الجمعة، 15 ديسمبر 2017

في رواندا والجزائر: الأدب شاهد زور وعدل!

في ذكرى مجازر رواندا

قامت القيامة، في رواندا وأُرسلت البلاد إلى العالم الآخر، مات حوالي مليون شخص، في ظرف مائة يوم فقط، ثم عادت الحياة – مجدّداً – وطوي الملف، كما لو أن شيئاً لم يحصل.

تعود ذكرى الإبادة الجماعية في رواندا (1994)، ويعود معها سؤال مُلح: لماذا لم تجد تلك الأحداث التّراجيدية صدى كافيا لها في الفنون وفي الأدب؟!

ربيع 1994، شهدت رواندا، أبشع وأسرع إبادة في التّاريخ، كان جيش «الهوتو» يقتل خصومه من «التوتسي» ببرودة دم، بفرح أحياناً، بمعدل ثمانية آلاف قتيل، في اليوم الواحد، كانت الإبادة فعلاً مبتذلا، عملا روتينياً، في رواندا 1994، النّاس يُقتلون وتُلقى جثثهم في الطّرقات أو على الأرصفة، بعدما امتلأت المقابر والحفر بجثث من سبقوهم. والعالم يتفرج، غير مبالٍ تارة، وغير قادر على فعل شيء تارة أخرى!

الوظيفة الوحيدة التي كان يُمارسها الهوتو آنذاك هي القتل، والصّفة التي يتحمّلها التوتسي هي أن يموت، أن يقبل بأن يطعن بخنجر أو بضربة منجل أو يُقضى عليه برصاصة في الرّأس. كان الهوتو يجمّعون التوتسي في أمكنة مغلقة، في ملعب كرة قدم أو في بناية، تحت حجّة حمايتهم، ثم يقضون عليهم – دفعة واحدة – بقنبلة أو بطلقات رشاش! يحاصرونهم في بيوتهم أو في قراهم، يقطعون أرحمة النساء الحوامل، ويغتصبون المراهقات

كان ربيع رواندا أسوداً، كان تدور آنذاك أسوأ المشاهد الإنسانية، التي لا يمكن لعقل أن يتخيّلها!

بدأ الكابوس في رواندا سياسياً، وانتهى سياسياً أيضاً، وبعد أكثر من عقدين ما يزال الأدب هو الحلقة الأضعف إزاء ما حصل، غائباً أو مُغيباً عن التّفاعل مع حدث تراجيدي، كان يجب أن يتوقف عنده طويلاً.

عدد الرّوايات التي تعرّضت للإبادة الجماعية في رواندا قليل، قليل جداً أمام أرواح مليون شخص، نذكر منها روايات سكولاستيك ميكاسونغا، «استراتيجية الظّبي» لجان هازفيلد، «ذاكرة ممحوّة» لإيزابيل كولومبا، «مورامبي» لبوبكر بوريس ديوب، «ذاكرة موشومة» لإليزابيت كومبار، «كبير الأيتام» لتيرنو مونينمبو وخصوصاً رواية «بلد صغير» لغايل فاي، التي وصلت العام الماضي للقائمة القصيرة من جائزة غونكور الفرنسية.

أمّا في السينما، لم يخرج الحديث عن الفظاعات التي حصلت في رواندا عن الشقّ التوثيقي. هكذا، نجد أن أبشع واقعة حصلت، في أفريقيا، في العصر الحديث، لم تجد نصيباً كافيا لها من الورق ولا من الصّور لتدوينها ولتوثيقها، وفي ظلّ هذا التّباعد بين الفنون والأدب وبين ما حصل، تكون كثير من الشّهادات قد ضاعت، وكثير من الحقيقة رُدمت، وما يبقى للأجيال القادمة سوى جانب واحد من النّور، لينظروا منه نحو الماضي، أمّا الجوانب الأخرى فقد غلّفتها العتمة.

حين كانت رواندا تحتضر، كانت الجزائر تعيش قيامتها الصّغرى، كان الموت حرفة يومية، ولا صوت يعلو فوق صوت الرّصاص، ومثلما بدأت الإبادة في رواندا بقتل سياسيين ومثقفين، بدأت المجازر في جزائر التسعينيات بقتل سياسيين ومثقفين أيضاً، واستمرت إلى أناس بسطاء ومواطنين عاديين.

لكن، عكس الحال الرواندية، كان للجزائر كُتّاب يوثّقون، وسينمائيون، ما زالوا لحدّ السّاعة، يتعرضون لما حدث. بالنّظر لما حصل مع رواندا، وضعف مرافقة الأدب للفظاعة التي شهدتها، يمكن القول أننا محظوظون في الجزائر، فكلّ رواية كتبت أو ستكتب عن حقبة التسعينيات، من القرن الماضي – بغض النّظر عن مستواها الفنّي –، هي وثيقة أساسية وإضافية في سجل التأريخ للفظاعة الجزائرية، وما يُتداول من كلام هامشي على أن ما صدر من كتابات عن تلك الفترة ليس سوى«أدب استعجالي» هو في الحقيقة إساءة لأرواح من ماتوا، فلولا هؤلاء الكُتّاب، الذين يعدّون بالعشرات، الذين كتبوا، كلّ واحد منهم بطريقته، عن سنوات الحرب الأهلية في الجزائر، لتحوّلت ذاكرتنا إلى ذاكرة مثقوبة، وضاع منّا جزء كبير من الحقيقة، مثلما ضاع من رواندا.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

حناشي وتاكفاريناس وعلاوة

تأمّل محند شريف حناشي نفسه مليًا في المرآة، مرّر يده اليمنى على قفاه. أعجب كثيراً …

محي الدّين عميمور وعثمان سعدي في باريس

كان محي الدّين عميمور يحمل مجلة فرنسية، يقرأ – على عجل – مقالاً لكمال داود …