الخميس، 27 فبراير 2020

المْقلش: وراء كلّ كلمة.. حكاية عجيبة!

رشيد فيلالي

في القرن العاشر الميلادي، تمكّن ملك دانمركي يُدعى هارالد الأول، ويلقب باسم “هارالد بلاتاند”(Harald Blåtand)، من توحيد عدة قبائل دنمركية، إضافة إلى النرويج، كما وصل حتى منطقة النورماندي الفرنسية، فضلاً عن إدخاله المسيحية للبلدان الإسكندنافية..

ولأنه بارع في الاتّصال فقد تمكّن من اختراق صفوف أعدائه مرارًا والتواصل مع حلفائه بطرق سلسة ذكيّة..

مرّت قرون، وتكريمًا لهذا الملك العبقري، اتفقت عام 1998 عدّة شركات كبرى معروفة في مجال تكنولوجية الاتصال، وهي “نوكيا”، “موتورولا”، “أي. بي. أم”، وخاصة الشركة السويدية “إريكسون” صاحبة الفضل في اختراع تقنية جديدة ثورية، وهي تطبيق يستعمل موجات الراديو لتوصيل ملفات وصور عبر الهواتف النّقالة والتواصل بين مختلف وسائل الاتصال الالكترونية والحواسب..

وقد تم اختيار اسم الملك الدانمركي على هذا التطبيق الشائع جدا الآن، باقتراح من مهندس يدعى جيم قرداش، يعمل لدى شركة “إنتل” وذلك بعد قراءته لرواية “أورم الأحمر”، التي كتبها  فرانس غونار بنغتسون وتدور أحداث هذه الرواية في عصر الملك الدنمركي هارالد بلاتاند، واختير الرمز لهذا التطبيق بالحروف الأولى لاسم هذا الملك مدمجة، وهيB وH، مأخوذة من الأبجدية الرونية (أبجدية الفايكينغ)..

وإذا ترجمنا معنى الاسم الذي يطلق على هذا الملك من اللغة الدانمركية، فهو يعني حرفيا “هارالد السن الأزرق” وبالإنجليزية “بلوتوث”!

طبعا عرفت تاريخ الكلمة و.. من هنا فصاعدًا عندما تستعمل “البلوتوث” عليك أن تتذكر الملك الدنمركي!

الباي.. الطاووس!!

هناك تسميات تعود في الأصل إلى أسماء أشخاص اشتهروا في حقبة زمنية معينة.

مثلاً، البارون ساندويتش الإنجليزي، الذي سمي باسمه الأكل السريع المعروف، والسيد بوبال (المزبلة) الذي شغل منصب رئيس بلدية في باريس، وبارام وفولطا ومرسيدس..

لكن في هذه الوقفة سوف نتحدّث عن تعبير شائع جدًا في الغرب الجزائري على وجه الخصوص يدخل ضمن هذا السياق، ويتعلق الأمر بفعل أو كلمة “يتقلّش” بمعنى يتبختر ويتدلّل..

والحقيقة أنها كلمة لا تخرج عن السّياق المذكور، حيث أن أصلها فيما أعتقد يعود إلى الباي محمد المقلش، الذي تولى حكم وهران عام 1805 وكان عمره آنذاك 18 سنة، وقد عرف عن هذا الباي أناقته و تفاخره وإعجاب الوهرانيين به من جراء صرامته وشيوع الرّخاء في زمن حكمه، وقد اشتق من اسمه فعل “التقلش”..

وشاعت كلمة المْقلش على وجه الخصوص بعد أداء مغنيي الراي لأغنيات تتردّد فيها كثيرًا هذه الكلمة، التي انتشرت حاليا عبر كافة مناطق الوطن ..

كلمة منارة أصلها من فرعون

فرعون لا يزال حيًا و.. يضيء!!

على غرار ما حدث مع الباي المقلش، يمكن أن نجده مع تسمية “المنارة” بالإسبانية والفرنسية (بالإنجليزية يطلق عليها اسم “Lighthouseأي بيت النّور) .. حيث أن أول منارة أنجزت في التاريخ، كما هو معروف هي منارة الإسكندرية، التي تعتبر من عجائب الدّنيا السبع..

والطريف في الموضوع، أن كلمة منارة بالإسبانية هي faro (وبالفرنسية phare) وهي مثلما يجمع الكثير من الباحثين اللغويين مشتقة من اسم “فرعون” الذي يطلق عليه بهذه اللغة (faraónوقد تكون الكلمة مشتقة مباشرة من العربية “فرعون”!

وهكذا ينتقل اسم حاكم مصر في العصور القديمة ليطلق على “المنارة” مع بعض الحذف البسيط، وتبقى الصّلة بين الدّال والمدلول تكمن في أن فرعون كان ينظر إليه قديما كإله ومصدر للنّور والهداية وكذا السّيادة المطلقة..

كلمات ولطائف أخرى مثيرة..

ومن باب التوسّع والإفادة اللغوية لا بأس أن نُشير أيضا إلى عدد من الكلمات المستعملة بكثرة في اللغات الأجنبية وهي ذات أصل مثير وطريف للغاية مثل التي أتينا على ذكرها أعلاه، ولنبدأ بكلمة الصعلوك أو المتشرد بالفرنسية (Clochard). هذه الكلمة، كما هو ملاحظ، تتضمن كلمة الجرس (La cloche)، لكن ما هي الصلة بين الجرس والمتشرد؟

الحقيقة أنه في القرن التاسع عشر، كان الشحاذون يدعون إلى الكنائس للأكل والدّفء، وفي نفس الوقت يستغلون لدق الأجراس، وهو ما يفسر الصّلة بين اسم المتشرّد والجرس في اللغة الفرنسية..

هناك أيضا طرفة أخرى، لكن هذه المرة في اللغة الإنجليزية، فمن المعروف أن السّهرات الفاخرة في المجتمعات الأوروبية الأرستقراطية يُفرض فيها ارتداء بذلات مميّزة، يطلق عليها عادة اسم “سموكينغ”. لكن هل هناك صلة بين فعل التّدخين واسم هذا النوع من البذلات الفاخرة؟

في الواقع أن العادة جرت في ذلك النوع من السهرات الفاخرة تخصيص غرف للمدخنين، الذين كانوا يرتدون بذلات معينة يطلق عليها في بريطانيا ”Smoking Suit”. ومع مرور الوقت اقتصر استعمال الكلمة ذاتها على البذلات التي يتم ارتداؤها في السهرات الفاخرة في عموم أوروبا، مع حذف اسم بذلة(Suit) والاقتصار على فعل التدخين، الذي تحول إلى اسم شائع يطلق على البذلة ذاتها!

وربما أعجب التحولات اللغوية، التي لا تقل طرافة في هذا الشأن، ما تستعمله الإنجليزية الأمريكية اليوم، وهو يخص اسم الأكلة الشعبية اللذيذة والأكثر شهرة في هذا البلد القارة، أقصد(hot-dog). والتي تعني حرفيا “كلب ساخن”!

وحسب المختصين فإن الصّلة بين الكلب الساخن والأكلة التي هي عبارة عن شريحة نقانق توضع داخل قطعة من الخبز، تكمن في الصّورة المجازية التي تكرست بفعل الربط الذهني بين نوع من الكلاب، تم جلبه من طرف المهاجرين الألمان إلى أمريكا ويطلق عليه اسم “تيكيل”، الذي نظرا لتركيبة جسمه، يطلق عليه أيضا وصف النقانق وهذا هو السبب في تلك التسمية العجيبة..

وهناك الكلمة العجيبة أخرى، التي نستعملها كذلك في الدارجة الجزائرية، وهي من أصل فرنسي، ألا وهي كلمة “بوني” التي تطلق على نوع من أغطية الرأس، تلبس عادة عندما يكون الطّقس باردًا، هذه الكلمة أصلها يعود إلى القرن الخامس الميلادي، حيث كان فرسان القرون الوسطى يرتدون خوذات حربية يطلق عليه le bonoin والمأخوذة من الكلمة اللاتينية “بوني”(bonnae)، التي تعني تحديدا “القذيفة”. والطريف في الأمر أن قبعة رياضة الفروسية يطلق عليها بالفرنسية اسم (la bombe) أي القنبلة، وهذا لأن هذه التسمية مشتقة أصلا من كلمة “بوني” اللاتينية.. فتأمّل.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

جائزة مقابل خيانة اللغة الوطنية

بتاريخ  30 جوان 1996، كانت قناة “TF1” الفرنسية بصدد نقل فعاليات الجائزة الفرنسية الكبرى لسباق …

هل التعريب في الجزائر استعمار جديد؟

هذا السّؤال الغريب في الحقيقة لم أطرحه أنا، بل هو استنتاج توصّل إليه الكاتب محمد …