الخميس، 17 أكتوبر 2019

الاتّباعية وجرح الجسد وإجتراحات اللغة

محمد بن زيّان

الاتّباعية الطّاردة للإبداعية كرّست نسقًا بروكستيا أصاب الهوية بالعمى – ولعبد الكبير الخطيبي عبارة الهوية العمياء –، إصابة أنتّجت جينات تشكيل ما وصفه أمين معلوف بالهويات القاتلة.

الاتّباعية أنتجت تبديد التّحقق الفردي ورسّخت هذه الاتّباعية الصّهر في قالب الجماعة، صهرًا جعل الإنسان كما كتب أدونيس: “بحسب التّأويل الألفي للنصّ السّائد، يولد في الثّقافة الإسلامية كأنه نقطة أو حرف أو كلمة في كتاب هو الأمة”.

أو كأنه يولد في آلة، بحيث يبدو كأنه مجرد كائن يؤمن بما أُعطي له. مجرد اسم، مجرد شكل، مجرد نمط خارجي من الوجود.

وإذا كان لديه عقل فلكي يخدم، حصرًا، هذا النّمط. وكيف يمكن لمن يكون وعيه مجرد وظيفة تفسيرية لنصّ مقدّس، أن يزعم أن له “أنا” أو أن له “ذاتا” تبدع؟ وهذا مما يذكر بكلمة كاشفة للفارابي يقول فيها :” كلّ موجود في آلة، فذاته لغيره، وكلّ موجود في ذاته، فذاته له”.

الآخر المغاير المختلف منبوذ و مرفوض.. هيمنة النحن بكلّ بروتكولاتها مرسّخة بالتّراكم، ترسيخا صادر هوية الفرد وطمس الذّات بإخضاعها لمقاس بروكستي. الهيمنة عقدتنا، أخرجتنا من التّاريخ كفعالية مبدعة للقيم المضافة.

كتب الخطيبي عن “الاسم العربي الجريح” وكتب فوزي منصور “العرب خارج التّاريخ”، كتب مصطفى صفوان “لماذا العرب ليسوا أحرارا؟” وكتب سليم دولة عن الجراحات، وكتب حمودي وشبل وبن سلامة وأركون وهشام شرابي وجمال غريد.. وأسماء أخرى.. كتابات حاولت المقاربة والمساءلة.

تحدّث فتحي بن سلامة عن المسلم الأعلى وقال في حوار ﻟ”نوفال أوبسرفاتور”: “لاحظتُ من خلال عياداتي كيف بدأ بعض المسلمين ممّن عاشوا إلى ذلك الوقت علاقتهم بالإسلام بطريقة هادئة وتقليديّة، يغرقون في عذابات لا تنتهي، وباتوا يعتقدون بأنّهم ليسوا مسلمين كما ينبغي، بل ويشعرون بأنّهم في حالة ارتداد عن دينهم. لقد كان يهزّهم شعور عميق بالذّنب وبالرّغبة في استعادة كرامة مفقودة، وأنّ عليهم واجب أن يكونوا “أكثر إسلاماً” ممّا هم عليه، بتشرّبهم الوصم والمطالبة بعدالة هوويّة. لقد كنّا نتحدّث حينها عن الأصوليّة. وعندما درستُ عن كثب خطاب التيّار الإسلاموي ونشأته، برز نمط المثل الإسلامي الجريح كمكان للدّعوة إلى الإصلاح، إن لم يكن للانتقام، من خلال الدّين. هذا اللقاء بين السريري والاجتماعي هو ما جعلني أمام المسلم الأعلى كصورة يمكن أن تُوجد في شكل توجّه ويمكن أن تتّخذ تجسّدات مختلفة، وتتمثّل في السّعي إلى أن يكون المرء أكثر إسلاماً ممّا هو عليه والتخلّص من إحساس بالعار من خلال حماس ديني مفرط”.

فتحي بن سلامة

الجرح حمله الجسد، جسد في صراع مع التحقّق كإنوجاد متحقّق بهوية فردية مستوعبة في إطار الجماعة، استيعابًا للمختلف واحتفاء بالمغايّر.. متحقق لغة ببلاغة لا تكابد معاناة الحذر والالتفاف السّاهر على استمرارية الكبت.

الجرح اقترن بترسيخ معيارية ضبط وربط، وظفت الأخلاقي والديني لخدمة تحقق سلطوي والمعيار هو كما سجل ميشال فوكو:” إذا لم تكن كباقي النّاس فأنت غير طبيعي وإذا كنت غير طبيعي فأنت مريض”.

ولكن انزاح عن النّسق في مختلف الفترات، من اجترحوا لغة جرح الجسد فصاغوا ما يشكّل رصيدًا بالتّراكم لخطاب الجسد، وهو خطاب تجسيد الإنوجاد .
الشاعرة والصّحافية اللبنانية جمانة حداد بادرت قبل سنوات إلى بعث مجلة عن الجسد وما يتصل به، واندرج ذلك كما قالت في حوار أجرته معها جريدة الوقت البحرينية (2009) ضمن “خطاب مُعاصر متواصل مع التّراث، أي أنه يستمد بعض تحريضاته من الحسرة على ما كان لدينا في تراثنا الأدبي العربي، وما قُمع لاحقاً أو تمّ إخفاؤه والتنصّل منه. لكنه إذ يستعيد هذا التّراث المضيء فإنه لا يتوقف عنده، بل يشتهي أن يتواصل كذلك مع حركة الجسد الراهنة، في أبعادها الفنية والأدبية والعلمية، العربية والعالمية على السواء”.

من النّماذج التّراثية التي صاغت ما يمثل ذروة الإفصاح واجتراح جرح الجسد أبو حكيمة راشد بن إسحاق الكاتب المتوفى في سنة 240 للهجرة، وهو في طريقة للحجّ.. ميزة أثره رثاءه لعضوه الذكري وما لحقه من عجز، ومما قاله:

“تُكَفِّنُ الناسُ مَوتاهُم إِذا هَلَكوا

وَبَينَ رِجلَيَّ مَيتُ ما لَهُ كَفَنُ

مَيتٌ تُصافِحُهُ أَيدي أَحِبَّتِهِ

لَم يَفتَقِد شَخصَهُ أَهلٌ وَلا وَطَنُ

رَأَيتُهُ مالَ وَاِستَرخى فَقُلتُ لَهُ

ضَعفٌ أَصابَكَ يا مِسكينُ أَو وَسَنُ

يا راثِيَ الأَيرِ قَد رَثَّت حَبائِلُهُ

لَم تُبكِ عَينَكَ أَطلالٌ وَلا دِمَنُ

لا تَستَكينُ إِلى لَهوٍ تَلَذُّ بِهِ

أَلَم يَكُن لَكَ مِن خودِ الدُمى سَكَنُ”.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

أنبياء الفنّ السّابع في الجزائر

أنبياء الفنّ السّابع في الجزائر

ناتالي فيناس. ترجمة: جلال الدّين سماعن رغم أنف الرّقابة، طفح على السّاحة جيل جديد من …

من الجزائر إلى ورقلة.. لماذا يُقاطع الجزائريون الثقافة؟!

تنويه أوّل: لا أتكّلم هنا عن الجزائريين الذين تصلهم الدعوات الرسميّة إلى مكاتبهم العريضة العازلة …