الإثنين، 16 مايو 2022

حارس البراءة الضّائع

سارة عياشي

أكثر من 60 عاماً مرّت على صدور رواية “الحارس في حقل الشّوفان” للأميركي جيروم ديفيد سالينجر(1919-2010)، وماتزال الرّواية نفسها تجد، عاماً بعد الآخر، قراءًا جددا لها، خصوصا في العالم العربي.

“الحارس في حقل الشّوفان” لا تتجاوز مدّة أحداثها الثلاثة أيام. بطل الرّواية “هولدن كولفيلد”، مراهق في السّادسة عشر، يتعرّض للطّرد من الثّانوية بسبب رسوبه في المواد كلّها، عدا مادة اللغة الإنجليزية.. يخاف من مواجهة غضب والده عندما سيعلم بالخبر، وينزعج من تسببه في نوبة هستيريا لوالدته شديدة القلق.

بطل الرّواية يقرّر الفرار من المواجهة ليعيش حياة بسيطة حسب معاييره الذّاتية. بعد هروبه من المدرسة يقرر “هولدن” استكشاف مدينة نيويورك، يكشف الاختلاف بين ليلها ونهارها، ومن خلال جولاته اليومية سيتعمّق في شرائح مجتمعها، معتمدًا على شخصيات، كلّ واحدة منها تعكس فئة معينة من النّاس: ابتداءًا من سائقي التاكسي وصولا إلى الرّاهبات ومعهم المثقفين، مرورًا بالمثليين وبائعات الهوى ومن حولهم من قوّادين!

شخصية “هولدن” بطل الرواية، بسيطة ومعقدّة في آن، يظهر حينا كطفل ساذج بريء لا يفهم عالم الكبار. ليتحوّل مرّات أخرى إلى فيلسوف رزين يفهم كلّ ما يدور حوله ويحلّله ببراعة الفاهم لشخصيات النّاس.

يتخبّط هولدن بين مشاعره المتناقضة فيما بينها، يظهر للآخرين أنه يكره الجميع ولا يحبّ شيئا، إلا أنه ينكسر أحيانا ويرتبك أمام هذه المشاعر(مثلاً يرغب بشدّة في الحديث مع “جاين” إلا أنه يتراجع دائما مبررا ذلك بقناعة منه أن الوقت غير المناسب). ورغم أنه أكدّ خلال الرواية بأنه لا يأبه لأمر الأشخاص الذين ورد ذكرهم خلال سرده، ولا الأمكنة، إلى أنه ينهار في النهاية ليصارح القارئ بأنه يشتاق لكلّ اسم ذكره.

من يقرأ “الحارس في حقل الشّوفان” لابدّ أن يتذكّر رواية “مغامرات هاكلبيري فين” لمارك تواين. رغم الاختلافات العديدة بين البطلين المراهقين إلا أنهما يتقاسمان نظرة نفسها، مع احتقارهما لزيف مجتمعيهما والرّوح السّاخرة ذاتها والسّاخطة في آن. يشترك البطلان في أنهما يقرّران الهرب من واقعهم البائس ليعيشا وفقا لقوانينهما، وكلاهما يتحدّث بالطريقة الطفولية نفسها نوعا ما. هولدن مثلا يستمر في الرسوب وفي الانتقال من مدرسة إلى أخرى، فقط لأنه لا يستطيع أن يحتمل التواجد في مكان يملأه الزيف والمزيّفون.

غلاف الرواية

لعل أول فكرة تخطر ببال القارئ وهو يقرأ “الحارس في حقل الشّوفان”، أن الراوي طفل، وذلك بسبب مفرداته اللغوية وطريقة كلامه وتفكيره، إلا أنه سيفاجئ بعدها حين يكتشف أنه في السّادسة عشر من عمره، وستتواصل المفاجأت أكثر عندما يتبيّن للقارئ أن الفتى بارع في مادة الانجليزية بشهادة الجميع، ويقصده العديد من الطلبة لمساعدتهم في حلّ فروضهم فيها!

في الحقيقة هذا التناقض مقصود من طرف الكاتب. فرغم سنّ هولدن إلا أنه بقي محافظا على جانبه الطفولي البريء، وربما محافظته على صدقه الطفولي هو الذي أنقذه من الغرق في عالم الكبار، لهذا هو مختلف عن الآخرين.. فهولدن ينتصر للطفولة والنقاء، بالنسبة له الوحيدون الذين سلموا من هذا الوباء هم الأطفال، فهم الذين يتمتعون بمنطق سليم وشخصيات صريحة لا زيف فيها. لذا نجده يلجأ إلى روح شقيقه آلي في الأوقات الصّعبة، أو إلى أخته الصّغيرة “فيب” التي لا ينصاع لأحد غيرها.

وبناء على ذلك، فهو ينصب نفسه حاميا لهذه البراءة حتى لا تتلوث فيسرد حلمه عن حقل الشوفان ويمثّل ذلك الدور على مرتين في الواقع، الأولى في المدرسة عندما يجد كلمات نابية مكتوبة على الحائط، يستشيط غضبا، يمحوها ويرغب في توبيخ الفاعل. والمرّة الثانية حين يشعر بسعادة غامرة فقط بالجلوس ومشاهدة فيب مع بقية الأطفال وهم يستمتعون بركوب لعبة المرجيحة مرارا وتكرارا

تجذب رواية “الحارس في حقل الشّوفان” القارئ بأسلوبها السّهل والسّلس، وبلغة بسيطة يستولي فيها سجل العامة اللغوي على معظم صفحات الرواية حيث يكثر فيها الشتم واللعن، فتكون أحيانا ساخرة وأحيانا أخرى ساخطة. تجعل القارئ يعيش أحداث الرواية وتتحول الكلمات إلى مشاهد بصرية أمامه ليضحك ويحزن ويثور متعاطفا مع هولدن على حسب الموقف الذي هو فيه.

يصوّر هولدن حياة المراهقين بنجاح، فهو دائم الغضب والتذمّر إزاء كلّ شيء، يريد أن يأخذه الآخرون على محمل الجدّ، فيحاول باستمرار أن يبدو أكبر من سنّه، يدمن السّجائر ويعاقر الخمر ويكتشف عالم الجنس والنساء. وعبر هذا المراهق الثائر ينتقد سالنجر زيف مجتمعه، بدءا بزملاء هولدن الذين يمثلون المستقبل، وعائلته، وصولا إلى الأساتذة وباقي الغرباء الذين يلتقيهم خلال مغامرته هذه. ولعل أهم رسالة هنا هي عدم الاستسلام لهذا الواقع الصّادم، والطريقة الوحيدة لمكافحته هي الاستعانة بالبراءة والحفاظ عليها، ففيب هي الوحيدة التي تجعل هولدن يغيّر رأيه في الهروب ليقرر مواجهة ما سيحدث.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

آمال عمر تكتب: الشّيفرة

آمال عمر تكتب: الشّيفرة

تَتوقُ كُلُّ امرأةٍ إلى الزّواج بمَن يَنشُدُهُ القلبُ ويرضَاهُ لإنشاء أسرة تُحقّق فيها ومعها كَيانَها …

سلالم ترولار

سيرة العطب وصناعة الآلهة

محمد بوزيان يواصل سمير قسيمي مساره التّأسيسي لسردية لها هويتها المفتوحة برؤية تتجلّى بالاشتغال المستمر …