الخميس، 24 أكتوبر 2019

نوري الجرّاح: المجتمع الجزائري مُعاق وبعيش أزمة ثقافية

حوار: بثينة سرمدة

نوري الجرّاح

الشّاعر السّوري نوري الجرّاح (1956-)، واحد من المثقفين العرب القلائل، الذين كتبوا عن العشرية السّوداء في الجزائر، بعد معايشتها على أرض الواقع.. عام 2000، أصدر كتابه الأهمّ “الفردوس الدّامي” وكسر حصاراً ثقافياً كان قد فُرض على الجزائر، في تسعينيات القرن الماضي. تجوّل نوري الجرّاح – حينها – في شوارع البلد، عايش جزءًا من الفظاعات التي كانت تحصل يومياً، في قسنطينة وعنابة والجزائر العاصمة.. كان ومازال يشعر بانتمائه إلى الجزائر.

كطفل صغير يعود صاحب “قارب إلى لسبوس” بذكرياته إلى منزله القديم، بعد غياب سنوات كثيرة يتذكّر نوري الجرّاح تفصيلات المكان الجزائري، مشاعر الخوف، الرّغبة في معرفة الحقيقة، أمله في المستقبل.. يسألنا: هل مازال في الجزائر شباب؟ كم معدل العمر هناك الآن؟.. “يالها من خسارة أن تكونوا شبابا بكلّ هذه الفتوة ويحكمكم أولئك..” يقول.

يتحدّث لكاتب ألماني كان بالجوار عن رحلته بالقطار، من الجزائر العاصمة إلى عنابة وقسنطينة، برفقة الشّاعر أبو بكر زمال، عن مروره بالمجازر.. يتذكّر مجزرة “بن طلحة”..”لم يكن للشّعر مكانا وقتها”.. “إنّها الجزائر وإنها تجربة حياة. لقد علّمتني الشّجاعة وعلّمتني كيف أسير بمحاذاة الموت ولا أعود أدراجي” يُضيف. ثم ينظر إليّ ويسأل بحبّ: “هل مازال عبد السلام يخلف يلتقط الصّور؟!”.

أنت تقرأ العشرية السّوداء، في الجزائر، من منظور ثقافي.

العشرية السّوداء في الجزائر جاءت كانعكاس لسرقة الثورة من أصحابها. الأمر قد يبدو غريبًا لكن المشهد السّوري الآن ليس سوى إعادة للتّجربة الجزائرية بنسخة حديثة.

ذهبت للجزائر، في التسعينيات، بحثًا عن إيجاد جواب لسؤال: من الذي يقتل؟ لأن الضّحية معروفة ولا تحتاج لسؤال: من يقتل من؟ في الحقيقة هذا سؤال خبيث لأن السّلطة كانت تقتل، الفرنكفيون كانوا يقتلون الإسلاميون المتطرّفون قتلى هم أيضًا، المخابرات كانت تقتل وفئات أخرى غامضة كتجار الأراضي والمافيا العقارية والضّحية دائما معروف: هو الفلاح الجزائري، الإنسان الفقير، ابن المنطقة الذي اضطر لمغادرة منطقته بحكم الصّراعات. هو مجتمع انفجر بعد سنوات من فشل الاستقلال الحقيقي.

الفشل الثّقافي قاد لعدم خلق هارمونية ما بين مكوّنات المجتمع الجزائري، ربما هذا ما كانت تعمل من أجله جمعية العلماء المسلمين. والغريب في الأمر أن هناك من يخوّن عمل هذه الجمعية حاليًا في الجزائر وهو بالنّسبة لي تخوين لجزء مهمّ من تاريخ الجزائر وهذا التّخوين لن يخلق إلاّ فشل بعد آخر!

هل سيتصالح الجزائريون مع بعضهم البعض؟ وكيف تتمّ هذه المصالحة؟

المصالحة تتمّ عبر فتح حوار حقيقي وعميق بين مكوّنات النّخب الجزائرية،  فالمجتمع يعيش أزمة عميقة خاصّة وأنه خرج من مرحلة الاستعمار إلى مرحلة الاستقلال وهذا ما لم تستوعبه النّخب الجزائرية، حيث تم اختطاف المجتمع الجزائري فكريًا وأيديولوجيا بمعنى صار يساريًا بالقوة، وأًخضع لتيارات فكرية لها علاقة بالحرب الباردة، فلم يكن التوجه الفكري اليساري في الجزائر نتيجة مطالبة نخب أو نتاج تطور أفكار وإنما كان مفروضًا من النظام السّياسي ومفروضًا من أطراف أخرى. في السّبعينيات كان المجتمع يخفي فشله وفجأة لما انهارت الأيديولوجيات في العالم انكشف المجتمع على حقيقته.  لماذا انفجر المجتمع الجزائري عشية سقوط الاتحاد السوفياتي؟! كما أن هناك نقطة مهمّة هو قدرة أنظمة ريعية خليجية على خلق تيار إسلامي متشدّد في الجزائر، استفاد من الأزمة الثقافية والفكرية التي تميز المجتمع الجزائري وانتشار الفساد، حيث أن الجزائرين “مُستفقرين” وهم أغنياء. الملاحظ في فترة ما قبل العشرية السّوداء ظهور فئة الأئمة الشّباب بدلاً من الأئمة الشيوخ فالإجابة تكمن فإن حركة الشّباب المقموعة في كلّ مكان وجدت متنفسًا لها في هذا المكان لأن المخابرات كانت تراقب الأماكن الأخرى. السّلطة في الجزائر سلطة عسكرية فاسدة.

غلاف كتاب الفردوس الدّامي

بعد كلّ هذه السّنوات ماتزال تعتبر أن السّلطة في الجزائر عسكرية وفاسدة. ألم يحصل تغيير؟

الوضعية لم تتغيّر كثيرًا، فهي سلطة عسكرية فاسدة تستعين بالمخابرات وتعمل على مراقبة شعبها، فريق بوتفليقة هو الفريق القديم ذاته، لكنه يحاول إعطاء صورة محسّنة. التغيير كان سيحدث مع الرّاحل محمد بوضياف لكنهم قتلوا الرّجل الذي صدق أن الجزائر تغيّرت وعادت إلى بلده للمساهمة في بناءها. المجتمع في أزمة يبحث عن حلول خارج المنطق وهو ما جعل الجزائريين يسيرون نحو العشرية السوداء، في ظلّ سيادة نظام فاسد عير قابل للتّغيير.

أنت ترى أن المجتمع الجزائري لم يتطوّر ثقافيا وحضاريا.

كما قلت سابقا المجتمع الجزائري يعيش أزمة وهو مجتمع مُعاق.

ماذا تقصد بمجتمع مُعاق؟

هو مجتمع لم يستطع إيجاد مخرجات له، يعيش أزمة ثقافية حقيقية ساهمت فيها النّخب. في الجزائر الأن يناقشون قضايا سنوات الثّمانينيات، المجتمتع مازال يعيش مقدمات سنوات العشرية الدامية حيث أن الفساد استشرى أكثر والثّقافة تعيش أزمتها هي الأخرى لأنها لم تستطع أن تنقل أسئلتها من بيئة التسعينيات إلى وقتنا الحالي. مازال النّقاش حول الفرنكفونية والإسلام المتشدّد في الجزائر قائمًا، هي نفس العناصر التي شكّلت العشرية السوداء.. إذا لم يتم إخراجها سيظلّ مجتمعًا معاقًا.

ربّما تقاعس النّخب فتح المجال للإسلامويين وأحال البلد إلى عشرية سوداء؟

المثقف الجزائري صورة مصغّرة عن المثقف العربي، يتّصف بالعطالة الفكرية لأنه في موقف المنفعل وليس في موقف الفاعل. سقوط الأيديولجيا لم يُولّد أسئلة عند المثقف يمكن الإجابة عنها، ذلك راجع إلى أن الثقافة غير مستقلّة وهي ثقافة ريعية بالدرجة الأولى في الجزائر. المجتمع “مُستفقر” ولكي تقوم بعمل ثقافي يجب أن تمر على رقابة السّلطة وفي ظلّ قبضة السّلطة على الثقافة في هذه المرحلة لا يمكن للمثقف الجزائري تخريج أفكار خارج الإطار المُختلف عن الحكم.

في الجزائر، استطاع مثقف أن يصل للسّلطة، صار وزيراً.

هذه هي اللعبة. هم يضعون مثقفي السّلطة الذين يخدمون خطابهم، في مناصب وزارية. عز الدين ميهوبي في الجزائر ليس سوى جاهل كبير. كما إنه ليس شاعرًا، هو عبارة عن زجال ولا يملك من الشّعر شيئاً. لكنه يعمل على الصورة العامّة والسّائدة، يبدو كإنسان لطيف ويرحب بالجميع، مع أن تصرفاته الراقية لا يمكنها أن تخرق عقلي. ميهوبي هو ابن السّلطة وليس ابن المجتمع. صحيح هو ابن جزء من المجتمع لكن خريج تربية السّلطة وليس تربية مجتمعه.  أنا أنتقده كما انتقد علي عقلة عرسان، هو كمافيا في اتحاد الكتّاب العرب، هو نموذج حافظ الأسد في الثقافة لأزيد من 20 سنة وهو على رأس اتحاد الكتاب العرب  وهذا الاتحاد ليس مكانا للقاء الكتاب وانما هو فرع مخابرات أدبي، فقط يطبع كتبا ودواين شعرية لكن ليس لها قيمة لأنها لم تتنق من قلب الحركة الأدبية والشعرية.

سبق لك وتهجّمت على المشرق العربي واعتبرته في كواحد من المساهمين في حصار الجزائر إبان العشرية السّوداء.

في المشرق لا يعرفون الكثير عن الجزائر وعن نضال الشعب الجزائري، كما أن العرب تركوا الجزائرين وحدهم يتخبّطون في أزمتهم. لذلك شعر الجزائريون بمرارة من العرب. كانوا يتساءلون: كيف تركنا أهلنا؟ أو لنقول السّؤال بطريقة أخرى: كيف تخلّى عنّا من كنا نعتبرهم أهلنا؟ الجزائريون شعروا بأنهم مخذولين ولا أحد اهتم بهم.

العشرية السوداء انهيار أخلاقي لكنك تحدّثت عن نقطة إيجابية لها.

نعم لقد خلقت وعيًا لدى الجزائرين، قدّمت العقل الجزائري إلى الأمام وخلقت التجربة التي يحتاجها الإنسان ليتعلم.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

بوعلام صنصال

بوعلام صنصال ﻟ”نفحة”: الحراك يبعث على التفاؤل

حاوره: حمزة دايلي منحني الظّهر، يمشي بوعلام صنصال(1949-)، حاملاً كتبا قديمة في سترته الخفيفة، وكأنّ …

محمد بوشحيط

محمد بوشحيط: حول الأزمة

(كُتب هذا المقال قبل 23 سنة، لكنه لا يزال يصف واقعنا) يُصاب المُلاحظ السّياسي، خاصّة …