الإثنين، 27 مايو 2019

راسبوتين : دجّال، طارت شهرته الآفاق

أسئلة كثيرة تُطرح، حول سرّ الاهتمام الكبير للمنابر الإعلامية الفرنسية، والأوروبية عموماً، بالشخصية الرّوسية المثيرة للجدل : راسبوتين  Raspoutine ، بمناسبة حلول الذكرى المئوية لمقتله (يوم 30 ديسمبر 1916). أين أفردت العديد من الصحف والمجلات، ملفات كاملة عنه، وانبرى في تحليل وتناول شخصيته، ونزقه، وعلاقاته الملتبسة مع آخر القياصرة الروس، كتّاب ومؤرخون، حاولوا الربط بين ما حدث سياسيا وتاريخيا في روسيا القيصرية في ذلك العهد، وما يحدث الآن.

غلاف مجلة تاريخ الفرنسية

غريغوري يافيموفيتش راسبوتين ( 1869-1916) ، فلاّح بسيط، من عموم الشعب الروسي، تحوّل إلى راهب، يمارس السحر والشعوذة، ويدّعى شفاء المرضى. طارت شهرته الآفاق، وسرعان ما بدأ يفد إليه الناس للتبرّك والعلاج من كل بقاع روسيا، استقبله القيصر الروسي نيقولا الثاني بسانت بطرسبرغ، نال حظوة كبيرة لديه، ليصبح الآمر الناهي في القصر الملكي.

بداية شهرته، تعود إلى مطلع سنة 1900، من شأن الهيئة التي كان عليها في شبابه، وهو لم يكد يتجاوز الثلاثين من العمر، أن تثير هالة من الاستغراب وسط دهشة الناس، يصفه الكاتب الانجليزي كولن ويلسون في كتابه «راسبوتين وسقوط القياصرة» : «كان رجلاً نحيفا، متوسّط الطول، ذا أكتاف عريضة، ولحية خفيفة بُنيّة اللون، يمكن من خلالها رؤية حدود ذقنه بوضوح، كانت يداه برغم خشونتهما وصلابتهما، طويلتان، أخذتا شكلاً مقبولاً، عيناه تكحّلتا بلون أزرق، ممزوج بلون رمادي، تسللتا بنظرتهما لأعماق المقابل، كانت له صلعة خفيفة في أعلى جبينه، عليها ما يشبه النّدبة، قيل أنها نتجت عن لكمة تعرّض لها، عندما اتّهم بسرقة الخيول، أما شعره الطويل البنيّ فكان مقسوماً بخطّ وسطي… »

في عام 1904، أتيحت الفرصة لراسبوتين، ليكسب ثقة نيقولا الثاني، القيصر الروسي. البلاد كانت تعيش حالة غليان، بعدما أنهكتها الحرب، حيث تكبّدت القوّات الإمبراطورية هزيمة غير متوقعة، في حربها مع اليابان. ومما زاد من تعاسة القصر، تعرُّض الطفل الكسيس وريث العرش، وابنهم المفضّل، لمرض وراثي، يفتكّ بالعائلة الملكية، لم يُجدِ فيه دواء، ولا محاولات أكفأ الأطباء الوافدين من روسيا وأوروبا، لمحاولة علاجه، وبعد نصيحة من الكنيسة الأرثوذوكسية، لجأ الإمبراطور وزوجته، بعد تردّد، إلى «الرّاهب» راسبوتين، ليتمكّن هذا الأخير، بطريقة أدهشت الجميع، من علاج ولي العهد، ويُسعد أيّما سعادة أبويه وعائلته الملكية.

وسرعان ما حظي راسبوتين بثقة الأسرة المالكة في روسيا، ليصير المستشار الشخصي للإمبراطورة ألكسندرا، وبعد أن تناهى إلى سمع الشعب الروسي نبأ شفاء وليّ العهد من مرضه، على يد راسبوتين، أسعدهم كثيرًا الأمر، بما ينطوي عليه الموقف من دلالات، حقق بعضاً من الفخر والاعتزاز داخلهم، على إثر تمكّن أحد أبناء الفلاحين البسطاء من عامّة الشعب، ولوج دهاليز القصر، العصيّ على الاقتراب منه.

أفيش فيلم سينمائي عن راسبوتين

وهكذا استغلّ راسبوتين، مساحات الحظوة المتاحة له في القصر الإمبراطوري، ليحقّق بعضًا من نزواته، ومجونه الذي تجاوز كلّ الحدود. لم يلبث أن تدهورت العلاقة بينه وبين العائلة المالكة، بعد أن ساد الاعتقاد بأنّ له علاقة عاطفية مع الملكة نفسها. ورغم ذلك تمسك به الإمبراطور، وباءت بالفشل جميع محاولات إقناعه بالتخلي عن «العربيد» راسبوتين، أو على الأقل التقليص من نفوذه. يرى كولن ويلسون، أن عدم استجابة القيصر للتقارير التي كانت تصله حول راسبوتين، يعود أساسًا لمخاوف انتابته، من مقولة كان قد أسرّ له بها راسبوتين : «سيظل العرش آمنا، مادمت حيّا، وإن وافتني المنية، فستفقد حياتك وعرشك معًا».

في عام 1916، وبعد سلسلة من محاولات الاغتيال الفاشلة، قّررت مجموعة من النبلاء الروس بتواطؤ مع بعض أفراد العائلة المالكة، التخطيط لاغتيال راسبوتين، في محاولة حسبهم لإنقاذ روسيا من فضائح لطّخ بها سمعة وشرف العائلة الحاكمة، التي لم يعد بمقدورها، فيما يبدو، فعل أي شيء معه، وكأنها باتت مشلولة الإرادة إزاءه. وهكذا ألقى فلاديمير بوريشكينيس، عضو الدوما، خطابًا، هاجم فيه كل من راسبوتين وألكسندرا، ومما جاء  فيه: «إن وزراء الدولة تحوّلوا إلى دمى متحركة، يمسك خيوطها بقوة راسبوتين وألكسندرا، العبقرية الروسية الشريرة والإمبراطورة التي بقيت ألمانية وغريبة على روسيا وشعبها…». وهكذا خططوا لقتل راسبوتين باستخدام السّم، مستغلين ولعه الشديد بالنساء، كطُعم لإيقاعه في المصيدة. ليسقط راسبوتين جثة هامدة، في السنة نفسها، أثناء واقعة لا زالت تثير مخيال الباحثين والمحققين.

وكأنّ نبوءة راسبوتين تحققت، إذ سرعان ما نجحت الثورة البلشفية بقيادة لينين في الإطاحة بالإمبراطورية، وإسقاط نظامها، وهكذا أعطيت الأوامر باغتيال القيصر وزوجته وأطفاله. كما قاموا بنبش قبر راسبوتين ، وإحراق كفنه في محرقة كبيرة. ولعلها الثورة التي استغلت انحراف راسبوتين وعلاقته المشبوهة مع القصر، في محاولة منها لتشويه صورة النظام القيصري، وإيجاد المسوّغات المبرّرة لمجازرها المرتكبة، في حق الشعب الروسي.

يعترف الإعلامي والمؤرخ الانجليزي، الان موهيد، في كتابه الموسوم «الثورة الروسية (1958)، بتعرّض راسبوتين للتشويه «طيلة الأربعين سنة التي تلت وفاته، حتى بات الإحساس به كما ينبغي أمرًا عسيرًا، ولعله يشبه التشويه الذي تعرّض له ريتشارد الثالث ملك انجلترا، الذي حكم إنجلترا من عام 1483 إلى 1485، ودام حكمه سنتين فقط، قبل أن يلقى مصرعه في معركة حقل بوسورث، أو بورجيا القيصر الايطالي، وهكذا اعتبروه شريرًا، بل هو الخلاصة الخالصة للوقاحة… ليس فيه من حسنات الخصال شيئا. فكان قليل الاغتسال، كريه الرائحة، وإذا ما جلس أما المائدة، تجده وقد غطس يده في طبق حساء السمك المفضّل لديه، كان سكيرًا، عندما يغلب عليه السكر، يحطّم كل شيء من أمامه، وكان سليط اللسان، ماجنا، مسخه فسوقه المتوحش إلى وحش كاسر، أكثر منه إنسانا».

مكسيم غوركي (1868-1936) وهو أحد مؤسسي مدرسة الواقعية الاشتراكية  التي تجسّد النظرة الماركسية للأدب ، ورفيق لينين زعيم الثورة البلشفية، لم يتردّد بدوره، في تناول شخصية راسبوتين، بشكل سلبي، في عدد من أعماله، يبدو ذلك جليّا، من خلال هذا الحوار الذي دار بين أبطال مسرحيته «ايغور بوليتشوف والآخرون» (1932):

  • زفانتوف: حدّثنا عن راسبوتين؟
  • دوستوغاييف: فلاح سيبيري بسيط … كان يتحكّم في مصير البلاد، ينفق الآلاف والمئات، لم يكن ليرضى برشوة أقل من عشرة آلاف روبل…
  • بروبوتي: التعفن طال كل شيء.. كان هناك رجل يُدعى غريغوري، وكان يطمح في الصعود إلى الأعالي، ارتطم رأسه بالسقف، وأخذه الشيطان…
  • بوليتشيف: تقصد راسبوتين ، أليس كذلك؟
فيلم عن راسبوتين بطولة جيرار ديبارديو

لازالت شخصية راسبوتين، منذ رحيله وإلى يومنا هذا، تلهم الفنانين والكتّاب والروائيين. علاوة على العديد من الكتب والرّوايات التي تناولت حياته، ومغامراته. لدرجة أن أحد الكتّاب الروس كتب مستغربًا: «كل العالم بات يعرف اسمه ! لقد تم إخراج عدد كبير من الأفلام عن حياته، أكثر من لينين أو تروتسكي». هناك سلسلة من الأفلام السينمائية، لعلّ من أهمها  الفيلم الفرنسي «راسبوتين» (2011) للمخرج جوزي دايان، وقد جسّد دوره الممثل الفرنسي جيرار ديبارديو، الذي وفرت له موسكو كل أسباب النجاح، بعد أن نال الجنسية الروسية، في قضية أثارت الرأي العام الفرنسي.

من أبرز الأفلام التي تعرّضت لحياة راسبوتين، يمكننا أن نشر إلى الأفلام التالية :

الفيلم الفرنسي «راسبوتين» (1953) من إخراج جورج كومبري وبطولة بيار براسير وايزا ميريند.

الفيلم الايطالي، بعنوان «ليالي راسبوتين» (1960) من إخراج بيار شينال، بطولة ايدموند بيردوم.

الفيلم الايطالي، الفرنسي المشترك، بعنوان «لقد قتلت راسبوتين» (1966) من إخراج روبير حسين، بطولة جير فروب.

الفيلم البريطاني، «راسبوتين الراهب المجنون» (1966) من بطولة كريستوف لي وإخراج  دون شارب.

وفي العالم العربي، جسّد عميد المسرح العربي يوسف وهبي، مطلع الستينيات، شخصية راسبوتين في مسرحية تحمل نفس الاسم.

ترى ما هو سرّ هذا الاهتمام المتجدّد والمفاجئ، من طرف وسائل الإعلام الغربية براسبوتين؟ هل يشكل ربما ضرباً من الاستنجاد بماض، يضجّ بعوالم الأحلام والفنتازية، والأجواء الغرائبية، أمام حاضر يتميّز بطغيان الماديات وسيطرة القيّم الاستهلاكية؟ أم هي محاولة ربما، لفهم ما يجري الآن في قصر الكرملين، أين يسعى ساسته لتقليد زخم الهالة التي صنعها اللغز راسبوتين، في عهد القياصرة الروس، التي عاشت تناقضات العالم كله، بين ازدهار كبير لفنون الكتابة والإبداع، وفساد وفوضى… وهذا قبل أن تُجهز الثورة البلشفية، على آخر قلاعها؟

Enregistrer

Enregistrer

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

هيننغ مانكل: الحياة تكمن في الإبداع

هيننغ مانكل: الحياة تكمن في الإبداع

زيت زيتون وتين مجفَّف من كرواتيا

زيت زيتون وتين مجفَّف من كرواتيا

زيت زيتون وتين مجفَّف من كرواتيا