسر شيئا بل ربح. وعكس ذاك الذي لا يؤمن بوجود إله، فهو خاسر في الحالتين.

هذا” الرهان الباسكالي” الذي ألبسه عالم البيولوجيا البريطاني ريتشارد دوكينز صفة الوهم و”الهراء” في كتابه “وهم الإله”(1941).

وإذا كان ريتشارد دوكينز قد شكك في نطرية باسكال، ووصفها بما وصف، فإن أندريه كونت سبونفيل (1952) جاء ببراهين ستة، تنفي وجود خالق لهذا الكون أو بأدق تعبير تنفي وجود الله.

لكن هناك من الفلاسفة والمفكّرين من اعتبروا أنه لا يمكن نفي وجود الله، على غرار كروتشي الذي قال: “الفيلسفوف النّاجح والحق هو ذاك الذي لا ينفي وجود الله.”

قرأت منذ سنتين كتابا للفيلسوفة أدال فان ريث الذي يعتبر من أهم الكتب التي حققت في كتاب “الرهان” للفيلسوف بليز باسكال تقول، من خلال قراءة نص “الرهان”: “ندرك أنه ليس نصًا معنيا فقط بالتبشير الديني، ولكن نكتشف أنه دعوة ملحّة لنا، نحن القراء، لإيجاد معنى لوجودنا”. وهنا أضع خطين تحت كلمة معنى لوجودنا، وتضيف: “لأنه من غير المعقول عدم تطبيق معنى لوجودنا. وسواء كان الله موجودًا أو غير موجود، فإن الإيمان به في حدّ ذاته ضمان للحصول على مكان في الحياة الأخرى التي تنتظرنا، إذا كان هناك مكان في الحياة الأخري يسمى الجنّة”.

وعقبت أدال فان ريث بالقول “إذا نحن لم نولد لشيء ما، فمعناه سوف نموت من أجل لا شيء.. وهذا في حد ذاته نوع من الفضيحة العقلية التي تجعلنا لا نقبل هذه الحقيقة، حقيقة وجود خالق”.

نظرية باسكال التي جاءت في الرّهان لم تحاول إقناع الإنسان بوجود الله بالحتمية والسببية ولكنها أقنعت بوجود الله وفق تفكير نظرية “رهان باسكال” الذي يعتبر حجّة فلسفية وضعها الفيلسوف الفرنسي بليز باسكال، في القرن السّابع عشر.

وقد حاول من خلال تلك الحجّة إثبات أن من مصلحة شخص عقلاني أن يؤمن بالله، سواء كان الله موجودًا أم لم يكن. ففي الواقع، سواء كان موجودًا أو غير موجود، فإن المؤمن به أو غير مؤمن لن يفقد شيئًا في الحياة. لكن إذا كان الله موجود، فإن المؤمن به عمل في حياته ما يدخله الجنة، أما ذاك الذي لا يؤمن به فهو في جهنم إلى الأبد، إذا وجدت الحياة الأخرى.

في 1989، تحدث الفيلسوف الفرنسي فرانسيس كابلان في تعليق بإحدى الحصص الثقافية عن نظرية باسكال بليز حول حجّة وجود الله، فرأى أنه بالنسبة لباسكال، وجود الله ليس معناه أن الله موجود فقط ولكن لأن وجود الله حقيقة يجب الاعتراف بها ونحن مشغولون بحقيقة وجود الله، لأن مصيرنا في النّهاية الفناء ومعنى الفناء وجود حياة أخرى لا مفر منها”.

لم يكن الفيلسوف الفرنسي وحده في نظرية الرهان، قد آل مآله وجود الله بل حذى حذوه علماء غربيون وفلكيون كالفلكي ألن سنديج الذي يرى “أنه من المستحيل أن يكون كلّ هذا التنظيم في الكون قد نشأ من العدم والفوضى، لذا أجزم أن هناك مرد لهذا التنظيم الكوني.. ورغم أن الله بقى لغزًا محيّرًا له، إلا أنه أجزم أن الله هو التّفسير الوحيد لعجيبة الوجود وهو السبب الذي يفسر لماذا الأشياء موجودة “.

موضة الجيل الجديد هي”إنكار وجود إله”. هل الله موجود؟

في المحصلة، كما قلت في بداية المقال نحن أمام رؤى مختلفة للنّظر إلى الكون والخلق والتماسها إما أن يحيلنا إلى القفز على ما نعيشه ومحاولة تبرير وتعليل ما يلحق بنا وفق حلقة “دومينو”، تتشابك فيها الأحجار لتؤول في النّهاية إلى أصل البناء أو نتجاوز المظاهر والوقائع للوصول إلى الحقيقة الكامنة في ما وراء ذلك.

من السّهل أن نقف عند حدود الخالق في المجتمعات المسلمة بما تعلمناه سواء بالفطرة التي فطرنا عليها.. “ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه”.. أو بالبيئة التي تربينا فيها، (القبلية بشكل خاص) بالإضافة إلى المناهج التربوية التي كانت تحشو عقولنا دون أن تحلل وتناقش! وما سمعنا من شيوخ المنابر وجنة الوعيد والتحذير من يوم تشخص فيه الأبصار على قولهم!

لكن هل تساءلنا عن وجود الله وجود الوجوب وألوهيته للكون؟ وهل لمسنا الدليل على ذلك من واقعنا وفي حياتنا؟ وكيف يكون الأمر لباقي الدّيانات والنحل؟ وهل معنى أنه وحده من يولد في بيئة غير بيئة مسلمة له الحق في السؤال عن وجود الله؟

من بعض ما سُلم به أن كلّ معلول لا بدّ له من علّة سابقة وكافية لإحداثه، فالكون أو العالم غير أزلي ولا هو كوّن نفسه، ولكن هناك من يقول أن له علّة خارجية كانت سببا لحدوثه. وهو ما أصطلح على تسميته بمبدأ السببية، التي فنّدها فلاسفة ومفكرون أمثال الفيلسوف الإنجليزي ديفيد هيوم في كتابه (بحث في الطّبيعة الإنسانية) حيث ذكر أن فكرة العلية قائمة على عوامل ثلاث هي الاتّصال والضّرورة والأسبقية. المفكرون المسلمون وعلماء الكلام يقولون أن التنظيم الكوني يستلزم بالضّرورة وجود منظّم نظّمه. والكون منتظم بشكل دقيق مما يدلّ على وجود كائن عاقل قد نظّمه.

ورغم أن المسلمون أنفسهم اختلفوا، خاصة منهم أهل علم الكلام، ومنهم من أنكر السببية جملة وتفصيلا كالجهمية الذين قالوا بالجبر وتبعهم بعد ذلك الأشعرية، الذين لم ينكروا مطلقا السببية ولكنهم اعتبروا إن الأسباب لا تؤثر في المسببات، وإن العلاقة بينهما اقتران وفقط. ولا شك أن هؤلاء الذين نازعوا في تأثير الأسباب في المسببات، كانوا متفقين على القاعدة الكلية، وهي أن لكلّ معلول علة، ولكنهم حصروا تلك العلة في الخالق، لبعض الشبهات.

الأبحاث سواء العلمية أو النظرية تشير إلى أن العالم مركب من عناصر مختلفة وكلّ مركب معلول، أي حادث، وشهادة الاكتشافات الطبيعية الجديدة تبين أنّ العالم صنعته يد واحدة، لأن ما فيه من المخلوقات مركب ومنظّم بقوة عقل واحد، مما يؤكد كلّ التأكيد وجود خالق عظيم هو علّة العلل.

الدليل الآخر إن ما يخلو من الحياة لا يمكن أن يولّد حياةً في نفسها ولا في غيرها. وإنّما الحياة وحدها تحدث الحياة. وكل ما له بداية، فهو مخلوق والمخلوق لا بدّ له من خالق. ففي القرآن إشارة واضحة لمبدأ السببية، حيث تقول الآية 35 من سورة الطّور: “أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون”.

إذا علامات وجود خالق في الكون تدلّ حتماً على وجود خالق لهذا الكون، قادر أن يخلق كل شيء. وقد تبيّن أن تلك العلامات ظاهرة في الكون على وقائع مختلفة، وفي أمور كثيرة منها علامات أعضاء الجسد، فليس عند البشر من المصنوعات ما يستحق أن يُقابل بأعضاء جسد الإنسان في الكمال والدقّة والإتقان. فالعين مثلاً دليل قاطع على أن الذي صممها أكبر من أي صانع. ورغم تقدّم العلم لم يستطع صنع آلة للنظر أكمل من العين، في مطابقتها لقوانين الضوء، لأنّ العصب الموجود في الشبكية يشعر بالنور والألوان. ويدخل النور إلي العين من الحدقة، فتضيق إذا انتشر وتتّسع إذا قلّ. وهذه الحركة، تقوم بتعديل البصر آلياً دون الخضوع للإرادة، فمجرد دخول النور من ثقب ما لا يكفي لرسم صور المرئيات رسماً واضحاً، بل لا بد من مروره في بلّورة محدّبة لكي تنكسر أشعته وتتجمع في بؤرة. وهذان الشرطان متوفران في العين. ثم لو كان باطن العين أبيض، لانعكست أشعّة النور، وتشوّش البصر، فدفعاً لذلك، بُطنت العين ببطانة سوداء. وفي العين فضلاً عن ذلك عضلات مخصوصة تحكمها لنظر ما هو قريب وما هو بعيد، بسرعة مدهشة. كلّ هذا يظهر قدرة الله الفائقة في خلق الكون.

وإذا نزعنا للفلسفة من أجل اثبات وجود الله، فهو أمر مقصود ولأمر في نفسي…

لا يمكن أن نحصر المسلم في منطلق البيئة التي وُلد فيها والتي تفرض عليه (السّمع والطّاعة) فقط لما قرأ في سورة الإخلاص أو في تجليات التّوحيد والعقيدة.

فمن الطبيعي أن يثور العقل في لحظات تفكير ويبحث عن سبب الوجود والموجد ولا ضرر إن بحث في ذلك طالما أنه لا يحيد عن العقل ويبحث في النظريات التي تشكّل مرجعًا لتفسير الأحداث والوقائع.

فقد كانت الفلسفة من بين العلوم التي أخضعت الدّين للتّجربة والبرهان ولذلك جاءت الفلسفة كداعم للدين وحاولت أن تربط بين المقدّس الروحي والتجريبي البرهاني. ونجحت الفلسفة في ما فشل فيه آهل الدائرة العقلية من علم الكلام الذي فقدوا نوعا ما بوصلة إثبات وجود الله من خلال ما سُمي بدليل الحدوث، الذي جاء في قولهم “أن الجواهر لا تخلو من أعراض ولا تنفك عنها وأنها حادثة وكلّ ما لا ينفك عن الحوادث لا بد أن يكون حادثاً مثله. وهو ما يستلزم وجود محدث وهو الله”.

وهو الأمر الذي انتقده ابن رشد عندما اعترض على دليل الحدوث عند علماء الكلام الذين بنو قولهم على دليل الشّاهد الغائب ولا دليل عندهم على حدوث جميع الأعراض كما يتصوّرونها.

ونزح ابن رشد لفكرة الوجود الصّيروري لإثبات وجود الله، فقال أن التغير لم يكن على وتيرة واحدة، بل أنه تغيّر بلا حدود، وهو ما يكشف عن أن له أسبابا خارجية طبقا لمبدأ السببية، إذ لو كان التغير حادثاً بحسب الطبيعة الذاتية للمادة لكان تغيرًا على وتيرة واحدة، أي لكان التغير ثابتًا من غير تغاير، أما والتغاير حاصل؛ فذلك يحتاج إلى تعليل مردّه من الخارج، وهو ما يثبت العلل الميتافيزيقية، ومن ثم وجود الله.

طبعا هذا كلام فيلسوف العرب ابن رشد الذي أنكر على علماء الكلام حججهم وبعض الشيء عن الفلاسفة.

وهنا تحضرني قاعدة أصولية تقول: إنّ الحكم على الشيء هو فرع من تصوره. والتصور هنا شرحه الجرجاني بحصول صورة لشيء في العقل. ونلاحظ أن هاهنا يربط التصور بالعقل، فلا يمكن أن يتصور الإنسان شيئا بقلبه.

ثم إن التصوّر المقصود هنا هو التصور العلمي الدقيق الذي يضبط الذهن والفكر عن الخطأ ويؤدي إلى تحديد محكم وضبط علمي منهجي لماهية ما نريد معرفته وإثباته كإثبات وجود الله، لذلك نجد أن الكثير من الباحثين خاضوا في مسألة وجود الله من مفكرين وفلاسفة من حيث البحث عن المصدر الأساسي لهذه الطبيعة.

إذن، فكرة البحث في وجود الله، تؤدي حتمًا لاستدلال اليقين العقلي الذي سيؤسس لتساؤلات منهجية، مقدمتها العقل ونتيجتها موجد العقل، لذلك اعتبروا أن الله هو ضمان اليقين، وبدونه لا يستقيم استدلال أو يقين عقلي. ولو اكتفينا بالعقل المفكّر كدليل على وجود الله، فإننا سنسلم بما قاله ديكارت حين أقرّ بوجود الله من خلال  تفكيره.

من المفكرين من يقول أن إثبات وجود الصانع كما كان بواسطة الأمور الطبيعية بمعنى خلق الموجودات من السماء والكواكب والمجرات والتناسق بينها وخلق الارض مقدار الهواء ومقدار الماء وكلّ ما هو موجود، فهناك من يعبد النار، وهناك من يعبد البقر وهناك من يحتكم لعقله ويتفكر في هذه القوة العظمى والطاقة الأكبر من الإنسان، فيعتبره هو الإله أي أن الاستدلال العقلي يرشد إلى وجود الخالق.

وحاصل القول أنه إذا انتفى أحد الطرفين، انتفى مُلازِمه. فلا نكران للعقل وبالتالي لا نكران لله.

لم يخض في مسألة وجود الله الفلاسفة والمفكرين والفلكيين وحدهم، ولكن أثارت مسألته الباحثون في الطب والفيزياء، فقد تعجب الباحثون في الطب ومنهم  فريديريك دومولان الذي أكدّ أن أبحاثه العلمية أفضت إلى قناعة لديه مفادها وجود خالق، حيث رأى كيف أن المواد التي يمتصها الدم تمر في كل أجزاء الجسم،‏ ما عدا الدماغ والنخاع الشوكي اللذين لا تختلط بهما.‏  وكيف يقوم الدم بتظيف جميع الخلايا ويغذيها ويزودها بالأكسجين.‏ دون أن تختلط ببعضها وتكون حاجزا بينها وبين الدّم. ‏والأغرب من ذلك أن شبكة واسعة من الشعيرات الدقيقة تنقل الدّم إلى كلّ خلية في الدماغ.‏

ولذلك يقول فريديريك دومولان، المختص في علم الآحياء والصيدلانية بإحدى الجامعات البلجيكية والذي أجرى أبحاثا في تأثير الأدوية والسموم على المخلوقات الحية، يقول أنه  ذهل للطريقة التي صمّم بها الدماغ البشري وكيف هي محمية من البكتيريا والسموم بواسطة حاجز يعيق وصولها إلى الخلايا الدماغية، وقد اعترف، وهو الذي كان ينفي وجود خالق، كيف أنه كان كلما تقدم في بحث في الكائنات الحية،‏ كلما اقتنع أكثر فأكثر بوجود خالق.‏

إذن، إذا سلمنا بنظرية الاحتمالات، فمن غير المعقول أن يكون النظام في الواقع المشهود قائمًا على المصادفة والعشوائية، ولذلك إما نخضعه لتفسير علاقات الطبيعة طبقاً للمصادفات العشوائية، أو نفسره وفقا لوجود عقل حكيم.

دعوني أذكركم هنا في الختام أنه حتى الكتب السّماوية الأخرى أثارت مسألة وجود الله، وتطرّقت لذلك. ففي الإنجيل مثلا ذكر في افتتاحيته أنه منذ 3500 سنة تقريبا جاء: في البدء خلق الله السموات والأرض. ‏وأشار إلى أن الكون المنظم والحياة فيه تدل على وجود خالق. يقول الكتاب المقدس: إن كل بيت يبنيه أحد،‏ ولكن باني كل شيء هو الله..‏ عبرانيين 3:4.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

أنبياء الفنّ السّابع في الجزائر

أنبياء الفنّ السّابع في الجزائر

ناتالي فيناس. ترجمة: جلال الدّين سماعن رغم أنف الرّقابة، طفح على السّاحة جيل جديد من …

من الجزائر إلى ورقلة.. لماذا يُقاطع الجزائريون الثقافة؟!

تنويه أوّل: لا أتكّلم هنا عن الجزائريين الذين تصلهم الدعوات الرسميّة إلى مكاتبهم العريضة العازلة …