الخميس، 27 فبراير 2020

عبد المالك مرتاض.. الاستعراضية مرض جزائري!

رشيد فيلالي

من سنوات وقع جدل ساخن بين د. عبد المالك مرتاض وبين د. إبراهيم السّمرائي، اللغوي العراقي، وكان السّبب وراء ذلك ارتكاب الدكتور مرتاض لخطأ لغوي وقع فيه، الأمر الذي لم يتقبّله هذا الأخير.

وكلاهما للتذكير مشهود له بالتّحكم في اللغة العربية وآدابها.

وعلى إثر ذلك راح الدكتور مرتاض يرد على السّمرائي في جريدة “الشروق الثّقافي” ضمن سلسلة من المقالات المطوّلة، استنفر فيها كلّ غريب ودخيل وحوشي ومهمل ودخيل في اللغة العربية..

كلّ ذلك لكي يقنع منتقده بأنه لا يقلّ عنه تمكنًا في اللغة العربية، بل أنه يعرف من مفرداتها مالا يعرفه ربما السّمرائي نفسه، وعلى طريقة شعراء الجاهلية نشرت مقالات الدكتور مرتاض وهي مكتوبة بلغة عربية منفرة ومعقدّة يستعصي فهمها حتى على أكبر المختصين اللغويين.. كلّ هذا في سلوك أقرب إلى الاستعراض الكاريكاتوري الفج منه إلى النّقاش العلمي الجادّ والمفيد..

وليعذرني د. عبد المالك مرتاض على هذه الصّراحة الجارحة في حقّه، وهي أصلاً لا تقلّل إطلاقا من مكانته الأكاديمية، حيث يبقى في نظرنا بدون أدنى شك، لغويًا وناقدًا كبيرًا.

لقد تذكّرت هذا الحادث الطريف لألفت النظر إلى ظاهرة مثيرة للغرابة، تطبع شخصية المثقف الجزائري المعرّب والمفرنس والمزدوج اللغة أيضا، وتلتصق به كجلده، وأقصد بها ظاهرة الاستعراضية، حيث على سبيل المثال، إذا قرأنا نصا أدبيا بالفرنسية لأديب جزائري(رشيد بوجدرة نموذجا) فإنك في الغالب تشحذ ذهنك وتبذل جهدًا مضاعفًا لفهم ما يقصده بكتابته اللوغاريتمية، حيث نجده يوظّف أعقد الأساليب البيانية ويدبجها بأصعب الكلمات وأقلها استعمالا في اللغة الفرنسية، كلّ ذلك ليوهم القارئ الفرنسي على وجه الخصوص بأنه متمكّن من اللغة الفرنسية أفضل من الفرنسيين أنفسهم!

عبد المالك مرتاض

في المقابل، إذا قرأت نصًا لكاتب فرنسي كبير تستمتع بصفاء أسلوبه ولغته العفوية المباشرة والتلقائية، فتفهم قصده ومرامه من أول سطر، والمرض نفسه نجده لدى المعربين الذين نجدهم في نصّ تأبيني مثلاً، يُحاول كاتب هذا النص أن يجعل من المؤَبن إلها من آلهة الأولمب، لغة محبوكة حبكًا حتى تكاد تتقطع أوصالها، وأسلوب ثقيل وحوشي يتلوى مثل الثعبان وكلمات قاموسية أجزم أن صاحبها بحث عنها في القاموس لعدة ساعات بهدف توشية نصه، مما يعطى الانطباع للقارئ المحنّك بأن الكاتب بصدد تأبين نفسه بطريقة غير مباشرة، أما الإحساس الصّادق واللغة الشعرية والأسلوب الراقي والكلمات الإنسانية المحمّلة بعبقها اليومي، فهذا مفقود وغير معترف به لدى هذا الصّنف من الكتاب الجزائريين، وما أكثرهم أيضا في عالمنا العربي..

وهنا أفتح قوسا لكي أوضح نقطة أخرى مهمة، فلا نخلط بين الأمور ونقع في المحظور، هناك نصوص تكون عميقة بطبيعتها(أنطولوجيتها بلغة الفلاسفة) وهي لذلك تؤثث عوالمها على منسوج لغوي خاصّ لدواع فلسفية أو رمزية أو سياسية، فلا يمكن في مثل هذه الحالة الكتابة بلغة اليومي، ذات البعد الأحادي العامي المسطّح، الفقير دلاليًا ومفاهيميا، ومن ثمة فلا عجب أن من يقرأ المتون الفلسفية يظلّ بحاجة إلى استيعاب جهاز مفاهيمي متكامل مع هضمه، ونفس الشّيء ينطبق على النّصوص القانونية والعلمية، لأن كلّ واحد منها له قاموسه وحقله الدلالي الخاص به..

لكن إذا عندنا إلى الموضوع محل نقاشنا وطرحنا في هذه الورقة، فإن الأسلوب في كتابة النصوص الأدبية والنقدية يبقى رهينة مدى فهم صاحبه لمسألة الاتّصال والتّواصل، فالقارئ الذي من المفروض هو المتلقي والكاتب المشارك في النص الأدبي، مثلما تقول النظريات النقدية الحديثة، لن يقدر على أن يكون كذلك ما لم يفهم ويستوعب جيدًا مقاصد الكاتب وأبجديته الإبداعية، وهذا ما أشار إليه الجاحظ بالقول عن الوظيفة الأساسية للغة بكونها “الإبانة”.. فتأمّل.

 

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

جائزة مقابل خيانة اللغة الوطنية

بتاريخ  30 جوان 1996، كانت قناة “TF1” الفرنسية بصدد نقل فعاليات الجائزة الفرنسية الكبرى لسباق …

هل التعريب في الجزائر استعمار جديد؟

هذا السّؤال الغريب في الحقيقة لم أطرحه أنا، بل هو استنتاج توصّل إليه الكاتب محمد …