الجمعة، 15 ديسمبر 2017

النّاي الشّاوي.. أو مجرى الآهات والمسرّات

نورالدّين برقادي

يحظى النّاي بمكانة هامة في الموسيقى الشّاوية خاصة التقليدية منها، عكس العصرية أين وظفها عدد قليل من المطربين، خاصة المغني الملتزم عميروش، والمغني الشاب سامي يوراس، تحديدا في أغنيته «أبريذ الغربث»، أي طريق الغربة. لنغمة الناي وقع خاص على الإنسان الشاوي، فهي تذكّره بأعراس الصبا وأمكنة عاش فيها وسكنت وجدانه، وهي أصدق معبّر عن آماله وخيباته. وقد اختارت الكاتبة المرحومة زليخة السعودي «عازف الناي» عنوانا لأحد نصوصها.

من أشهر العازفين على الناي التقليدي محمد بن الزين، رفيق درب – صاحب رائعة «أكر أنوقير» أي قم لنمشي – المرحوم عيسى الجرموني الحركاتي، وسعيد نيسة، عازف المطربة المغتربة حورية عيشي، أما الناي العصري، فلابن قرية تاغيت بولاية باتنة «زوزو»، تجربة مميزة مع المطرب عميروش، هذا الأخير له أغنية بعنوان «أدّمام أباب أو جَواق»، أي «رجاء يا صاحب الناي». تعود المكانة التي يشغلها الناي في الأغنية الشاوية إلى جغرافيا الأوراس الصعبة (تضاريس، مناخ..)، وإلى ما دفعه أبناء هذه المنطقة من ثمن باهظ أثناء مقاومتهم لمختلف قوى الظلام التي احتلت بلاد المغرب الكبير من الرومان إلى الفرنسيس.

حول تاريخ الناي، يوضح الشّاعر والمترجم عادل سلطاني بأن: «..الناي من حيث تاريخيته آلة موسيقية أمازيغية بشهادة الإغريق أنفسهم، ويعتبر إبداعا ليبيا أمازيغيا خالصا وأول من عزف عليه ـ حسب شهادتهم هذه ـ هو سِرْتِسْ الليبي، والناي حسب ذات الشهادة التاريخية دائما ارتبطت تسميته لدى هؤلاء بالليبي، أين اقتبسوا أشعارهم المطوّلة من الليبيين الأمازيغ الذين أثَّرُوا تأثيرا كبيرا في عاداتهم من ملبس وشعر وعزف، وغير ذلك من مظاهر عبادية تعجّ بها أساطيرهم، والناي الذي نطلق عليه بلساننا الشاوي الأوراسي آجَوَاقْ، يمثل لي ولغيري من العارفين به إبداعا أسلافيا شاويا بامتياز، ارتبط بحياة الشاوي البسيطة في الحواضر كما البوادي، ملازما لهم في أفراحهم وأتراحهم، في حلهم وترحالهم، معبّرا بقوة عن العواطف التي تجيش في الصدور، لن يعبر عليها بلسان الحال إلا هذا الصديق الذي اخترعه أجدادنا ليقول الكينونة بكل وضوح وصدق، وتحضرني في هذا السياق قصة سجلها القرن المنصرم، حينما تحكي قصة القصبة آجواق، تلك الآلة التي دفنها الخل الودود، الذي كان ملازما للأسطورة المرحوم عيسى آجرموني، ليخلده التاريخ أيضا أسطورة للوفاء، بعد أن فارق صاحب الحنجرة الماسية التي لا تصدأ الحياةَ، ملتحقا بالرفيق الأعلى، معبرا بدفنها عن الوفاء ليقف التاريخ منتهيا هناك عن العزف بعد رحيل الخل ليشد الرحال بعد هذا الفعل الأبيض إلى الحج ، وأما ما يمثله لي باختصار شديد هو فلسفة الحزن التي تعلمتها من ناي أبي رحمه الله».

عادل سلطاني

وحول سؤال: ماذا يميّز هذه الآلة عن غيرها من الآلات الموسيقية؟

يجيب شاعر بئر العاتر بولاية تبسة قائلا: «هو التصاقها بحياة الشاوي، أين تمثل قيمة ثقافية إبداعية مضافة، تبصم الجو الاجتماعي الأوراسي العام، مشكلة بذلك أيقونة للفرح كما الحزن، حاملة للشجى والشجن والمواجد وللفرح أيضا، وعرسية الحياة والإقبال على البهجة، أين يبصم الوجود الاجتماعي بما يمكن لي أن أسميه هنا بـــ : «عيدية الوجود على مستويي الأنا والنحن»، ونظرا لِقِيمِيَّتِهَا دخلت هذه الآلة مجال الأحاجي العامية الشاوية : «عْلَى اللِّي بَقُّوهْ سَبْعْ بَقَّاتْ هَزُّوهْ تْكَلِّمْ حَطُّوهْ مَاتْ»، هذه الآلة النفخية العجيبة المبتدعة بحس أسلافي راق، حملها يعني الحياة والكينونة والوجود، وتركها يعادل الموت والفناء، فهي كينونة متحركة مفعمة بالنشاط، الذي يعكس حياة الأوراسي، بل تتعدى ذلك فهي روحه الأخرى المنبعثة في حالتي الحزن والفرح، حين احتكاك الهواء المنبعث من الروح على جدرانها الأسطوانية الملساء، المشبعة بزيت شجرة مباركة، تتحكم فيه أنامل فنان مبدع، تتلمذ على خلجات أسلافه الدافئة الصادقة».

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

إلى أحمد التوني .. ذلك الصّوت المقدّس

  أهلاً شيخي أحمد التوني، هل أنت بخير؟! أعلم أنّ هذا السّؤال لا معنى له …

دليل الدّخول إلى «جمعية قدامى الشّاب خالد»

أخرج من البيت. بات برّا، لا يهم إذا كان فوق رأسك سقف، لكن لا تعُد …