الأربعاء، 26 فبراير 2020

العقيد شعباني : في البحث عن حقيقة الغدر

عرضت قناة الشروق الفضائية، مطلع هذا الأسبوع، شريطا وثائقيا، يحمل عنوان «العقيد المغدور: محمد شعباني»، في ثلاثة أجزاء، من إخراج فاروق معزوزي. يعود الفيلم الوثائقي إلى مسقط رأس محمد شعباني، قرية أوماش، في ولاية بسكرة حاليا. ويعرّج على أيام دراسته في بسكرة وقسنطينة. ثم يتحدث عن كيفية التحاقه بالكفاح المسلح، كما يسبر أغوار الثورة التحريرية في الولاية السادسة، حيث جمع معدّ البرنامج نحو ثلاثين شهادة من أقاربه ورفقائه، يظهر أغلبهم لأوّل مرة على الشاشة، حسب ما جاء في الشريط. كما يغوص الفيلم في حقائق وقضايا شكلت مادة صراع، بين محمد  شعباني وخصومه عشية الاستقلال، وكيف انتهى الأمر بمحاكمته وإعدامه في الرابع من سبتمبر سنة 1964 في غابة كنستال بوهران، ثم يتحدث عن مصير الجثة «المهربة» لمدة عشرين سنة، قبل أن تعود رفاته الطاهرة، لتدفن في مربع الشهداء بمقبرة العالية سنة 1984، بأمر من الرئيس الراحل شاذلي بن جديد.

العقيد شعباني

هكذا استطاع الشريط الوثائقي، منذ البداية، أن يشدّ انتباه المشاهدين الجزائريين، وأن يدفعهم إلى متابعة جميع حلقات الشريط، بحرص شديد، سعيا منهم لتحقيق فضول اكتشاف ما قد يخبئه من أشياء جديدة، لعلها تميط اللثام عن لغز إعدام مأساوي، قبعت صورته في وجدان الذاكرة الشعبية الجزائرية، لعقود طوال. وزاده تعقيدا، إغفال ممنهج وعن سبق إصرار، منذ أزيد من أربعة عقود.

ولعل نجاح الشريط يعود أساسا، لموضوعه المعالج، من خلال تصدّيه لحدث تاريخي حسّاس، كان الى وقت قريب، من المواضيع المحظورة، والمسكوت عنها في الإعلام الجزائري. يتعلق الأمر بظروف وحيثيات إعدام العقيد محمد شعباني، بعد سنوات قليلة فقط من نيل الجزائر استقلالها.

وثانيا لأن الشريط تمّ إخراجه بطريقة احترافية، وجودة عالية، في شكله ومحتواه، فإلى جانب اعتماده، في عملية الإخراج على تقنيات حديثة وأجهزة تصوير متطوّرة، فسح المجال واسعا، لعدد كبير من المتدخلين، ليدلوا بشهادتهم، وفق المحاور المحدّدة من طرف صاحب سيناريو الفيلم الوثائقي، الذي هو نفسه المخرج. وبطريقة حديثة غير معهودة في الأشرطة الوثائقية الجزائرية، وتستخدم غالبا في صناعة الأشرطة العالمية، وهي تقنية تقتضي ترك مساحة واسعة للمتدخلين، بإيجاز وتنوّع، وعدم تدخل المعلق إلا لضرورة التوضيح، أو الانتقال بين فصول السيناريو.

إضافة إلى أن اختيار المتدخلين كان موفقا إلى حد بعيد، فقد تواجد إلى جانب رفقاء الراحل أثناء الثورة، عدد من المؤرخين، والشهود، وكذلك عائلة شعباني. كما أن اقتفاء الشريط لأثر شعباني، ابتداء من مسقط رأسه، مرورا ببسكرة ومدن أخرى، وانتهاء بمقبرة وهران، منح مصداقية التوثيق للفيلم.

اختيار الموسيقى التصويرية كان موفقا، في إقحام المتفرج داخل تراجيديا الموقف، من خلال الأغنية الحزينة «الله الله ربّي رحيم الشهداء»، التي تنتهي به مشاهد الفيلم الوثائقي، بالتوازي مع عرض مقتضب لمعلومات تخصّ المتدخلين مرفقة بصوّر ثابتة لهم.

هناك بعض الملاحظات المسجلة، كانت ستدعم أكثر رصيد النجاح الذي حققه الشريط الوثائقي، لو تمّ التفطن لها في حينها:

  • كان من المفيد أن ينتقل الشريط إلى فرنسا، لاستجواب مؤرخين ومجاهدين بارزين، مثل المؤرخ المعروف محمد حربي، والذي يعتبر من أوائل المنددين بإعدام شعباني، من خلال مقال كتبه في حينه، وكان من الممكن أيضا الحديث الى مؤرخين فرنسيين، لديهم إلمام كبير بتاريخ الجزائر مثل بينجمان سطورا..
  • هناك دراسات وكتب مهمة، صدرت باللغة الفرنسية، تناولت قضية شعباني، لم يشر لها الشريط، من بينها كتاب جدير بالقراءة، ويتضمن معلومات مفيدة جدا. الكتاب صدر حديثا، لصاحبه كمال شحريط، يحمل عنون: «العقيد شعبان: موعد مع الموت» (rendez-vous avec la mort, Colonel Chaâbani)، عن دار «الجزائر/ كتب».
  • كان ممكنا، بشيء من التدقيق والمراجعة، أثناء عرض معلومات مكتوبة عن المتدخلين، في نهاية الشريط، تجنّب الكثير من الأخطاء النحوية واللغوية الواضحة، والتي من شأنها تشويه الشريط.
كتاب جديد عن شعباني

من هو الشهيد محمد شعباني؟

الشهيد محمد شعباني (1913-1964)، واسمه الحقيقي الطاهر شعباني، يعتبر أصغر مجاهد ينال رتبة عقيد في ثورة التحرير، ولد في قرية أوماش، ولاية بسكرة. زاول تعليمه في إحدى زاويا مسقط رأسه، التي كان يتولّى شؤونها والده. ومن مدينة بسكرة التي تابع فيها تعليمه الابتدائي، انتقل إلى مدينة قسنطينة لاستكمال دراسته في حدود سنة 1950.

كان من بين الأوائل الذين استجابوا لنداء الثورة، وهكذا تدرّج في عدة مسؤوليات ومناصب عسكرية في صفوف جيش التحرير الوطني، متوّجا مساره الثوري، بتعيينه على رأس الولاية السادسة، خلفا للشهيد سي الحواس، وكان عمر شعباني رحمه الله لا يتجاوز 24 سنة.

كان رحمه الله، خطيبا مفوّها، يملك سمات القيادة، وقوّة الإقناع، يعتبر أصغر عقيد في الثورة الجزائرية. نفذ فيه حكم الإعدام رميا بالرصاص، بتاريخ 03 سبتمبر 1964، في عمر الزهور. فقد كان يبلغ من العمر حينها 29 سنة.

Enregistrer

Enregistrer

Enregistrer

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

الشاطئ : حلبة جديدة بين الدين والفلسفة

أحمد عمراني الشاطئ موضوع فلسفي مهم وجديد. قد يبدو للوهلة الأولى أنه موضوع سوسيولوجي أو …

بوعلام صنصال

بوعلام صنصال ﻟ”نفحة”: الحراك يبعث على التفاؤل

حاوره: حمزة دايلي منحني الظّهر، يمشي بوعلام صنصال(1949-)، حاملاً كتبا قديمة في سترته الخفيفة، وكأنّ …