الجمعة، 15 ديسمبر 2017

دولاكروا شاهداً على نهاية المرأة الجزائرية

أوجين دولاكروا: نساء الجزائر في مخدعهن

حين رسم أوجين دولاكروا لوحته الشّهيرة: «نساء الجزائر في مخدعهن»، كان يعيش تحت «صدمة» اكتشاف الشّرق، شرق متعدّد الألوان والهويات. وبعد أكثر من قرن ونصف القرن، نعود إلى اللوحة نفسها، لنُعيد اكتشاف المرأة الجزائرية، الخفيّة، التي توارت تحت «صدمة» الاستعمار، وبسبب عقود من «أخلقة» المجتمع، ومن تعميم الفوضى، والفصل العنصري بين الجنسين!

أربع نساء في اللوحة: أصغرهن سنّاً تدخّن النارجيلة، الثّانية بجانبها تجلس القرفصاء وثالثة على اليسار تنظر صوب الباب الخارجي. أماً الرابعة، ذات البشرة الدّاكنة، التي تقف على اليمين، فهي الخادمة. المكان: بيت شاوش، بالقصبة، في الجزائر العاصمة(تحديداً، شارع ديكان سابقاً).

بالنّظر عميقاً في اللوحة ذاتها، سيسطع سؤال واحد: أين هي المرأة الجزائرية التي رسمها دولاكروا؟! سنتمتم أكثر من مرّة: كيف تخلّت عن حضورها وسلطتها، توارت واختفت!!

لوحة دولاكروا ليست نظرة استشراقية للمرأة الجزائرية، بل واقعية، واقعية حدّ الوجع. كثير ما يُنسب إلى الفنّان نفسه أنه رسم لوحة متخيّلة، منقاداً بنزعته الاستشراقية، لكن هذه الفرضية ليست سوى سلاحاً ثانوياً، للتّعتيم على اللوحة من جهة، ومن جهة أخرى لوأد صوت المرأة الجزائرية الحقيقية.

دولاكروا(1798-1863) اكتشف الشّرق، الذي كان يبحث عنه، في المغرب، ولم يُقم في الجزائر العاصمة أكثر من أربعة أيّام، ألتقط فيها ألوان وأنفاس المدينة، ورسم لوحة واحدة عنها، هي أرشيفنا الأوضح للنّظر في وجة المرأة الجزائر آنذاك، امرأة كانت لا تخجل من التّزيّن، من رفع صوتها، من التّدخين أو من مواجهة الرّجل. امرأة كانت تنظر للأعلى، وتحفظ توازن المجتمع. وكتب دولاكروا، لاحقاً، معلقاً على المشهد: «كان مكاناً جميلاً، أشبه بمعبد هوميروس».

المرأة التي تُقابلنا في اللوحة صارت من الماضي، فقد اجتمعت «صدمات» تاريخية، وأخرى اجتماعية، ومحتها. بعد أكثر من قرن ونصف القرن من مشهد النّساء، في كامل زينتهن وتحرّرهن، في قصبة الجزائر، تحوّلت المرأة الجزائرية إلى ضمير غائب، إلى أنثى وفقط، اختصرت في وظيفتها البيولوجية، وحين يُسمح لها بالخروج إلى الفضاء العامّ، ستجد نفسها، رغم أنفها، متورطة فيما يشبه مشاهد فلكلورية.

العودة إلى لوحة «نساء الجزائر في مخدعهن» تسمح لنا بالنّظر، مجدداً، في وجه المرأة الجزائرية الخفيّة، المُستبعدة، تلك المرأة الجزائرية الحقيقية، التي تُمارس، بحريّة، حقّها في العيش، وما وجب عليها من غنج وفرح. سنجد نسوة في جنّة خلوتهن، في مشهد شعري، بعيداً عن بطريركية الآخر وأنانيته، قبل أن يصل الطّوفان، الذي اشتد، خصوصاً بعد استقلال البلد، فتحوّل التّضييق على عيش المرأة إلى تضييق على عيش الجماعة بأكملها.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

حناشي وتاكفاريناس وعلاوة

تأمّل محند شريف حناشي نفسه مليًا في المرآة، مرّر يده اليمنى على قفاه. أعجب كثيراً …

محي الدّين عميمور وعثمان سعدي في باريس

كان محي الدّين عميمور يحمل مجلة فرنسية، يقرأ – على عجل – مقالاً لكمال داود …