الخميس، 17 أكتوبر 2019

بكر حمّادي يكتب: أنت زوهري.. سأريق دمك!

بكر حمّادي

الخامس من أبريل 1954..

مع تدّني الأحوال المعيشية وقمع الاحتلال الفرنسي لمنطقة أمسيردة، قرّرنا الهجرة إلى المغرب..

عبرنا جنان ركّوش متجّهين إلى آحفير.. الصّيف دخل مبكّرا قبل ميعاده ونحن نسير عبر الأحراش كقطيع بنات آوى..

دار عليّ الحول وأنا أرتدي جلابّة وبر ونعلا خِيط من الحلفاء. أختي لا تفرِق عني في مظهرها، حتى شاربها أنبت مثل شاربي وبشرتها اخشوشنت وما أنقذَ أنوثتها إلا ضفيرة سوداء طويلة تشبه ضفيرة هنديّ أحمر.

طيلة مكوثنا بالمغرب لم يوصني أبي بأي شيء غير إخفاء كفّ يدي، ظلّ يتوعّدنا بحكّ الفلفل الأحمر في أجفاننا إن نحن عصينا أمره هذا..

استغربت هذه المرّة إلحاحه علينا بتوّخي الحذر، إذ أنّه أجبر أختي الصّغيرة على تغطية وجهها بوشاح لا تظهر منه سوى عوينـتها اليسرى، ألزم عليها إخفاء وحَمها الذي ملأ عينها اليمنى. يقول أنّ قدَحة العين تشي بصاحبها وسلام الكفّ يفضح الطالع، كان يردّد مثلا شعبيا آنذاك: «السّلام يجيب الكلام والكلام يجيب الفقّوس(الليمون )».. المُراد به أن قلة الحديث تقيك شِرار النّاس.

السّر وراء تحذيرات أبي أنّ «السّواسة»(سكّان مدينة سوس جنوب المغرب) مستعدّون لقطع المسافات على الأقدام باحثين عن أطفال من نفس الفصيلة التي أنتمي إليها أنا وأختي: «فصيلة الزّوهريين».. هذا المصطلح اشتق من كلمة زهر أي الحظّ، ويطلق على الأشخاص الذين توّفرت فيهم بعض السّمات – وافتقدها غالبية النّاس – كخطّ الكفّ الأفقي الذي يقطع راحة اليد أو وحمَـة العين وحَوَلها (أي أنّ البؤبؤ الأيسر يصبّ في العين اليمنى)، وأيضا يسمّى الشّخص «زوهري» إن كان مفلوق اللّسان على قسمين كلسان الأفعى، ونادرًا ما تكون «لعقةُ البقرة»( وهي نخلة الشّعر فوق الجبهة على شكل حرف V) ميزةً تسمح له بنيل هذا الشّرف، وأيّ شرف ؟

أنت زوهري يعني أنك «الجوكر» والصّفقة التي تسيل لعاب المشعوذين الذين وهبوا حياتهم للتنقيب عن كنوز المردة والعفاريت، قربانٌ جاهز للظّفر بخبيئة اللؤلؤ والمرجان، أن تكون زوهريا يعني  أنّك من أبناء الجنّ وقد تمّ استبدالك يوم مولدك ولا بدّ أن تعاد إلى موطنك الأصلي، ليس صعبا على الإطلاق!..

يستلزم الأمر القيامَ باختطافك ثم إراقةُ دمك فوق مكان الرّصد الذي اتفقّ المنّجمون أنّه موضع تواجد الكنز، مع قراءة الدّمياطي والتمتمة بالعزائم وتخطيط الجداول على التراب..

بهذه الخزعبلات ظلّ والدي يحشو عقولنا بخرافات اصطفائنا كحرّاس على الكنوز.

بعد الاستقلال عدنا إلى أرض الوطن، بالضّبط إلى منطقة مسيردة الفوّاقة بتلمسان، عدنا محمّلين بالأسطورة وتركنا الكنوز وراءنا، نفس الحكايات نداولها على ألسنة أقراننا، وبالرغم من سخريتنا وعدم تقبّلنا لمزاعم أبي إلا أننا كنّا فخوريْن بهذا الوسام الذي خصّنا به القدر، إلى أن جاء يومٌ انقلبت فيه قناعاتي وزادت به هواجسي تناسلا، شعرت فجأة أنّني أصبحت «مروْحنا»، «مُدَرْوشا»، «مَسخوطا» – كما يشاع هنا – لما طرقتْ أختي الباب بقوّة تصرخ حافية القدمين:

  • يا بابا اجري اللّويز.. وحقّ ربّي غير اللّويز!..

أخبرتنا أنها كانت ترعى العنزات بجانب «الحاسي الرّومي» فانزلقت من منحدر هشّ أدمت أشواكه وصخوره يدها، وبينما هي تحاول إيقاف النّزيف ببعض التراب سمعتْ صوتا يُنادي باسمها فرفعت رأسها عاليا فإذا هي تشاهد دقيقا يتساقط من أعلى المنحدر على شكل شلاّل متدفّق، دنت منه وتحسسته فوق التراب، كان أصفرًا غامقًا كلون الذّهب، وعلى بعد أمتار لمحت كرّياتٍ من اللّويــز منثورة فوق الحشائش، تسمَّرت في مكانها من هول الصّدمة ثم هربت تاركة العنزات تلهو فوق السّهب الكبير.

لبس أبي قشّابيته ولفّ سبحته بين كفّه ومعصمه وعاد حاملا الخماسية، طمأننا أن الجنّ يخافون البنادق والبارود، بلغنا المكان المقصود فلم نجد إلا بعض الحلازين البيضاء المنتشرة بقواقعها في المكان.. صرخت في وجه أختي:

  • وين راه هاد اللّويز يا العقرب؟!

عنّفني أبي قائلا: «أختك ما كذبتشْ، الجنون بدّلوا بلاصة الكنز.. كان لازم عليها تسترهم وما تفضحش الخير!»..

مرّت السّنوات ونافست تجاعيد اليد خطوطها، ازدهر العلم  وقلّت أخبار الزّوهريين وانقرضت ملاحمهم التاريخية، بل أصبحت ضربا من الخيال كخرافة الغول وطائر الرّخ..

استضفتُ ذكرياتي التي هجرتني في سهرة كنت أتسامر فيها مع ابني بكر، شابّ يدرس بقسم علم النفس،لا يُؤمن بالخرافات والكرامات، بدا شكلي مضحكًا وأنا أسرد له مغامراتنا العجيبة، حمل سكين البطاطا وأراد أن يحدث جرحا بيدي اليسرى قائلا:

  • باغي نذبحك يا واحد الزّوهري.. افتح يا زوهري.. افتح يا سمسم.. افتح يا جْرب.. يا طاعون..

الأرجح أنّه كان مفلسا وحاول التّلميح لي مستعينًا بنكته الاعتيادية ..

وجدت نفسي محاصرًا بوضعية الدّفاع أتمسّك باعتقادي بضراوة مقاتل، ليس جميلا أن أنهزم أمامه: »واش القطّ يورّي لباباه النّط!.. كل شي نقبله غير هادي لالا.. ».

«إيه، أنا زوهري».. أقولها محكما قبضة يدي فيزفر بكر عميقا ثمّ يتركني منصرفا من الغرفة، أتساءل بعد خروجه: هل حقًا أنا كذلك؟!

أبي قال أن السّواسة نجحوا في نقل صخور ذهبية من بلادنا كنّا نريح مؤّخراتنا عليها، نذّر الملح والشّب فوق كلّ «صفّاحة» ونغسل عليها ثيابنا وأفرشتنا، حتى أنهم أنشدوا مستهزئين بغبائنــا:

«المسيردي  منحوس..  خلّى الفضة والذّهب مقيوس..».

هذا دليل آخر على صدق نبوءاتي، بل حتى أختي جُرحت يدها أمام مكان الرّصد ورأت بأم عينها ثروة متدفقة كادت تجعلنا منّا أغنياء تلك القرية..

لكن من المحتمل أنها توّهمت ذلك فقط بعدما رسّخت الفكرة بذهنها؟!

مسحت بأناملي على كفّ يدي أقرأ طالعي فانفجرت ضاحكا ببضع أسنان متفرقة، الحياة ظريفة تستحق العيش!.. تذكرت نباهة بكر الذي يستغرب بقاء عمّته الخمسينيّة بلا زواج، فيخاطبني بوجه متجهّم:

  • عمّتي زوهرية وما لقاتش لروحها حتى راجل يلّمها .. أيا بركانا!..

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

آمال بشيري

«خفافيش بيكاسو».. نزعة روائيّة نوعية

تخرج آمال بشيري في روايتها “خفافيش بيكاسو”(دار ميريت، القاهرة 2018) عن كلّ المواضيع المألوفة من …

اللقاء : قصّة جديدة لياسمينة خضرا

الملحق الأسبوعي لصحيفة “لوبريزيان” الفرنسية، استضاف مجموعة من الكتّاب الفرانكفونيين، لكتابة قصص يدور موضوعها حول …