الجمعة، 15 ديسمبر 2017

يوم عزف علاّ في بيروت وأبهر الحُضور

في سنة 2006، أحيى عازف العود علاّ، حفلاً في بيروت، وكان من بين الحضور نخبة من الكتّاب والإعلاميين اللبنانيين، من بينهم الشاعر والفنان اللبناني فادي العبد الله، الذي أبهره صاحب موسيقى «الفوندو»، وكتب حينها مقالاً جميلاّ في صحيفة النهار اللبنانية:

في مناسبة نادرة، خرج عازف العود الجزائري الخلاّق عَلاّ، من عزلته الباريسية ليقدّم في مدينة النور بيروت، أمسيةً ارتجالية في «لو كافيه دو لا دانس».

عزلة عَلاّ الأسطورية، منذ تركه الجزائر في مطلع التسعينات، وغيابه المتواصل عن وطنه الأم، تضاف إلى الحكايات الكثيرة الأشبه بالأساطير، التي تروى عنه في بشار جنوب الجزائر قرب الصحراء التي يقول، كما كان المصري ادمون جابس ليقول أيضاً، إنه يحملها في قلبه.

من هذه الصحراء ورث علاّ صفاءً غريبا، ونقاءً وتواضعاً جماً، لا تنفصل عن موسيقاه بل تشكل نسغها الأعمق.

يجلس علاّ على وسادة صغيرة قريبة من الأرض ثم يحني رأسه ويضع أذنه على العود كمحبّ يسمع قلب حبيبة نائمة. من هنا يبدأ رحلته التي لا ينتهي فصلها الأول ثم الثاني إلا بوقوفه متألم الساق يعرج قليلاً، شأنه شأن المشايخ في القرن التاسع عشر، وما قبله، حين كانوا يجتمعون في حلقات ويمسكون الإيقاع على أفخاذهم.

لا يستعرض علاّ عضلاته في التقنية والسرعة وإن كان يمتلك منهما نصيبه حين يحتاج. لكنه ساحر الإحساس للمتلقي وللعازفين أيضاً. له ضربة ريشة لا تخطئها الأذن، وخصوصاً حين يخطف النوتات المتتالية بالأصابع وبضربات ريشة قليلة. كما أن الأنغام التي يهواها والخالية غالباً من أرباع الصوت – وإن زارها أحياناً بخفة نادراً ما تعرفها وتأثراته بالموسيقى الأوروبية والبلوز والغيتار غير الإسباني، تضفي على تناوله المقامي وأبعاده ومفردات جمله نداوة غير مألوفة في موسيقانا.

علاّ الكهل، من القلائل القادرين في أيامنا على تقديم أمسية ارتجالية بالكامل، إلى جانب التونسي فوزي السايب. سرّه الحقيقي في ذلك يتبدى منذ قعوده. فهو يتبع نداء العود ولا يفرض عليه هيكلاً واعياً سابقاً على اللحظة. ينصت إلى صوت العود، عوده الخارق الذي صنعه بنفسه والغني بأصوات و«هارمونيك» لا تنضب، ويسري معه بحثاً عن قبس صوت يلوح في بعيد الظن أو الوهم.

لهذا السبب قد يفتتح علاّ عزفه، أو يعود بعد أن يكون خلق مساحة من الصمت، بأن يقوم بمجموعة من الإئتلافات في حركة ريشة دائرية لا تقول سوى البحث عن المنطقة الضائعة التي يبحث عن علاماتها ليقودنا إليها، كما يتنسم الدليل في الصحراء معالم الطريق المتقلبة بحسب الكثبان. لهذا السبب أيضاً قد يلجأ إلى مفردات إيقاعية تمهيدية لا يلبث أن يطورها إلى تنويعات مرتجلة تنقل نبضه في هذا الآن.

عود علاّ، لا يقول النقاء والصفاء الباهرين فحسب، بل أيضاً أن الروح تائه يغذّ السير على نبضاتٍ متفاوتة، (النبض هو ما يفيض بسحر من عازف عود مصري شاب هو حازم شاهين، ألمع أبناء جيله اليوم).

هكذا يتزاوج ارتجال علاّ مع لحظات روحه وحركاتها وجهةً وإيقاعاً. تفاعل المستمع معه ينتج نوعاً مختلفاً من الطرب، ربما هو النشوة الساكنة التي تتوق إليها النفس. ففي حين يرتكز الطرب كما نعرفه، لا سيما في صيغته المصرية، على أحد عمودين: الشجن الشجي كمسحة من الأسى الخفيف غير الحاد، ومرح اللعب مع المطرب في مفاجآته وارتجالاته، لا سيما مفاجآت القفلة والنقلات المقامية، وفي حين أنه بهذا لا يطاول الفرح الحقيقي (غير المرح اللعوب) ولا الحزن البالغ (وهو سوى الندب والنواح) كما في موسيقى البلقان مثلاً، نرى علاّ يطال الفرح بيسرٍ مذهل ويقول النقاء بمثل ذلك من الصفاء، أما الحزن فيظل بعيداً، وإذا خالطت الدموع العيون أو تجمعت في الحنجرة فما ذلك إلا للحظات لا تطول، كقطرات ترتشفها الروح دون أن تستجدي بها تصفيق الآخرين ولا «اندماجهم».

أمسية علاّ حدث حقيقي يهز المنصت ويحمله إلى سكينته الخاصة أو إلى قلقه مروّضاً، لكنه بلا استعراض أو إبهار. حدث هادئ يعصف بالنفس دون أن يلوح أن ثمة أمراً فيها تزحزح من مطرحه. الحدث دائماً سابق على الإنتظار.

لافتة ودقيقة جداً هي الكلمة الوحيدة التي تلفظ بها علاّ في الأمسية، في ختامها تحديداً، بعد إيابه من تجواله في ثنايا الروح، قال بالفرنسية: voilà.

*فادي العبد الله

صحيفة النهار اللبنانية 2006

Enregistrer

Enregistrer

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

حصري.. صور نادرة لنجوم الرّاي

بعيد صدور أغنية «ما عندي زهر»(1983) لفضيلة وصحراوي من الجزائر، أدرجت إحدى فرق الديسكو في …

بختي بن عودة.. فانوس تنوس حوله الأسئلة

خيرة بلقصير أسمع صلصلة في ثقب باب الغياب، شيء ما يُراق من فوق الأبدية، كالزّلال …