الجمعة، 15 ديسمبر 2017

الحدّ الفاصل بين الأدب والبورنوغرافيا

صارت القراءة الأخلاقية في الأدب موضة

مع عودة الخطاب الدّيني، في السّنوات الأخيرة، صار الأدب يُواجه نوعاً جديداً من الأحكام، التي تقلّل من قيمته، وراح البعض يتحدّث عن«أخلقة» الأدب، في دعوة غير صريحة منهم نحو التّأسيس لأدب نظيف، أدب يستجيب للأخلاق العامّة، للسّلوكيات «الحميدة» وللقيّم التي تحدّدها الجماعة.

من جهته، الكاتب أيضاً صار يخشى ردّة فعل المتلقي، يُمارس رقابة ذاتية على نفسه، فيما يتعلق بالكتابة عن مشاهد إيروتيكية، تجنباً للانعكاسات السّلبية التي قد تصله من القارئ العربي.

كلّ توظيف للجنس في الأدب، أو وصف للمشاهد الجنسية، قد يدفع قارئا عربيا، مشبًعا بتنشئة دينية، للتّفكير في البورنوغرافيا، يُحيله إلى مشاهدات سابقة له، من فيديوهات أو أفلام، قد يربط بين مشهد قرأه في رواية و آخر شاهده في تلفاز أو على الكومبيوتر، وسينسى، في لحظة من اللحظات، أنه في مواجهة نصّ أدبي، متخيّل، ويذهب مباشرة نحو اتهام الكاتب بالبورنوغرافيا، مع أن الفرق بين البورنوغرافيا والأدب جدّ واسع.

الكاتب قد يقدّم نصاً إيروتيكيا، باعتباره جنساً أدبياً قديماً ومعروفاً في الأدب العربي، وليس يُمارس البورنوغرافيا، لكن مع قارئ عربي، يُأول أحياناً النصّ من منظور ديني صرف، قد يجد الكاتب نفسه مجبراً على ابتكار «إيروتيكية محجّبة» أو «إيروتيكية حلال» كي لا يخدش مشاعر بعض القراء المتدينين.

القارئ العربي الجديد، المتديّن في غالبيته، يُعاني مما يشبه «عسر هضم» تجاه النصّ الإيروتيكي، يرى فيه مساساً بأخلاقه ودينه وصفائه، وليس محاكاة للواقع، يعتقد أن الإيروتيكية مرادفة للبورنوغرافيا، متناسياً أنه وريث «ألف ليلة وليلة» والشّيخان السّيوطي والنّفزاوي، وأنه من مجتمع كتب كثيراً من النّصوص الإيروتيكية، التي كانت وماتزال تمثّل مرجعاً خارج العالم العربي الحالي.

مع غلبة البورنوغرافيا على الإيروتيكية، خصوصاً على الأنترنيت، وما تعيشه مجتمعاتنا من كبت جنسي، صارت القراءة الأخلاقية للنصّ الأدبي موضة، وهي تلغي بالضّرورة القراءة الجمالية له، تقلّل من شأن الكاتب، وتضعه أمام معايير قرائية لا علاقة لها بالنّقد الموضوعي.

ما يُمكن أن نطالعه اليوم من إيروتيكية في الأدب العربي، هو ليس سوى امتداداً، لتقليد أدبي عريق، ويمكن القول أن لا واحداً من الكتّاب المعاصرين تجاوز ما كتبه السّابقون في وصف الجسد أو الشّهوة، في مدحهما أو تحليلهما، ولم نصل – على غرار مجتمعات أخرى – إلى تأسيس أدب إيروتيكي عربي، مستقلّ في حدّ ذاته، فماتزال العثرة في شكل تلقي هذا الأدب، ومادام القارئ حريصاً على أخلاقه أكثر من حرصه على تذوّق أدب رفيع، ستبقى الإيروتيكية منطقة شفّافة، نحب النّظر إليها عن بعد، دون أن نقترب منها.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

حناشي وتاكفاريناس وعلاوة

تأمّل محند شريف حناشي نفسه مليًا في المرآة، مرّر يده اليمنى على قفاه. أعجب كثيراً …

محي الدّين عميمور وعثمان سعدي في باريس

كان محي الدّين عميمور يحمل مجلة فرنسية، يقرأ – على عجل – مقالاً لكمال داود …