الأربعاء، 17 يوليو 2019

كلود ليفي ستروس توصّل إلى أخطر منهج والسّبب..البول في الفراش!

رشيد فيلالي

لا شك أن العلامة الفرنسي كلود ليفي ستروس (1908-2009) يعدّ أب المنهج البنيوي في البحث العلمي، وشيخه ورائده، ومؤسسه الأول مثلما يلقب، رفقة الباحث اللغوي السويسري الشّهير دو سوسير.

وهذا الباحث الأنثروبولوجي (المجال الذي اشتهر وعرف به بشكل عام) متعدّد الاختصاصات في الحقيقة ومتعدّد التآليف في شتّى المعارف البشرية.

فقد قدّم كلود ليفي ستروس مساهمات جليلة في التأسيس للمنهج المذكور، الذي يعدّ من أبرز وأهم المناهج العلمية المعاصرة، بكتاباته في مجال الإثنولوجية وخاصّة إبان الفترة الخصبة التي هاجر فيها ضمن رحلة بحث مطوّلة إلى أمريكا اللاتينية وإلى البرازيل تحديدًا، حيث عاش هناك وسط قبائل وأقوام بدائية وكتب حول سلوكياتها وطرق معيشتها وتفكيرها ومعتقداتها وثقافتها بشكل عامّ.

وكتب كلود ليفي ستروس تعتبر حاليًا نفائس في هذا المجال لا تقدر بثمن وأشهرها “مداريات حزينة”، الذي نشر أول مرة عام 1955، ولهذا السّبب تم تكريم هذا الباحث العبقري في الكثير من المناسبات وتم طبع مجموع مؤلفاته في طبعة “البلياد” الفاخرة وهو بعد على قيد الحياة، إذا الشّائع في هذا النّوع من الطّبعات هو طبع كتب لمؤلفين مشاهير بعد موتهم ورحيلهم، لكن أمثال كلود ليفي ستروس يكسرون القاعدة..

كلود ليفي ستروس

على كلّ حال ما يهمّنا هنا هو حادثة طريفة جدًا، وقعت للباحث كلود ليفي ستروس وكانت السّبب في توصله للمنهج البنيوي في البحث العلمي ضمن علوم الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع وعلم النّفس واللسانيات والفلسفة على وجه الخصوص، وذلك حسب ما سرد ذلك شخصيا في حوار نادر بثته منذ سنوات قناة آرتي “الفرانكو ألمانية” الثقافية، إذ قال بأنه في إحدى المرّات كان يتجوّل في بعض المروج الخضراء الكائنة على مستوى منطقة غابية تقع بين بلجيكا (مسقط رأسه) ولوكسمبورغ وبعد أن أصابه التّعب، استلقى على الحشيش لأخذ قسط من الرّاحة، وفي تلك الأثناء أخذ يحدق عن غير قصد ويتأمل من دون تفكير في نبتة معروفة يطلق عليها بالفرنسية اسما غريبا وهي”البول في الفراش”(Pissé au lit)(نطلق عليها في الشرق الجزائري اسما غريبا أيضا وهو.. “الشّيطان!”).

هذه الزهرة عندما تيبس تبدأ في التّفكّك وتتطاير بذورها في الهواء على شكل مظلات صغيرة، ثم أن مظلة الطيران تم ابتكارها انطلاقًا من خصائص هذه النبتة العجيبة! ولحظتها – يقول ستروس – توصل إلى تأسيس قواعد ما يُسمّى اليوم بالمنهج البنيوي (Structuralism)، الذي يلخص ببساطة شديدة على أن “البنية” بعد تفكيكها وتحليلها إلى عناصر أولية ووحدات صغرى هي التي تشكل أي ظاهرة إنسانية، وقد شاع وذاع هذا المنهج العلمي في العالم أجمع، وظلّت هذه الحادثة الطّريفة عالقة بذهن كلود ليفي ستروس، كونها سببًا من أسباب شهرته العلمية التي عمت الآفاق وشهد لها القاصي والداني، وهكذا نلاحظ أن ليفي ستروس، الفيلسوف والمفكر والباحث الكبير، علّمته زهرة بسيطة من أزهار الطبيعة أخطر منهج علمي في التّاريخ المعاصر.. فتأمل.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

جائزة مقابل خيانة اللغة الوطنية

بتاريخ  30 جوان 1996، كانت قناة “TF1” الفرنسية بصدد نقل فعاليات الجائزة الفرنسية الكبرى لسباق …

هل التعريب في الجزائر استعمار جديد؟

هذا السّؤال الغريب في الحقيقة لم أطرحه أنا، بل هو استنتاج توصّل إليه الكاتب محمد …