الأربعاء، 17 أكتوبر 2018

لغز اللغة اليونانية المعاصرة!

رشيد فيلالي

لعل اللغة اليونانية المعاصرة تعدّ مثالاً حيًا لدراسة الصّراعات اللغوية بين أنصار العامية والفصحى.

صراعات تعرفها مختلف المجتمعات في الوقت الراهن، مبنية عادة على دوافع دينية و إيديولوجية وسياسية متشعبة ومربكة، إلى درجة يقف أمامها الباحث الجادّ والحيادي في حيرة من أمره، نظرًا للتجاذبات والتناقضات التي يقدّمها مختلف أطراف الصّراع وأصحاب النفوذ.

هذا الأمر يجعل الرؤية العلمية غائمة وضبابية وحتى شبه معدومة!

لكن مع ذلك، فإن الخوض في شأن هذه القضية، أقصد المسألة اللغوية في اليونان، و التي طالت أكثر من قرنين من الزّمن، صار ممكنًا الآن، بعد هدوء زوابعها نسبيا، وإعطاء من ثمّ وجهة نظر دون تعصب لهذا الطرف أو ذاك.

ونبدأ القول بأن الصّراع اللغوي في اليونان اندلع خلال القرن التاسع عشر، حيث من المعروف أن اليونان على غرار البلدان العربية يتحدّث أهلها لغتين(يطلق على الظّاهرة علميا مصطلح ازدواجية اللسان: Diglossia). وهي العامية، وتدعى «ثيموتيكي»(Dhimotiki)(للتّذكير هي خليط من اللهجة المحلية لسكان العاصمة أثينا وما جاورها). والفصحى، وتدعى كاثاريفوسا.

لكن علينا أن نأخذ المصطلحين «العامية والفصحى» بحذر شديد وتحفظ بالغ، لأن العامية اليونانية لا تشبه العامية الجزائرية – مثلاً – الموغلة في الهجنة والتفكّك، لكون الأولى أكثر تماسكًا من حيث القواعد وأرفع مستوى وقاموسها ثري خصب، وفي الجهة المقابلة، فإن الفصحى اليونانية المذكورة تعد صيغة أقرب إلى اليونانية القديمة، التي يُطلق عليها مصطلح (koinè) بمعنى«المشتركة». وهذه الأخيرة كانت تعتبر لغة إسكندر الأكبر وتوقّفت الكتابة بها في القرن الخامس عشر، وتحديدًا بعد سقوط القسطنطينية عام 1453. وهي أصلا تتكوّن من أربع لهجات عامية متلاحمة، وهو سبب تسميتها بذلك المصطلح الغريب «المشتركة». كما أنها كانت تعتبر لغة عامية هي الأخرى، مقارنة باللغة اليونانية الفصحى أو الهيلينية القديمة! وهذا كلّه يبيّن مدى التّشابك في تاريخ اللغتين العامية والفصحى اليونانيتين المعاصرتين اللتين تعايشتا منذ فترة زمنية طويلة.

والطريف في الموضوع أنه في عام 1901 استنكر علماء الدّين اليونانيون ترجمة الكتاب المقدس «العهد الجديد» إلى اليونانية العامية، حيث عرفت شوارع العاصمة أثينا مظاهرات وحتى أعمال شغب مناهضة لذلك، وظلّ الصّراع محتدمًا بين أنصار الفصحى والعامية اليونانيتين(يمثلان اليمين واليسار السياسيين) وكلّ طرف يستغل موقعه السياسي ونفوذه لكي يفرض لغته في المجتمع، إلى غاية حلول تاريخ 30 أفريل 1976، حيث صارت العامية اليونانية هي اللغة الرسمية في اليونان، وتم إصدار قانون إلغاء استعمال اللغة الفصحى نهائيًا، ومن المفارقات الغريبة أن قانون الإلغاء نفسه كتب ونشر باللغة الفصحى اليونانية!!

وفي الواقع، لم تتوقّف الصّراعات اللغوية في اليونان عند هذا الحدّ، رغم الشّروع في عملية وضع القواعد الأساسية للغة اليونانية المعاصرة، حيث صدر في هذا الخصوص حديثا معجمان هما «معجم اللغة اليونانية المعاصرة» و«معجم اللغة اليونانية المشتركة».

صراعات متجدّدة في اللغة اليونانية

والملفت حسب المختصين أن المعجم الأول يستند في وضع جذوره إلى اللغة اليونانية الفصحى (Katharévousa) أما الثّاني فهو يعتمد في ذلك على العامية اليونانية (Dhimotiki) والاثنان يحاولان التوحّد والانصهار في لغة مشتركة بقصد إنهاء الصّراع القديم الجديد بين الفصحى والعامية، ولذلك فإن اللغة اليونانية الرّاهنة تسمى أيضا.. «اللغة المختلطة«!..

والجدير ذكره في قضية العامية والفصحى اليونانيتين، أن اللغة الفصحى اليونانية هي أصلا لغة «مصطنعة» استحدثت في القرن الثّامن عشر وهي نسخة مكررة من اليونانية القديمة، حتى أن مصطلح (Katharévousa) يعني حرفيا «الصّافية»، حيث بادر اللغويون والكتّاب اليونانيون إلى وضع قواعدها على ضوء قواعد اليونانية القديمة ثم راحوا يطهرونها من الكلمات الأجنبية وخاصة منها التركية والإيطالية وتعويضها بكلمات مأخوذة من اليونانية الفصحى القديمة، وقد صارت هذه اللغة عام 1833 اللغة الرسمية للمملكة اليونانية، لكنها لا تستعمل في الحياة اليومية، وبلغت ذروة اكتمالها وتأثيرها بين عامي 1830 و1880 حيث ألفت بها روائع أدبية منها أعمال ألكسندر باباديامانتيس. مع الإشارة إلى أن لغة الحوار في نصوص هذا الكاتب الكبير، كانت بالعامية، وابتداء من عام 1880 تمكّن الأديبان الكبيران يانيس بسيكاريس وكوستيس بالاماس من جعل العامية اليونانية (Dhimotiki) لغة أدبية أيضا، وهكذا لم يخمد الصّراع بين الطّرفين، لينتقل هذه المرّة إلى خارج اليونان ولاسيما في المهجر بباريس، وهناك احتدم النقاش حول اختيار اللغة التي يجب ترجمة الأعمال الأدبية العالمية بما فيها تلك المكتوبة باليونانية القديمة، هل يتم ذلك بالعامية أو الفصحى المعاصرة، وقد حسم الاختيار في السبعينيات من القرن المنصرم لصالح العامية الفصيحة أو الفصحى المهذبة (Dhimotiki).

وكما نلاحظ أن القضية اللغوية اليونانية أهدرت بسببها طاقات وجهود معنوية ومادية عظيمة على امتداد قرنين من الزمن، فهل يا ترى وجد الشعب اليوناني ضالته اليوم؟!

أتصوّر بأن المشكل نفسه سيبرز من جديد بعد انقضاء فترة من الزمن، أي عندما «تولد» من اللغة اليونانية المعاصرة لهجات وصيغ تعبيرية عامية يبرز حينها من يريد ترسيمها هي أيضا و..هكذا يتواصل الصراع في جدلية شيطانية لا تنتهي يدفع ثمنه الشّعب اليوناني الذي كان قديمًا مضرب المثل في التحضر والرقي واليوم يرزح تحت أثقال من الأزمات المختلفة والتي لها أول وليس لها آخر.. فتأمل.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

جائزة مقابل خيانة اللغة الوطنية

بتاريخ  30 جوان 1996، كانت قناة “TF1” الفرنسية بصدد نقل فعاليات الجائزة الفرنسية الكبرى لسباق …

هل التعريب في الجزائر استعمار جديد؟

هذا السّؤال الغريب في الحقيقة لم أطرحه أنا، بل هو استنتاج توصّل إليه الكاتب محمد …