الخميس، 17 أكتوبر 2019

فاطمة بلحاج : متى ينتهي هذا الصمت؟

من ألمع الأسماء الجزائرية في عالم التمثيل السينمائي والمسرح الجزائري، تألقت في العديد من الأدوار المُتميّزة، وأدّتها باقتدار، كدورها اللافت في مسرحية «بيت برناردا ألبا» لغارسيا لوركا، وأدائها لدور «ماتيريو» الشوهاء والتي أخرجها للمسرح الجزائري الراحل علال المحب،عام 1989.

فاطمة بلحاج

كما جذبت الأضواء إليها، في فيلم المخرج العبقري محمد شويخ في فيلم «القلعة»، رفقة خالد بركات وسيراط بومدين وآخرون. مُطوّفاً الفيلم أرجاء العالم، ومُستقطبا إعجاب الكثير من النظارة، والمتابعين للشأن السينمائي من ذوي التخصصات النقدية كابراهيم العريس، سمير فريد، وخميس الخياطي…

عناوين كثيرة في الريبرتوار الحافل بالعطاء والانجازات، طبعت مسيرة فاطمة بلحاج ، كما اقتحمت ميدان الإخراج في أوّل محاولة سينمائية أولى لها عام 2007، بفيلم «مال وطني»، الذي لامست من خلاله جراح الجزائريين، التي افترستها حرب أهلية ضارية، في التسعينيات من القرن الماضي، أتت على الأخضر واليابس زراعة الموت والتقتيل المجاني، حدّ الهوس والجنون في بلد خرج بأعجوبة من حرب ضروس كادت تودي بالبلد إلى الجحيم. ورغم جسارة المحاولة -تلك- ورغم أهمية الفيلم، باعتباره إضافة لسجل الأفلام السينمائية التي قاربت موضوع الإرهاب والموت في الجزائر، إلا أنه لم يلق النجاح الجماهيري المرجو، رغم تألق البطل صالح أوقروت، وتماهيه في أداء الدور بملامحه الجسدية البارزة، وتقمصه لحالة الجنون، التي تَلبّسته جراء تتالي عمليات التقتيل، ومشاهد الدمّ المُروّعة من حوله.

رفقة زوجها صالح اوقروت

ثم تابعت فاطمة بلحاج مشوارها من خلال انجاز أشرطة وحلقات تلفزيونية، قدّمتها للتلفزيون الجزائري، تعالج قضايا، على جانب كبير من الأهمية، كظاهرة تخلي الأبناء عن آبائهم، وإيداعهم بيوت العجزة والمسنين، أو كحكاية البرنوس القديم الذي تمت سرقته من قبل جيل من شباب ضائعين، تزاحموا حول الشيخ الاسكافي، واغتصبوا منه أعزّ ما يملك، كإرث وحيد، تركه والده بحوزته، كعربون للتواصل، وكرمز للحفاظ على تركة الأجداد.

هي أعمال كثيرة إذن، لا يمكن حصرها في هذه العجالة. رافقت من خلالها فاطمة بلحاج، أبهى الأسماء الجزائرية، في مجالات السينما والمسرح الجزائري كسيدي علي كويرات، نورية، الراحلة ياسمينة دوّار، نادية طالبي، والرائدة كلثوم، كما تجلت موهبتها -أيضا- في مرحلة شهدت تصاعد وازدهار لافت للسينما الجزائرية، في فترة كانت الجزائر قبلةً للسينمائيين العرب والأجانب، وكان بريقها يسطع من كل الجهات، غير أني أودّ الحديث عن أهمية فاطمة بلحاج كناقدة سينمائية متميزة، أثرت ساحتنا الإعلامية بالعديد من المقالات المُهمة، في حقل النقد السينمائي، الذي كان إلى حد ما، وقفاً على أسماء رجالية معروفة، كأحمد بجاوي وجمال الدين مرداسي وعبده ب، وأحمد شنيقي، وعبد الرحمن جلفاوي… ممن صنعوا بأقلامهم الناضجة، أفقا نقديا سينمائيا واعدا، مضيئا المشهد بالعديد من الخطابات النقدية المتميزة، التي ظهرت تباعا في الصحف والمجلات المتخصصة، كمجلة «الشاشتان»، و«ميديا بلوس» وجريدة «وقائع الجزائر» باللغة الفرنسية…

في تلك الفترة الصاخبة بالتحوّلات، كان الصوت النقدي السينمائي بالعربية عندنا بالجزائر، خافتا نوعا ما، لعدم تشكّل نخبة متخصّصة، في مجال النقد السينمائي، متخرجة من معاهد النقد السينمائي، مثلما هو معمول في مصر وسوريا والعراق… لذا كان يقتصر النقد السينمائي عندنا، على المتابعة الصحفية والانطباع العابر، الذي تُمليه الرغبة الجامحة لاستكشاف عوالم، وفضاءات هذا العالم السحري، ولست أذيع سرًّا، إذا قلت، أن فاطمة بلحاج جاء وُلوجُها عالم النقد، فتحا مُبيناً، لتدارك هذا النقص، وملء هذه الفجوة، والفراغ في مجال النقد السينمائي بالعربية، كونُها ابنة هذا المجال، وغير بعيدة عن ممارسة هذا الفن، لقد دأبت باقتدار، على انجاز برنامج سينمائي بالإذاعة الوطنية، يُعنى بالشأن السينمائي مع بداية التسعينات، والتفّ حولها الكثير من النقاد والممثلين والمشتغلين بقضايا السينما، من خلال العديد من اللقاءات والمقابلات الصحفية التي أجرتها فاطمة بلحاج، مع أبرز الأسماء، إن على المستوى الوطني أو العربي، لقد امتدّ نشاط هذه الناقدة عبر الصحف الجزائرية، من خلال تغطيتها الحيّة للكثير من المهرجانات والملتقيات السينمائية العربية، كمهرجان قرطاج أو خريبكة السينمائي، أو مهرجان القاهرة الدولي…

افيش فيلم القلعة

وعلى هذا النحو تعدّ -في اعتقادي- ثاني ناقدة سينمائية بعد الناقدة المعروفة الراحلة موني براح، في مجال اقتحامها ميدان النقد السينمائي، برؤية ثاقبة، مُشبّعة بالثقافة والتكوين الرصين والجاد. ولطالما تساءلتُ الآن، عن سرّ اختفاء قلم هذه الناقدة، ولمَا توارى قلمها عن مواكبة الأحداث السينمائية التي تقع هنا أو هناك؟ هل هو النضوب الذي أصابها؟ أم أنه التردّي الثقافي وبؤس الحالة الجزائرية الراهنة ؟ لست أدري؟

لكنني كثيرا ما كنت أريد تكسير قشرة الصمت بيننا، للحديث معها -فيسبوكيا- على الأقل للوقوف -مليًا- لاستجلاء هذه الظاهرة. لكنها كانت تلوذ بجدار الصمت. وتالياً أقلعتُ عن تكرير هذه المحاولة من جديد؟ خشية أن أجرح مشاعرها، أو أن أخدش مَحارتها الملكوتية الدفينة؟ إن هي تعرضت لفتح دفاترها القديمة؟ أو ربما هي لاَ تودّ النبش في ماض، لا يخصّ أحداً غيرها؟..

تلكم هي الممثلة والناقدة فاطمة بلحاج علامة مسجلة في تاريخ بلدي، من مواليد مدينة غيليزان بالغرب الجزائري عام 1963، وخريجة المعهد العالي للفنون الدرامية ببرج الكيفان، والمتالقة في العديد من الأفلام والمسرحيات الجزائرية، والفتاة البارعة في دور عُليّة، ابنة الباشا، في فيلم “الأقدار الدامية” لخيري بشارة، رفقة نجوم مصر الكبار كيحيى شاهين ونادية لطفي واحمد زكي، من إخراج السينمائي القدير خيري بشارة، وبه وجب الإعلام.

Enregistrer

Enregistrer

Enregistrer

Enregistrer

Enregistrer

Enregistrer

Enregistrer

Enregistrer

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

محمد بوشحيط

محمد بوشحيط: حول الأزمة

(كُتب هذا المقال قبل 23 سنة، لكنه لا يزال يصف واقعنا) يُصاب المُلاحظ السّياسي، خاصّة …

الكتابة لحظة وعي أم وظيفة أيديولوجية؟

سؤال افتتح به الكاتب الرّاحل محمد بوشحيط(1943-1996) كتابه الأوّل، الذي صدر عن المؤسسة الوطنية للكتاب(1987)، …