الأحد، 16 يونيو 2019

عبد الوهاب بن منصور في زمن الخيبات

زهور شنوف

عبد الوهاب بن منصور

عكس حالة “النّكوص” نحو تاريخ الاستعمار وقصص الثّورة الجزائرية المحاطة بالأسرار، التي تعرفها الكثير من النّصوص الروائية الجزائرية، منذ سنوات، اختار الرّوائي عبد الوهاب بن منصور(1964-) في عمله الثّالث “الحي السفلي” (مدارج/ المجد/ الوسام العربي، 2016)، زمنا آخر للنّبش في ذاكرة “حيّة” للخيبة المشتركة للإنسان العربي الذي أجهضت، مبكرًا، أحلام ثوراته من أجل الحرية والعدالة الاجتماعية.

على طريقة الرّوايات التي تغرق في “محليتها”، لكنها توقع في ذهن القارئ أمكنة ومساحات يصعب تجاوزها، ينطلق عبد الوهاب بن منصور من مدينته ندرومة (حوالي 500 كلم غرب الجزائر العاصمة)، تحديدًا من “الحي السفلي”، الذي يضم تجمعا سكانيا “متراصا” في بنايات “صفيح” يؤشر على أغلب أبوابها بحرف (x)، بسبب استفحال “الكوليرا” حتى يتحول الحيّ المتواجد على هامش المدينة إلى الحي”x”، بكل أبعاده، حيث يشتغل الروائي على رمزية البعد الرياضي لـ”اللا محدد”، لهذا الحرف اللاتيني، لتصوير “الهامش” الداعر الذي يلتهم فيه الفقر والعنصرية والاضطهاد “أحلام الخلاص” التي تحولت إلى خذلان لا منتهي بالنسبة للإنسان العربي في “دولة ما بعد الاستقلال.

مستعينًا ﺒ”الفلاش باك”، يروي بن منصور حكاية بطل روايته “أحمد القط”، في زمنين يعيد عبرهما تشكيل الخيارات السياسية المبكّرة للبلد الذي فتح عيونه – بعد طرد فرنسا – مباشرة على تسيير القيادات الثورية العسكرية للأوضاع وخيار نمط “الحزب الواحد” الذي سيصبح قدرًا، يُعرّض كلّ من يشذ عنّه للتصفية، هو “الحزب الذي يفكر فينا ويدرك مصلحتنا” – كما يصفه الراوي –. أي محاولة تفكير خارجه هي مشروع للإطاحة بإرث الثّورة المجيد وخيانة لمبادئها وشهدائها.

عبد الوهاب بن منصور من الكتاب الذي يعلنون بشكل صريح خيار الالتزام بقضايا الإنسان والمجتمع ويذهب بعيدًا في خياره، معتبرًا الكتابة شكلاً من أشكال تدوين التّاريخ. وهذه ربما ضرورة فرضتها الصّورة التاريخية “غير المكتملة” في مجتمعاتنا الموسومة بالتّكتم والأسرار، والتعثر المستمر في التّصالح مع الذات والماضي.

غلاف الرّواية

في “الحي السفلي” يشتغل على آليات الأنظمة الشمولية ويعيد تشكيل المشهد الواقعي برمزية عالية، مثلما فعل مع “المكتب الثاني” الذي يُعد معلمًا أساسيًا في روايته، ويعرّفه بأنه “اسم موروث عن مكاتب التّحقيقات والاستعلامات الاستعمارية ويحيل إلى مكتب المخابرات”، وهنا يكون الاشتغال الرّمزي على مستويين، الأول استمرار الإرث الاستعماري في مراقبة الأشخاص والحدّ من حريتهم وحتى تعذيبهم إذا خالفوا النّمط السّائد أو الأوامر. والثاني هي السطوة التي يتمتع بها هذا المكتب الذي يتحكّم في كلّ كبيرة وصغيرة ويُرافق شخصية “أحمد القط” في مواجهته للموت بـ”الكوليرا” ولا يرحمه عن “خطيئته الكبرى” باتخاذ قرار الانتحار في يوم عيد الاستقلال الـ 20، وأكثر من كل ذلك محاولته التّصدي لقرار السلطة (الحزب) بإزالة “الحي السفلي” الذي يشوّه المدينة لصالح مشروع قرية سياحية.

في هذا المشهد يذهب بن منصور بعيدًا في تفيكك “عقلية” الأنظمة الشّمولية وردّة فعلها الهمجية والمتعالية الرافضة لكلّ شكل من أشكال التمرّد أو المطالبة بالعدالة الاجتماعية.

وتلك صورة نستحضر من خلالها موروث السينما العربية، المصرية خاصة، عن البوليس السّياسي الذي يمكن أن يجعل من “أحمد زكي” زوجًا يكتب التّقارير عن زوجته..

يأخذ بن منصور في هذا العمل مسارًا مختلفا عن روايته السّابقة “فصوص التيه”(2006)، فمن عوالم الرّوح ومرآة القلب والمكاشفة الرّبانية في مقاربته لـ”فصوص الحكم” للشيخ الأكبر محي الدين ابن عربي، إلى الواقع السّياسي برجاله وخياناته وأسراره وعهره المكشوف والمستمر في إذلال الإنسان، تتغير لغة الكاتب، وحتى مقاربته لمفهوم الدّين والسّلطة كمحرّك أساسي للعمق والواجهة في المجتمعات الهشة. ويوظف بشكل كبير أسلوب “الواقعية السّحرية”، الموروث الشعبي للممارسة الصوفية والزوايا في منطقته، حيث جعل من القطط الجيش الذي سيدعم “أحمد القط” في حربه ضدّ المخاطر التي تترصده وتستهدف “الحيّ السفلي”، بفعل “تميمة” أحد الشيوخ، التي تُنجيه من مرض الكوليرا وتكون “القطط” إحدى معالمها.

رغم أن المرحلة التي اختارها صاحب قضاة الشرف (2001)، لروايته الجديدة “الحي السفلي”، مرحلة إشكالية في تاريخ الجزائر والعالم العربي، بسبب حداثة مشاعر الاستقلال وشعارات الوحدة والتحرّر واختلاطها بمشاعر مرارة “إجهاضها” السرّيع عبر سلسلة الخيبات المتلاحقة، إلا أن إعادة كتابتها مسألة ضرورية لفهم اللحظة الرّاهنة ومدى ارتباطها بـ”الأبوية الثورية” التي تستمر في رفع جدار الخيبة أمام المستقبل.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

محمد عبيدو يكتب: كراسي الانتظار والمنافي

محمد عبيدو يكتب: كراسي الانتظار والمنافي

كلّ مساء في مدن أعمدتها من ريح وبيوتها من تعب نداري قسوة دهشتنا بين أمواج …

إذا كنت جزائريا فأنت كاتب هذه الرواية

إذا كنت جزائريا فأنت كاتب هذه الرواية

كمال داود هناك رواية جزائرية كتبها كلّ جزائريّ. يكفي أن تجلس، تتأمّل، مثنى أو ثلاث، …