الأربعاء، 21 أغسطس 2019

بكار غريب: العودة إلى غرامشي لفهم الثّورة

ضياء البوسالمي

لئن سعى الأكاديمي بكار غريب(1968-) من خلال كتابه السّابق إلى طرح رؤية حول إعادة هيكلة وتأسيس لليسار التونسي، فإنّه اهتمّ في كتابه الجديد: “التّفكير في الانتقال مع غرامشي، تونس 2011-2014″(دار الدّيوان، تونس، 2017)، بالتّفكير في حيثيات الانتقال الديموقراطي بين عامي 2011 و2014.

مسار اختار  بكار غريب أن يحلّله ويقف عند أهمّ محطاته لتوضيح الرؤية وأملاً في التّمهيد للخروج من فوضى دامت لسنوات، بعد ثورة 2011 في تونس.

لماذا غرامشي؟

قد يبدو هذا الكتاب للوهلة الأولى مثيرًا لعديد التّساؤلات والإشكاليات، إذ كيف يمكن مُعالجة مسألة راهنة بمفاهيم وآليات فكرية قديمة، أي أنه وبعبارة أخرى كيف يمكن للفكر الغرامشي أن يُساعد في تفكيك تفاصيل الانتقال الديموقراطي في تونس بعد الثّورة. لقد استعان الكاتب بمفاهيم غرامشية بهدف تقديم دراسة تحليليّة تسعى إلى الخروج من المأزق الذي تعيشه البلاد وبعد ذلك التمكّن من تحقيق أهداف الثّورة.

ويعتبر فكر الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي(1891-1937) فكرًا مبدعا يكاد يكون مستقلاً بذاته داخل الفكر الماركسي، التّحليل العقلاني والنّظرة النقديّة مع تنسيب الأمور تبدو أهم ركائزه.

من الاستقلال إلى الثّورة: قراءة نقديّة

يرى بكار غريب أنّ الفترة الانتقاليّة التي تمرّ بها البلاد ليست بمعزل عمّا وقع بعد الاستقلال في بداية تكوّن الدولة الحديثة. ولتسليط الضوء على أدقّ تفاصيل هذه المراحل المفصليّة وظّف مفاهيم كالكتلة التاريخيّة والثّورة السّالبة ليصل إلى أنّ تشكّل القوى السياسية بعد الاستقلال والأستراتيجيات المتبّعة مكّنت من ظهور تفاوت طبقيّ واتساع الهوّة بين مناطق ساحليّة مرفّهة ومناطق داخليّة مهمشة، الأمر الذي يربطه الكاتب ويعتبره عاملاً مباشرًا لإندلاع أولى شرارات الثّورة وبداية تكوّن الحركات الاحتجاجيّة والتدفّق الجماهيري بالمناطق الداخليّة.

وهي احتجاجات تشكّلت تدريجيا وتبلورت مطالبها المتمثلة في تغيير جذري وقطع مع سياسات الماضي. ويعود بكار غريب إلى تحليل ما حصل ليخرج بإستنتاج وهو أنّ الثورة كانت في الحقيقة ثورة سلبيّة أي أنّ الفترة الممتدة من  2011 إلى 2014 كانت مجرّد إصلاحات شكليّة وتجاذبات سياسية بعيدة عن أهداف الثّورة من جهة والإصلاح الجذري من جهة أخرى.

غلاف كتاب بكار غريب

ومواصلة للأستراتيجية التحليلية التي اتبعها الكاتب، التي تعتبر الدّولة ليست في معزل عمّا يجري في الحاضر، تظهر الحقبة البورقيبيّة ودولة الاستقلال كأفضل مثال على الثورة السلبيّة. والحقيقة أن هذا طرح نقدي يتجاوز تمجيد تلك الفترة (وهو ما يتكرر في عديد المؤلفات والكتب) إلى إعمال النّظرة النقدية والسّعي إلى تنسيب الأمور إذ يعتبر بكار غريب أنّ الإنجازات كانت حاضرة في دولة الاستقلال إلا أن الأستراتيجيات المتّبعة كانت حكرًا على مجموعة معينة نافذة في الدّولة وضعت يدها على أجهزتها.

وقد ارتأى الكاتب نفسه إلى أنّ إرتباط مطالب الجماهير الثوريّة بتغيير المنظومة والقطع مع الماضي، ارتطم بأولى الصّراعات على السّلطة والدّخول في محاولات إخضاع وتنظيم للمدّ الثوري، وبذلك انطفأ الزّخم الثّوري وتراجعت القوى الثوريّة فاسحة المجال أمام النّخب المتمثّلة أساسًا في المعارضين السياسيين، ففي عودة الكاتب إلى غرامشي انتصار “للمهمشين الثّوريين” ودعوة للقطع مع سياسة الزعامات في الأوساط اليساريّة.

في نقد اليسار التونسيّ

يقدّم الكتاب نظرة نقديّة عن الأوضاع في مسار الإنتقال الديموقراطي كما يُبرهن على فاعليّة وراهنيّة الفكر الغرامشي. ولكنّه من جهة أخرى يكشف عن تأزّم وضعيّة اليسار وعجزه عن إستيعاب اللحظة التاريخيّة. إذ بات جليًا أنّه غير قادر على فرض برامجه ولا على التموضع كبديل حقيقي على السّاحة السّياسيّة وذلك نظرًا لمجموعة من القرارات والخيارات في لحظات حاسمة. وهو ما كان سببا في تراجع الحركة اليساريّة عمومًا مقارنة بستينيات وسبعينيات القرن الماضي.

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

العاهرات يعدن هذا الأسبوع

بُترت ساق الطّريق، وانفض من حول الحمام الرّيح، تعكّر مزاج السّماء لكنها رفضت أن تنوح، …

يوم تافه... وأشياء أخرى!

يوم تافه… وأشياء أخرى!

على نافذة الغرفة، لم تعد أمي تضع قشور البرتقال، لتجفّ. ما عادت أيضا تضع قشور …