الخميس، 17 أكتوبر 2019

عندما كان الضّبع.. حشرة!

رشيد فيلالي

يرى مؤسس علم اللسانيات الحديث دو سوسير أن العلاقة بين اللفظ والمعنى (الدال والمدلول بلغة أهل الاختصاص) تعتبر اعتباطية وعرفية.

اسم الفيل مثلا، لا علاقة له بين لفظه(ف.. ي.. ل)وبين الحيوان الضخم المعروف.

من هنا وباستثناء وجود أسماء مطابقة للمسميات في اللغة على غرار طائر “الكوكو” مثلاً، و الذي يطلق عليه نفس الاسم في اللغات كلّها تقريبًا انطلاقًا من صوته.

إضافة إلى بعض الأصوات المقلّدة للطبيعة، فإن ما توصل إليه دو سوسير يعدّ في مجمله صائبا وصحيحا بإجماع المختصين، بغض النظر عن بعض التفصيلات السيميولوجية التي جاء بها العلاّمة أومبيرتو إيكو، وليس هنا مجال الخوض فيها..

بناءً على ما سبق، سوف نتطرّق في هذه الوقفة من الألغاز اللغوية إلى ظاهرة مربكة وطريفة للغاية موجودة في اللغة العربية، فلقد شاع في تراثنا اللغوي الهائل الضخامة، ما أضحى يسمى بالمعاجم المختصة على غرار معاجم البلدان ومعاجم اللغة ومعاجم الملل والنحل ومعاجم الحشرات و.. هذه الأخيرة وهي أشبه بالموسوعات الحديثة، رغم الفارق طبعًا، تعدّ أول المعاجم المختصة قبل بروز المعاجم اللغوية فيما بعد، والتي مثلما ألمحنا من قبل نتحفظ على تسميتها بالمعاجم ونفضل مصطلح القواميس فيما عدا منها المزدوجة اللغة(عربي – فارسي مثلاً).

المهم أننا في معاجم الحشرات نُصادف تعريفات في غاية الإثارة والطّرافة كما قلنا، وقد انتقلت هذه التعريفات بمعانيها وتفصيلاتها الدقيقة إلى القواميس العربية وعلى رأسها طبعًا “لسان العرب” لابن منظور، الذي مثلما لا يخفى هو عبارة عن تجميع من خمسة مصادر لغوية وهي: قاموس تهذيب اللغة لأبي منصور الأزهري، والمحكم لابن سيده، وتاج اللغة وصحاح العربية للجوهري، وحواشي ابن بري على صحاح الجوهري، والنهاية في غريب الحديث والأثر لعز الدين ابن الأثير.

ومن هنا فإن ما نجده في هذا القاموس اللغوي الكبير والشّامل يوجد مثيله وحرفيا تقريبا في القواميس الأخرى، غير التي أتينا على ذكرها، وتعالوا معنا لنقرأ تحت لفظ “الحشر” تعريفًا غريبًا لمصطلح “الحشرة” التي تجمع على حشرات، وهنا سنقرأ حرفيا ما يلي: “الحشرة واحدة صغار دواب الأَرض كاليرابيع والقنافذ والضِّبابِ ونحوها” و”وقيل: “الحشرات هَوامُّ الأَرض مما لا اسم له. الأَصمعي: الحشرات والأَحْراشُ والأَحْناشُ واحد، وهي هوام الأَرض. وفي حديث الهِرَّةِ: لم تَدَعْها فتأْكل من حَشَراتِ الأَرض؛ وهي هوام الأَرض، ومنه حديث التِّلِبِّ: لم أَسمع لحَشَرَةِ الأَرضِ تحريماً؛ وقيل: الصّيد كله حَشَرَةٌ، ما تعاظم منه وتصاغر؛ وقيل: كُلُّ ما أُكِلَ من بَقْل الأَرضِ حَشَرَةٌ”.

لفظ الحشرات كان يطلق على الضّبع

نفهم من التعريفات أعلاه أن لفظ الحشرات (أنظر بالتّفصيل: معجم الحشرات) كان يطلق على الكائنات الصّغيرة المعروفة مثل العنكبوت والذّباب والنّحل، كما كان يطلق أيضا على القنفذ والثّعلب والأرنب والضّبع والفأر والجرذ والقطّ والثّعبان والعقرب..إلخ. وقد تقلّص الآن مدلول هذا التعريف العام ليقتصر على الحشرات فحسب، تمامًا كما تقلّص معنى الكثير من التعريفات والمصطلحات المماثلة، رغم أن البعض على غرار سكان الصحراء في الجزائر مثلا، لا يزال إلى غاية الآن يطلق على العقرب لفظ “الحشرة”!

حتى ولو سلّمنا جدلاً بأن العقرب ينتمي علميًا إلى فصيلة العنكبوتيات، لكن لا يمكن أن نطلق عليه مصطلح “الحشرة” وإلا فإننا في هذه الحالة يمكننا أن نسمي الإنسان “حيوانا” رغم التعريف الشائع “الإنسان حيوان ناطق”!

وكما هو ملاحظ، فإن المعنى قد يتغيّر وينتقل من الخاصّ إلى العام مع مرور الزّمن والعكس صحيح أيضا، فلفظ “التّهجد” على سبيل المثال لا الحصر كان يطلق على “النوم ليلاً” لكن بعد ظهور الإسلام وظهور معه مصطلحات كثيرة جديدة تغيّر معناها جذريا، حيث تحوّل معنى كلمة “التّهجد” إلى “إقامة الصّلاة ليلا” أي أنها تغيّرت من النقيض إلى النقيض!

ونفس الظّاهرة نجدها في اللغات العالمية الأخرى، فالكلمة الإنجليزية “meat” كانت تعني الطّعام مطلقًا، لكن اليوم صارت تعني اللحم فقط، وقس على ذلك الكثير من الكلمات الأخرى، الأمر الذي يجعلنا نتعامل مع القواميس العربية (والمعاجم الأجنبية أيضًا) بحذر وذكاء شديد، لكي لا نوظف معنى ميتا من المعاني القديمة التي تجاوزها الزّمن، ولهذا السّبب فإن التعريفات في القواميس تتم عن طريق الترتيب في وتيرة الاستعمال، من الأعلى ثم تتراجع نسبة الاستعمال وتنخفض شيئًا فشيئًا إلى حدّ الاستعمال النّادر شبه المنعدم، والذي يوظّف في سياقات خاصة لدواع بلاغية لا أكثر.. فتأمل.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

جائزة مقابل خيانة اللغة الوطنية

بتاريخ  30 جوان 1996، كانت قناة “TF1” الفرنسية بصدد نقل فعاليات الجائزة الفرنسية الكبرى لسباق …

هل التعريب في الجزائر استعمار جديد؟

هذا السّؤال الغريب في الحقيقة لم أطرحه أنا، بل هو استنتاج توصّل إليه الكاتب محمد …