الجمعة، 15 ديسمبر 2017

إلى أحمد التوني .. ذلك الصّوت المقدّس

 

ضياء البوسالمي

أهلاً شيخي أحمد التوني، هل أنت بخير؟!

أعلم أنّ هذا السّؤال لا معنى له خاصّة وأنت الآن في العالم الآخر، لقد ارتديتَ عباءة الأبديّة وظلّت روحك خالدة فلا جدوى من سؤالي عن صحتّك أو مزاجك.

أمّا الصحّة فلطالما لم تعرها اهتماما، إنكبابك على فنّك وتعاليك عن عالم الموجودات جعلك تنسى جسدك وتعتبره مجرّد “ديكور” في حفلة من حفلاتك. وأمّا مزاجك فهو رائق على الدّوام، تتمايل وأنت تنشد فتتحوّل إلى مركز الكون ونقطة ثقله التي تمنعه من الإندثار.

عزيزي أحمد التوني، أنا لم أقابلك ولم أحضر حفلاتك وهذا لعمري سبب كافٍ لأعتبر حياتي خالية من كلّ معنى.

أغبط أولئك الذين يظهرون في حفلاتك وهم يتراقصون على أنغام أناشيدك. لكنني أسأل نفسي، ألم يحصل اللقاء؟ أليست كلّ أغنية من أغانيك هي فرصة لرؤيتك؟!

حالة الانتشاء التي تنتابني كلّما سمعت صوتك يخترق هزّات أوتار العود المتواترة ونغمات النّاي الحزينة وأنت تنشد “كلّ القلوب إلى الحبيب تميل”. ألا تُعْتَبَرُ تلك الدقائق – التي أغيب فيها عن هذا العالم لأسافر إلى فضاء أرحب – لقاءًا؟!

أجلس ثابتًا في مكاني أمّا الروح فترقص في حركة دائريّة لامتناهية.. حركة صوفيّ مسّه الولع. يأتي صوتك رخيمًا مثقلاً بتاريخ الصّعيد، من أعماق صدرك تخرج آهات الإنتشاء في حركات مدّ متواصلة يليها مباشرة إلقاء مبدع للنصّ مع تأكيد وإعادة  للمقاطع وكأنّك تتأكّد من أنها رسخت في الأذهان. صوت جبّار ينتصر للكلمة ويغمر اللحن الذي يستحيل ثانويا مع تفخيم للحروف تارّة وتنغيم للكلمات طورا.

عزيزي أحمد التوني، ما السرّ وراء تلك الطّاقة الغريبة والقدرة العجيبة على تزيين الكلمة وإعطائها رونقًا خاصًا؟

كيف تتمكّن من فتح تلك الآفاق التي كنّا نجهل وجودها قبل سماع صوتك؟ هل تعلم يا عزيزي أنني عند سماع أناشيدك أبدو كتلميذ مسحور بأول الدّروس في حياته؟ هل تعلم أنك تُساهم في إعادة اكتشاف قصائد الحلاج وابن الفارض؟ هل تعلم أنك سبب بهجتي ومصدر سعادتي؟ كم هائل من المحبة يتفجر من صوتك وأنت تترنم، تقاسيم وجهك، الذي يتفاعل مع الموسيقى وما تنشده من قصائد حفظتها عن ظهر قلب، تساهم في رسم صورة مكتملة عن ذلك الشّيخ الثمانيني الذي اكتشفته – ذات مساء – وأنا لم أبلغ السّادسة عشرة من العمر.

“خُضِرْ اٌلعَمَايِمْ وَأَنَا نَايِمْ نَدَهُونِي

وَأَهِلْ اٌلكَرَمْ فِي اٌلحَرَمْ نَادِيتِهُمْ جُونِي”

هكذا أنشدتَ يا شيخي، كنت مستمتعًا بالأداء فأنت فنّان قبل كلّ شيء.

لن أنسى عمامتك البيضاء وعينيك الضيّقتين. تستبطن النّصوص وتغوص في أعماقها، تسكنها بين ضلوعك لتعيد إنشادها على طريقتك الخاصّة. لقد استطعت أن تنشأ حبلا رابطًا بينك وبين المستمع، تأسره وتجعله هائمًا بسحر صوتك.

شيخي العزيز، في حضرتك تفقد الموجودات المعنى.. عندما تطلّ متمايلا في جبّتك تضفي على الرّكح قداسة وهيبة، فيُنْسَى الوقت وتنكسر الحواجزأمام نغماتك وآهاتك.

حفظت كلّ تفاصيل تلك الحفلة الشّهيرة التي تدلّ على أنّك كنت منفتحا على الآخر المختلف ومتخلصًا من كلّ العقد التي أدت بالكثيرين إلى الهوس الدّيني. من أين أتيت بتلك الجرأة لتقدم على مشروع فنيّ تمتزج فيه موسيقى الفلامنكو بالأناشيد الصوفيّة.

إليك المشهد كما رسخ في ذهني: هزّات أوتار الغيتار السّريعة والمتواترة مع ألحان الكمان الخفيفة، يُصاحبها عود وألحان ناي تتعالى تدريجيّا. لكن هذا الصّخب الموسيقي هو مجرّد خلفيّة لصوتك القادم من قلب الصّعيد المصقول بفعل السنين الطوال: “يا مدد يا مدد!”.

تنسى (أو تتناسى) الجميع، تتسيّد المشهد وتفرض نسقك الخاصّ بمسبحتك التي تنقر بها على كأس زجاجيّة محدثا إيقاعات أنت وحدك تحتفظ بسرّها.

عزيزي أحمد التوني، شكرًا على إحياء أشهر القصائد، شكرًا على تخليد الكلمة وترسيخ اللحن، شكرًا على لحظات الصّفاء التي نعيشها كلما استمعنا إلى أناشيدك. سلام على روحك أينما كانت.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

النّاي الشّاوي.. أو مجرى الآهات والمسرّات

نورالدّين برقادي يحظى النّاي بمكانة هامة في الموسيقى الشّاوية خاصة التقليدية منها، عكس العصرية أين …

دليل الدّخول إلى «جمعية قدامى الشّاب خالد»

أخرج من البيت. بات برّا، لا يهم إذا كان فوق رأسك سقف، لكن لا تعُد …