الأربعاء، 26 فبراير 2020

حول معاني الكلمات.. سوف لن تصدّق ما تقرأ!

رشيد فيلالي

عرفت الكلمات في جميع اللغات تطوّرات وتغيّرات دلالية قد تكون بدرجة أو بدرجتين وحتى بـ180 درجة !

أي أنها قد تتغيّر في مسارها التّاريخي وتتحوّل إلى نقيضها وعكس ما كانت تعنيه في لحظة ميلادها وابتكارها أوّل مرة.

كما أن هناك من الكلمات ما يدل في الأصل على معانٍ غريبة جدًا وطريفة ومثيرة للحيرة والتّساؤل، حيث يتعجّب القارئ حين يعلم ذلك، وقد يطرح السّؤال على نفسه: كيف أن هذه الكلمة أصلها الأول بهذا المعنى الذي هو غير معناها المعجمي الراهن؟ وما أسباب هذا التحول الجذري لتصبح تحمل وتتضمّن معنى آخر لا يمكن تصوّره ومعرفته سوى من طرف المختصين، وقد يكون بعيدًا كل البعد عن المعنى الأول؟!

طبعًا لكلّ هذه الأسئلة أجوبة تناولها العلماء المختصّون بالتّفصيل والتّدقيق في مؤلفات علم الدلالة والسيميولجية والفيلولوجية أو فقه اللغة وفي الإيتيمولوجية أو علم أصول الكلمات وغيرها من العلوم التي بلغت الآن شأوا كبيرًا، محقّقة تقدّمًا هائلا وإن كانت هذه العلوم جميعّا لم تقل كلمتها الفصل الأخيرة، وعليه لا يزال البحث عن حلّ الكثير من «الألغاز اللغوية» قائمًا لا يُعرف له جواب حاسم قاطع.

نعود الآن إلى موضوعنا ونبدأ بالتّعريف بأصول عدد من الكلمات وربما سنتطرق إلى كلمات أخرى مستقبلا كون «المعجم» الذي يستحق تناوله بالدّراسة في هذا الشّأن، من الكبر ما يقف الباحث أمامه حائرًا ربما لا يسعفه الجهد والوقت للبت في نسبة قليلة منه، ولاسيما أن الكلمات لا تتعلّق بالعربية منها فحسب، حيث يمتد الأمر إلى لغات أخرى دخلت العربية وعادة ما نتعامل بها أو نحتك بها في قراءتنا أو حتى في حياتنا اليومية..

غوريللا

من الكلمات التي نسمعها تتردّد في الأشرطة التلفزيونية المتعلّقة بالحيوانات وحياتها البرية نذكر اسم حيوان «الغوريلا»(Gorilla). إن هذا الاسم يعني كما يعلم الجميع نوعًا من القردة كبير الحجم يعيش في الكثير من الغابات الإفريقية وغيرها، هذه الكلمة اللاتينية الأصل تم اقتراضها من الإغريقية (Gorillai) التي تعني «قبيلة النساء ذوات الشّعر» أو بالمختصر «النّساء ذوات الشّعر».

الكلمات في جميع اللغات تطوّرات وتغيّرات

«البرلمان».. ولائم الثرثرة!

بالنسبة لكلمة «البرلمان»(Parlement)، هذه الكلمة الإنجليزية في الأصل كلمة مأخوذة من الفرنسية، وتعني بالمختصر.. «الكلام» أو «مكان الكلام» طبعا على طريقة البلدان المتخلّفة التي يشيع فيها مثل هذه المنابر الخاصّة بالكلام فقط والثّرثرة و.. النوم أيضا!

روبوت

وإذا انتقلنا إلى كلمة أخرى كثيرة الاستعمال وهي «الروبوت»(Robot)، نجد أنها في الأصل تعني «العامل» في اللغة التشيكية، وقد وردت في رواية مستقبلية من الخيال العلمي عام 1923 حول روبوهات تتحكّم في البشر وتجعل منها خادمة لها، وإلى حدّ الآن لم تتحقّق هذه النبوءة لحسنّ الحظّ، وإن كانت الآلات على غرار السّيارات والهواتف النقالة وغيرها صار الإنسان لها عبدا ويبذل من أجلها الغالي والنفيس.

سَلطة

هل يمكن تصوّر أن كلمة «سلطة»(Salad) هي في الأصل كلمة إيطالية و تعني «مالح» وكانت تطلق في الأصل على طبق مالح مشهور في منطقة ميلانو الإيطالية في القرن الخامس عشر،  قبل أن تتحوّل الكلمة وتصبح تعني ذلك الطّبق الذي نعرفه جميعا.

السيناتور «البرلماني»

الطّريف أن كلمة ذات بريستيج كبير مثل البرلماني «سيناتور»(Senator) مشتقّة من الأصل اللاتيني وتحديدا من كلمة (senex)، التي تعني المسن والمخرف! على عكس كلمة «المرشّح»(Candidate)، المشتقّّة من الكلمة اللاتينية (Candidus)، التي تعني اللامع والأبيض المشرق.. والفرق واضح لأن المترشّح للانتخابات البرلمانية وغيرها يعمل على تلميع نفسه قبل أن يستقر به الأمر على كرسي البرلمان ويشيخ ويخرف..!

«كيتشاب».. صلصة الطّماطم.. بلا طماطم!

لنعود إلى أطباق الأكل، ونختار كلمة «الكيتشاب»(Ketchup)، التي هي في الأصل تعتبر مثل السباقيتي والمعكرونة، اختراع صيني محض، وكانت الكيتشاب أو(ke-tsiap) حسب الأصل الصّيني، عبارة عن أكلة من السّمك بالتوابل، قبل أن تشيع في ماليزيا ويكتشفها المستعمرون الإنجليزي ويعجبون بها، وصار يطلق عليها باللغة الماليزية(Ketchup) وقد أضاف لها الماليزيون فيما بعد الطّماطم قبل أن تتحوّل إلى الصلصة المعروفة، علمًا أن انتشارها في العالم عرف تأخرًا كبيرًا، لسبب غريب كون طوال القرن الثامن عشر كان الأوروبيون يعتقدون بأن الطّماطم والباذنجان خضروات سامّة وقاتلة، وكما هو واضح لا علاقة بين صلصة الطّماطم والسّمك بالتّوابل، الذي تدل عليه التسمية الأصلية باللغة الصينية..

البسكويت والصّديق والبيض المقلي

ودائما نبقى في مسائل الأطعمة، هل نصدّق بأن كلمة بسكوت (Biscuit)، التي تعود إلى فرنسية القرون الوسطى تعني حرفيا «يطبخ مرتين»(Bis + cuit)!.. و الغريب في الأمر أن الكثير من الكلمات  التي تبدو لنا كلمة واحدة هي في الأصل مركّبة من كلمتين أو أكثر، ففي العربية كلمة أسمر هي في الأصل نحت من كلمتي «الأسود والأحمر» وقل القول نفسه على الكلمة الفرنسية (Copain)، التي تعني «رفيق الخبز» حيث أن (Con) في اللاتينية(والإيطالية والإسبانية..) تعني «مع» و(Pan) تعني الخبز.. ومن الكلمات المستعملة بكثرة في فرنسا وعندنا أيضا نحن الجزائريين كلمة Omlette)) التي تخصّ أكلة بالبيض، تعني في الأصل اللاتيني «lamella» أي (صفيحة رقيقة)..

المشمش والبرقوق والثّمر المبكّر

ومن العجيب أن بعض الكلمات محيّرة في أصولها، مثلا الكلمة الإنجليزية والفرنسية(Apricot) هذه الكلمة اختلف اللغويون في تحديد أصلها العربي، حيث ذكروا بأنها تعود إلى فترة حكم العرب للأندلس، وهي تعني ثمرة «البرقوق» لكن هناك من أرجعها إلى كلمة «ثمر مبكر»(early-ripe). ومهما كان الأمر فهذه الثمرة لها تسميتها العربية «المشمش» وقد تحوّلت تسمية البرقوق لثمرة أخرى مشابهة.

ارفع سلاحك. وحذار!

إذا تحوّلنا إلى جانب آخر، نذكر كلمة أخرى تستعمل الآن بكثرة في الحياة اليومية الأوروبية، ولاسيما في فرنسا وإنجليترا هذه الكلمة هي (Alarm)، التي كما نعلم تعني «إنذار من الخطر». لكن أصلها الإيطالي يعني حرفيا: احملوا أسلحتكم (All’arme!).. ومن الكلمات التي لها أصل يصبّ في هذا السّياق أيضا، الكلمة الإنجليزية «المال»(Money)، حيث أن هذه الكلمة مشتقّة من اللغة اللاتينية (moneta) وهي تعني.. احذر!.. وكأن هذا المعنى الأصلي يحذرنا من الإفراط في حبّ المال والانسياق خلف بريقه المخادع..

المشعوذ والجائزة

إذا حذرنا من المال فإننا نحذر أكثر من المشعوذين، وما أكثرهم في عصرنا الحالي، الذين يبيعون الوهم للنّاس عبر الكلمات المعسول، ولذلك فإن كلمة(Charlatan )الإنجليزية والفرنسية أصلها إسباني، وتعني حرفيا «الثرثرة»(charlar).. ومثلما ألمحنا أعلاه الكثير من الكلمات يعد في الأصل تركيبا أو نحتا من كلمتين، خذ مثلا كلمة (Dérive) الفرنسية مشتقة أيضا من كلمتين لاتينيتين تعنيان حرفيا(De Rivus) أي «من التّيار»، وقد يعجب القارئ حين يعلم بأن أصل كلمة «الجائزة» العربية جاء من فعل اجتاز النّهر، حيث كان القادة في الغزوات والحروب يمنحون هدية لكل من يجتاز النّهر إلى الضّفة الأخرى، فسميت تلك الهدية «جائزة».

الألماني صاحب البيت

ولأن الكلمات تحمل في الأصل طريقة تفكير المتكلّمين بها فإن اسم اللغة الألمانية (Deutsch) مشتقّ من الألمانية القديمة الفصحى(diutisc) التي تعني «لغة الشّعب» في مقابل اللغة اللاتينية المنتشرة بقوة في أوروبا لغة مشتركة(Lingua Franca)، وهناك من الباحثين من يؤكد على أن الكلمة أصلها من اللغة السيلتية، وهي تعني «الرجال المزعجون» أو «الجشعون»..

وفي هذا السياق نجد الكلمة الإسبانية(Hablar)، التي تعني التحدّث مشتقة من الأصل اللاتيني(Fabulare)، وتعني حرفيا الذي يقص الحكايات.. والكلمة الإنجليزية الزّوج (Husband) هي أيضا تتكوّن من كلمتين من أصل جرماني قديم وهي (hus) و((bunda وتعني «صاحب البيت» تمامًا كما في الدارجة الجزائرية حين تتحدّث الزوجة عن زوجها وتصفه بأنه «مول البيت» أيضا «صاحب البيت»..

الشّيطان المنير!

والمثير في بعض الكلمات معناها الأصلي المتناقض، مثلا كلمة «الشّيطان» الإنجليزية (Lucifer). هذه الكلمة تعني في أصلها اللاتيني «جالب الضّياء أو المنير» وهو معنى عكس تمامًا ما يعنيه الشّيطان، الذي اقترن اسمه غالبا بالظلام والعتمة.. من المتناقضات كذلك طالما أننا نتحدّث عن الظلام، كلمة الليل الألمانية(Nacht) تعني في الأصل «اليوم» لأن الجرمانيين كانوا يقيسون مدّة اليوم بدءًا من غروب الشّمس إلى غروبها الموالي..

عندما تتحول الفرصة إلى حادثة

هناك كلمة أخرى ذات أصل متناقض وهي (Occasion) في الفرنسية والإنجليزية، حيث تعني في دلالتها المعجمية فرصة لكن في الأصل هي تعني «حادثة خطيرة».. وفي تسمية الشّهور باللغات الأوروبية نجد شهور مثل أكتوبر ونوفمبر وديسمبر مرتبطين بالأرقام، «أوكتو» تعني ثمانية و«نوفو» تعني تسعة و«ديسي» تعني عشرة، لكن ما معنى كلمة (imber)؟! في الحقيقية هي تعني «المطر» كون تلك الشّهور مرتبطة بفصلي المطر وهما الخريف والشّتاء..

مركز أو خدمة الكنيسة؟

ولأن نسبة كبيرة من الكلمات التي تتكوّن منها اللغات الأوروبية يحيل إلى أصل ديني مسيحي ويهودي، فإن كلمة مثل(Office)التي تعني مقر مركز مكتب معناها الأصلي «خدمة الكنيسة» قبل أن يتغيّر معناها جذريًا..

التّنس.. اقبض جيدا!

هناك كلمة تطلق على رياضة شهيرة ولها شعبيتها الكبيرة اليوم، أقصد التّنس (Tennis) هذه الكلمة الفرنسية الأصل تعني (tenez) في صيغة جمع الاحترام (vous) وحاليا شاعت التّسمية بنطق الحرف الأخير سينا، ومن أشهر الدورات في العالم حاليا دورة «رولان غاروس» التي تحمل اسم طيّار فرنسي شهير في الحرب العالمية الأولى..

هل تعرف عين الريح؟

هناك كلمة أخرى لا تقلّ طرافة وهي يوطوبيا(Utopia)، هي في الأصل كلمة إغريقية تعني«اللامكان».. وكلمة(Window) الإنجليزية تعني في الأصل حرفيا «عين الريح».. فتأمّل.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

جائزة مقابل خيانة اللغة الوطنية

بتاريخ  30 جوان 1996، كانت قناة “TF1” الفرنسية بصدد نقل فعاليات الجائزة الفرنسية الكبرى لسباق …

هل التعريب في الجزائر استعمار جديد؟

هذا السّؤال الغريب في الحقيقة لم أطرحه أنا، بل هو استنتاج توصّل إليه الكاتب محمد …