الخميس، 17 أكتوبر 2019

أيمن الدبوسي.. ماذا لو جرّبنا الجنون؟!

ضيّاء البوسالمي

أيمن الدبوسي

يمنحنا الأدب فرصة نادرة لا يمكن أن نجدها في مجالات أخرى تتمثّل أساسًا في حريّة التعامل مع مجموعة من الظواهر التي تجعلنا في حيرة حول أسبابها ونتائجها.

الجنون وتاريخه والمصحّات العقلية يتعامل معها الأكاديمي بصرامة للبحث والتّنقيب ومن ثم محاولة الخروج بنتائج.

هذا ما لا نجده في الأدب إذ ينكسر هذا التّمشي وسرعان ما تتحوّل الأمور إلى مجموعة من الأحداث التي تتوالى مع شخصيات وأماكن يبتدعها الكاتب لتقريب الصّورة من ذهن القارئ. هذا ما فعله النفساني والكاتب التونسي أيمن الدبوسي من خلال مجموعته القصصية “أخبار الرّازي”(منشورات الجمل، 2017).

فقد ضرب بكلّ منهجية عرض الحائط وتفرغ لنسج عالم الجنون في مصحف عقلية عايش فيها مرضى لمدة خمس سنوات. لقد جاءت نصوص “أخبار الرازي” كانتصار بعد معركة ذاتية خرج منها الكاتب بهذه “الأخبار” ليقحمنا في هذا العالم بحكايات متخيّلة تارة وواقعية طورًا.

تدور أحداث القصص في إطار مكاني واحد وهو مستشفى الرازي بتونس، أيمن الدبوسي يضع القارئ منذ البداية في مأزق ويولد لديه حيرة سترافقه إلى الإنتهاء من النّصوص وهي هذا الخلط – المقصود –  بين الكاتب من جهة والشّخصية من جهة أخرى. ماهي الأحداث الواقعية وماهي الأحداث المتخيلة؟ ويبدو أن هذه إستراتيجية متبّعة لإلقاء نوع من التوجّس في نفسية القارئ فيتلقى القصص ويتفاعل معها بشكل أعمق.

يميط الدبوسي اللثام عن جانب آخر من الحياة، ذلك الجانب المظلم الذي يخشاه الجميع. إذ ينقلنا إلى أروقة مستشفى المجانين ويطلعنا على أدق التّفاصيل. ولا يحاول الدبوسي أن يغيّر من الواقع أو يحمله وإنما تعتبر القصص دعوة جريئة إلى كسر الحاجز وتمزيق تابوهات للإطلاع على الوضعية في حالاتها الحقيقية. فيجد القارئ نفسه في مواجهة الجنون، تنوّع الوضعيات وقساوتها مع الوصف الدقيق الذي يتقنه الدبوسي يجعلان القارئ يتفاعل وينسى المنظومة الإيتيقية التي اعتادها ليعيد تشكيل قناعاته من جديد.

النّفساني والكاتب التونسي أيمن الدبوسي يدعونا، في نصوص “أخبار الرّازي”، إلى إعادة التفكير في كنه الأشياء وتنظيمها وفق سياق جديد فيتحوّل “الباركيزول” إلى وسيلة للإنعتاق والتخلص من الآلام ونقتنع أنه السبب الذي يشدنا للحياة.

غلاف كتاب أخبار الرازي

هكذا هو عالم الجنون كما يصوره الكاتب الذي يتفاعل مع المحيطين به من زملائه من جهة والمرضى من جهة أخرى محاولاً الكشف عن سلبيات النظام المتبّع مع الغوص في أعماق تجارب جنونية لا تخلو من غرابة.

تقتلع “أخبار الرّازي” القارئ من مكانه وتحرمه من الطمأنينة لتلقي به على أرضية متحرّكة. إنها دعوة للإطلاع على الجانب المظلم من الحياة والسّخرية منه قدر المستطاع. لقد عمد الكاتب إلى بناء رابط خفيّ بين المجانين المنسيين والمواطنين الراشدين. وبذلك منح فرصة لتبادل الأدوار في تجربة فانتازية تنكسر خلالها المقدّسات ويقدّس فيها المدنس مع إعادة خلق للمعنى تحت شعار الفجور والعربدة.

مع تتالي القصص وتعدد الشخصيات، يبدأ القارئ بالإنغماس – لاإرادياً – في عالم الجنون ويتدحرج تدريجيًا إلى غرف الرازي، حيث يعاني المجانين من العنف والإغتصاب وغيرها من الفظاعات. إنّ ما يحسب لأيمن الدبوسي في هذه المجموعة القصصية هو هذا التداخل بين الواقعي من جهة والفانتازي من جهة أخرى وبراعته في التوفيق بين الجانبين فتتحوّل الأقصوصات إلى ملاذ ووسيلة للقطع مع العالم االخارجي. إذ رغم أنّ الكاتب يصدمنا في كلّ مرة ويجبرنا على التحديق في مناظر مروّعة ووضعيات قاسية، نزداد إنشدادا إلى النصوص وتأثّرا بالشخصيات فنواصل الرحلة رغم كلّ العراقيل.

لقد تعرّض ميشال فوكو للجنون وتاريخه في العصر الكلاسيكي بطريقة أكاديمية معمقة. بيد أنّ الدبوسي اختار أن يتجاوز كلّ منهجية صارمة وأثار هذا الموضوع بطريقة أدبيّة بثّ من خلالها الجنون في عدة تمظهرات فاسحًا المجال أمام القارئ ليعاين الحالات دون أي واسطة، فكان ذلك بمثابة الفخّ الذي وقع فيه هذا الأخير وحبس وسط عوالم أنسته الواقع.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

آمال بشيري

«خفافيش بيكاسو».. نزعة روائيّة نوعية

تخرج آمال بشيري في روايتها “خفافيش بيكاسو”(دار ميريت، القاهرة 2018) عن كلّ المواضيع المألوفة من …

اللقاء : قصّة جديدة لياسمينة خضرا

الملحق الأسبوعي لصحيفة “لوبريزيان” الفرنسية، استضاف مجموعة من الكتّاب الفرانكفونيين، لكتابة قصص يدور موضوعها حول …