الأربعاء، 26 فبراير 2020

كلمات ودلالات عجيبة!

رشيد فيلالي

ذكرت باحثة لغوية فرنسية مهتمّة بلغة سكان الضّواحي بفرنسا أن إحدى الفتيات البالغات سنّ 14 عاما، وخلال الحديث معها ذكرت جملة(Je suis trop une Celte).

وحين سئلت عن معناها قالت أنها تقصد بأنها «غبية جدًا!».

طبعًا عند التّمعن في تركيب الجملة سنجد بأن وصف الغباء يأتي من كلمة(une Celte) ومعناها الحرفي الأصلي هو «سلتية»، أي أنها من قوم السلتيين وهم السّكان الأصليون لفرنسا (مثل الأمازيغ في الجزائر).

ويبقى الشّيء المثير للغرابة، هو كيف انتقل معنى «سلالة من السّكان» إلى مفهوم الحمق والغباء؟ والذي يبدو أنه انتقل من نظرة بقية السّكان الفرنسيين احتقارية ودونية وخاصة من ذوي الأصول اللاتينية والجرمانية إلى السّكان الأصليين لفرنسا، وهم السلتيون الذين لا يزالون في حالة بحث عن الذات وإثبات للهوية على غرار ما هو حاصل في منطقة بروطانيا.

وإذا انتقلنا إلى الجزائر فإن الأمر لا يختلف كثيرًا، حيث على سبيل المثال نجد في الشرق وخاصة في قسنطينة استعمال شتيمة على الصيغة التالية: «أنت قطيم!». وهي تستعمل عادة في اللهجة العامية، ومن خلال البحث في أصول هذه الكلمة «قطيم» تبيّن أنها كلمة محوّرة عن اسم المنتمي إلى قبيلة «كتامة»، التي تعتبر من أكبر القبائل التي تنتشر في عموم الشّرق الجزائري، ولأسباب ما تحوّل هذا الانتماء إلى شتيمة ومعرة، ونرجح أن يكون وراء ذلك العثمانيون الذين رغم تزاوجهم مع جزائريات(الكراغلة) إلا أنهم كانوا أيضا عنصريين في تعاملاتهم ونظرتهم للسّكان الأصليين على وجه العموم.

وكما هو واضح فإن للكلمات تحوّلات عجيبة، قد تكون ناجمة عن أسباب اجتماعية أو فكرية أو عرقية أو دينية وحتى بسبب طريقة تفكير المتحدثين بهذه الكلمات/اللغات.

لنأخذ للتدليل على ذلك مثالا الكلمة الفرنسية(une maladie) عند تحليل وتفكيك هذه الكلمة، نجد شيئا غريبًا، وهو أن أصلها يعني (mal-a-die) أي أنه بالتقريب تعني «سوء القول». وكأن المرض في الأصل يبدأ في الكلام قبل أن يتحوّل إلى الجسد.

من جهة أخرى ورغم كون الفرنسية لغة – كما يزعم البعض تحمل صفة اللائكية – إلا أن البحث اللغوي الفيلولوجي يفند هذا الزّعم، ويثبت بالأدلة القاطعة بأنها لغة لا تزال تحتفظ بالكثير من جوهرها الديني، لنأخذ كلمة مثلا (contempler) ومعناها «التأمّل». هذه الكلمة في الأصل تتضمّن كلمة أخرى هي(Le temple)، التي تعني المعبد، مكان ممارسة طقوس العبادة..

والطّريف في موضوع دلالة الكلمات وتحوّلاتها العجيبة، ما يحدث حاليًا في كندا، حيث أن سكان هذا البلد الشّاسع، الذي يكاد يعادل في مساحته قارة أوروبا، يكرهون الرئيس الروسي بوتين(Poutine) كرها كبيرًا ويصفونه بالديكتاتور، الذي لا يختلف عن سابقيه من الحكام الدمويين في عهد الاتحاد السوفييتي، ومع ذلك.. وهنا موطن الطّرافة والعجب، أن أشهر طبق في كندا، يعشقه الكنديون إلى حدّ النّخاع ويعتبرونه طبقهم المفضل و«القومي»، هو عبارة عن بطاطس مقلية يوضع عليها صلصة لحم لذيذة.. اسم هذا الطّبق هو.. بوتين(Poutine)!.. فتأمّل.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

جائزة مقابل خيانة اللغة الوطنية

بتاريخ  30 جوان 1996، كانت قناة “TF1” الفرنسية بصدد نقل فعاليات الجائزة الفرنسية الكبرى لسباق …

هل التعريب في الجزائر استعمار جديد؟

هذا السّؤال الغريب في الحقيقة لم أطرحه أنا، بل هو استنتاج توصّل إليه الكاتب محمد …