الإثنين، 16 مايو 2022

أنا وصديقتي المرأة في جزائرستان..

عبد الوهاب معوشي

أترجل من كلّ صهواتي، وأجالس المرأة في أعيادها المتكرّرة، فما عاد لها عيد واحد وحيد بل صفا من الأعياد وهي التي حلمت وتاقت واشتاقت إلى تقشير تفاحات العالم والنّزول إلى ساحات المدينة..

ما صارت المرأة ساكنة، مذعنة، آوية إلى ركنها الرّكين منتظرة حبلا من الله أو من البشر يقذف عليها ذات آذار في يومه الثّامن وإلى اللحظة تراها تستهلك هذا اليوم أو نصفه المسائي في الحفلات الهجينة، شرب الدّخان أو البيرة، الرّقص الشّرود الذّاهب إلى حرية لا تدركها المرأة، هذه المرأة..

قبل ذاك كانت المرأة راهبة في معبد الحرية، تنتظر عيدها أو ينتظرها عيدها، حتى تبوح، تهمهم، تصلي أو حتى تبكي، تشكي ظلما إلى ربّ خلقها، أعطاها، ومنع عنها.

كانت وحيدة، طريدة في عزلتها بيد أن اليوم عيدها الآذاري السّنوي فرخ لها أعيادًا، أكرمها بكرامات وقرضها قرضًا حسنًا في الخروج والمكوث في الشّارع ريثما يتبيّن الخيط الأسود من الأبيض، وكذلك أكثر، فهي إن وجدت…

في مكاتب الوظيفة حتى الهزيع الأخير من ليل الإدارة والمدير، في السّفر المهني والبيزنس والاستعراض الجمالي، في السّياسة والبرلمان والمشاركة في التّصفيقات الحارّة، في الرياضة واللهو والبحث عن جسم متناسق كامل الأوصاف..

إنّ الحق الحقيق أن هذا العيد بأجوائه النضالية وحماساته العقائدية، فكره النسوي الاستثنائي، الغريب، السّاحر ضاع.. ضيعته المرأة في غابة الرّجل الشّهواني، المتسلّط، النزّاع الى أكل لحم أخيه سياسة واجتماعا ورياضة وموسيقى..

أترجل من صهواتي العالية بمنزعها الفحولي البطرياركي لأقول لكم ولكن، تعالين نعدّد الموضوعات في هذا الموضوع الواحد المدهش المثير تقييما وجردة حساب وإشكالات تراكمت، وترامت على هذا المدى الفسيح في بلادي جزائرستان…

لنترك أدبية الخطاب النّسائي والخطاب حول النّساء، والنّسوية بفضائلها ومباذلها ونحكي أشجانا وأصواتا سرية ودواخل، أنا الرّجل الذي تسكنه المرأة، وأنت المرأة التي يسكنها الرجل حيثما ارتحلت وعادت فحلت..

هل «دار العزيز» على حالها أم أن أشجار تفاح القصر سقطت كلّها بين أحضان السّكاكين، وانقضى العصر النّاعم الرّقيق المغلّف بأسمال الضّحية وعلى ما يبدو تاليا أن المرأة أكملت سمفونية تقشير التّفاح للرّجل ومن أجله خاضعة لألاعيبه وملاعبه.

إن المرأة تهيم بالحرية ومفردة الحرية لكنها لا تصل إلى مبتغاها، لأن الرّجل يريد ذلك وهي أيضا تريد أن لا تصل ذلك إلى وهذا هو حاصل النّقاش اليوم، نقاش دوراني، مزيّف، وكربلائي رغم اتكائه على إرث نضالي نسوي تاريخي لا يمكن ولا ينبغي تجاوزه إلا أن ثمة انحرافا في الوجهة وقع نتيجة الاختلالات الاجتماعية والسّياسية والبيتيوية في المجتمع الجزائري، فبدت المرأة بمطلبيتها الحرياتية في أسر الرجل اللاعب وفي ملعبه، إنها فعلت ما يفعله وسلكت مسلكه واقعة في قوانينه المكيّفة على أهوائه وتكتيكاته فالأكثر افتراسا في اللعبة هو الرّجل إذ يُبقي المرأة صوتا وصورة، أي صوتا انتخابيا هامًا مرتكزًا على الكثرة، الغوغاء، الجهل السياسي المقدّس، وصورة تلفزية عنكبوتية لها التصفيق والمديح والتّملّق الرّخيص على ما تفعله البرلمانيات اليوم الإسلاميات منهن والحداثيات، المتحجبّات منهن و«السيفيليزي»..

هي مساحة الحرية في تقلّص واانكماشية وليس عكسا رغم أن المدوّنة التشريعية عرفت مراجعات كثيرة وتذييلات على الحواشي غير مسبوقة مقارنة بالعهدين البومدييني أو الشاذلي..

المرأة تهيم بالحرية لكنها لا تصل إلى مبتغاها

لقد كان النّضال النّسائي متدرجًا بطيئًا يُراعي الخصوصية الجزائرية وغير اعتدائي وتداولي بين الطّبقات والحساسيات، كان حراكا نسائيا من داخل السّلطة المتوازنة ومن داخل المجتمع النّاشئ على التمدين الاشتراكي – رغم أوهامه – والإسلام الصحوي السّري – رغم نرجسيته الماضوية –.

أقول أن الواقعة النّسائية الجزائرية مرتهنة الفخاخ، مخترقة في باطنها ملتمعة مشهدًا وصورة على غير حقيقتها،، المرأة في العمل..

في فضاءات البيع والشّراء..

في أندية الرياضة والموسيقى..

في السّينما والمسرح..

في كلّ مكان هي المرأة..

وفضلاً عن ذلك هي في المصنع والمستشفى وفي مجالس التّربية والتّكوين، في الإدارة والدبلوماسية والعسكر.. وهي في البرلمان.. والإعلام بوسائطه المتشابكة وفي الإذاعة وفي القنوات الفضائية الخاصّة الصّغيرة مبنى ومعنى..

ألم تكن هذه الاقتحامات قبلاً – كما ذكرت في الثمانينيات والتسعينيات – تحصل؟ الجواب: نعم، حتى أنها تحصل بايجابية دونما لغط سياسوي صوري واستعمالي فكانت المُعادل الموضوعي، العنصر المؤسّس لسقف البيت وسقف العالم، إنها كانت فعلا هي السّكن لا بالمنطوق الإلهي بل حتى بالمنطوق الهايدغري..

أوقع الخروج النسائي المندفع إلى الفضاء العمومي المرأة في مطبّات غير رحيمة ولا مطمئنة لأن الرجل المحكوم بعفن السّياسة وشهوة المغنم والمغرم هو المالك لهذا الفضاء ولهذا الملعب الخطر، المحدودب فلم تملك فضاءها ولا مارست فعاليتها الوجودية كما تحبّ، تفكر وتميل..

أين هي الجمعيات النّسائية ذوات الثّقل والعزيمة والروحية الجهادية من نوع رفض وراشدة وحتى الاتّحاد العام للنساء الجزائريات..؟!

أين هن الكاتبات الشّابات اللواتي كن يطللن ويظهرن مع كلّ جيل وعشرية، بأشعار من الأخاذة البلاغة والترميز والحداثاثية، بقصصهن القصيرة المجبولة بالحياة والحرية ورفض الحجاب..؟!

تفصيل كبير ومغري عن الحلقات المضيئة للعمل النسائي الجزائري الضّارب في النوعية والاختلاف والإبداع الهامشي فيه والرسمي.. هذا التفصيل الذي انخرم بناؤه وانكسرت مثالياته.

كلّ ذلك كان يثأتث باللباقة وألق الأنوثة التي حدثنا عنها شيخنا محيّ الدّين بن عربي..

أنزل من صهواتي  أجالس المرأة التي كانت والمرأة التي ستكون مفترشا الخضرة والربيع ربيعها، أنة هي أناتها، وفرجة كربتي فرجاتها في أرض التعدّد اللامتعدد، الهوية اللاهوية والوطن الذي صار جزائرستان، قبائل، قبائل نسائية متناحرة  كما الرجال المأفوفين المتحلقين حول المغانم والمباذل الحمراء..

إن المرأة الجزائرية هوت من عل في مهاوي الرجل ورداءاته ومخاتلاته، تماهت فيه، صارت منه، ونتاجًا لسياساته النّسوية الفارغة المحتوى، العمولات والرشوات، التنصل من المسؤوليات والأعباء في المهنة والتّربية وفي المسكن والأولاد، مثلما أفردت وقتها للفلكلور والزينة والتمظهر منهية عصرًا من الصّدق التاريخي الذي مثلته امرأة العقود السّالفة من تاريخنا الزّاخر، المفعم بروائح البارود وعبق البيوت الهانئة والمسيرات المظفرة والحنين إلى نساء الجزائر في تصاوير دولاكروا…

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

عزم

عقدنا «العزم» أن نضحك عليكم

بينما كان الشّعب يخرج، كلّ جمعة، في حراك غير مسبوق، من أجل دولة جديدة، تحترم …

جورنال: أسبوع أوّل في الحجر الصّحي

كريمة أ.نواصر أسبوع من الجهاد في سبيل الحياة، بين أربعة جدران، اكتفيت فيه بعدّ السّاعات …