الأربعاء، 16 أغسطس 2017

حقيقة قوم لوط في القرآن

فرحات عثمان
فرحات عثمان

قصص قوم لوط هي الأساس في الإدعاء الخاطئ بأن الإسلام حرّم المثلية، بينما لا تحريم لما هو في فطرة بعض البشر ومنتشرا في الطّبيعة حيث الجنس الأكثر انتشارًا هو الجنس الثّنائي الذي لا يفرق بين الذّكر والأنثى.

إن تجريم المثلية في الإسلام من استنباط الفقهاء لتأثّرهم بالتحريم الوارد في التوراة والإنجيل، وقد توصّلوا إلى ذلك بالقياس على الزّنا، ولا علاقة بين الإثنين.

وكان هذا القياس ضروريًا لوجوب حكم في الإسلام للتّحريم، بينما لا حكم في موضوع اللواط، بل مجرد قصص. ثم لم تكن هذه القصص متعلّقة ضرورة باللواط كما نبيّن هنا، لأن عقاب قوم لوط كان لتعاطيهم للحرابة، أي أنهم كانوا قطّاع طريق.

لنقل أولا كلمة في معنى الفاحشة الواردة في القصص.

الفاحشة، ما هي؟

الفاحشة، في اللغة العربية، هي كلّ ما تجاوز الحدّ والقدر في الأمور؛ فما قبح في القول والفعل مثلا فاحشة، وكذلك الكذب فاحشة والبخل أيضًا؛ إذن البخيل فاحش والكذّاب فاحش.

من هذا المعنى العام، جاء الفقهاء بالمعنى الخاصّ، وهو ما نهى الله عنه، بل هو ما عظم قبحه في القول والفعل. فلئن أطلقت الفاحشة عمومًا على الزنا في الفقه، فليس صحيحًا ولا مقبولا قصرها عليه. فكما قال الجرجاني: «الفاحشة هي كلّ ما يوجب الحدّ في الدنيا والعذاب في الآخرة».

لذا، وبما أنه لا حكم في اللواط أو المثلية، بما أنه لا حد إسلاميًا في الدنيا فيه ولا عذاب في الآخرة، فليست المثلية فاحشة. هذا هو موقف الإسلام الصّحيح، بالرغم من الاجتهاد الفقهي الذي، لئن صلح لزمنه، لم يعد مقبولا اليوم حيث يتوجّب العودة للدّين القيم والقطع مع الإسرائيليات.

ذلك لأن المثلية في العصور الغابرة كانت تُعتبر مخالفة للطّبيعة، وقد دام هذا طويلا بتأثير من العادات اليهودية والمسيحية، إلى حدّ أن المنظمة العالمية للصّحة لم ترفعها من قائمة الأمراض إلا في سنوات الثمانين من القرن الماضي.

أما وقد تغيّرت الأمور ودلّل العلم أن المثلية طبيعة عند البعض، فلا بدّ من العودة لموقف الإسلام الصّحيح في الغرض والكفّ عن تشويهه وظلم النّاس، إذ الإسلام عدل أو لا يكون.

قوم لوط لم يكونوا مثليين  

نعم، ورد ذكر المثلية في الآيات القرآنية المتعلّقة بقوم لوط؛ ولكن لم يكن ذلك يخصّ كلّ القوم، بل البعض فيهم، قلة قليلة كما هو الشأن في كلّ المجتمعات في كل العصور. فلو كانت المثلية عامّة في القوم، كيف تناسلوا وكيف أصبحوا قوما؟!

من المنطق والعقل إذن الإقرار بأن المثلية كانت في البعض من القوم لا كلّ القوم. وهنا لا بدّ من السّؤال: كيف يُعاقب الله القوم كلّهم لفعل بعضهم؟ أليس هذا يُخالف عدل الله الذي ليس بظلاّم للعبيد؟

الجواب المنطقي والتّاريخي هو أن قوم لوط كانوا يتعاطون الحرابة، أي قطع الطّريق؛ لهذه الجريمة عاقبهم الله، وهي بحقٍ فاحشة، لا لجنسٍ مثلي كان في البعض منهم.

لو كانت المثلية عامّة في قوم لوط.. كيف تناسلوا وكيف أصبحوا قوما؟
لو كانت المثلية عامّة في قوم لوط.. كيف تناسلوا وكيف أصبحوا قوما؟

أما السّبب الذي عمّم لأجله الله نعت اللواط على كلّ القوم، فذلك مرده هذه البلاغة العربية التي ميّزت القرآن. فكل أهل العربية يعلمون الصّفة البلاغية الكبرى في لغة الضّاد التي تقتضي نعت الشيء في مجمله بصفةٍ واحدة منه، من باب وصف الكلّ بالجزء. وبما أن العربية لغة القرآن، فقد خاطب الله القوم بما يفقهون.

لهذا عرّف القرآن قوم لوط بأنهم كانوا ممن يأتون الذكران واكتفى بذلك بينما كانت صفة في البعض منهم لا الكلّ كما قلنا.

هذه هي الحقيقة الثّابتة اليوم عند أهل اليهودية والمسيحية، وهم من ذكّر الله بقصصهم، أي أن قوم لوط كانوا من قطّاع الطّريق، أي امتهنوا الحرابة التي جاء الإسلام منددًا بها وأتى فيها بأشدّ العقاب في الآية 33 من سورة المائدة فقال: «إنما جزاء الذين يُحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يُقتّلوا أو يُصلّبوا أو تُُقطّع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو يُنفو من الأرض، ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم».

خلاصة القول أن الحقيقة التي لا مراء فيها إذن هي أن فعل قوم لوط الذي عوقبوا لأجله ليس اللواط – والكلمة غير موجودة  أساسًا في القرآن ولا في العربية القديمة – بل قطعهم للطريق وامتهانهم للحرابة. إنما كانت المثلية في بعض قوم لوط، أشار إليها الله في بلاغة عربيته المبينة لفحشها في تلك الحقبة من التاريخ، فعمّمها على كل القوم، وما كان فعلهم كلّهم ولا صفتهم الأساسية.

هكذا نرى أن عقاب الله، الذي نعتقده اليوم يتعلّق بفطرة بشرية لم يحرّمها الله، إنما خصّ الحرابة التي هي حقاً من أفحش الفواحش في كلّ الأزمنة؛ فهل أفظع من قطع السابلة والاعتداء على عابر السبيل؟!

مما يؤكد ما نقول هنا هو أن الدّول التي تقتل ظلمًا المثليين تعتبرهم ضمنيًا قطّاع سبيل إذ تستشهد في البيان المعلن عن تنفيذ العقوبة بالآية المذكورة أعلاه إضافة لحديثٍ غير صحيحٍ لم يذكره الشيخان.

وهذا يحملنا على التذكير أنه لا يوجد أي حديثٍ صحيحٍ في الغرض لا في البخاري ولا في مسلم؛ أما سائر ما في بقية الصّحاح فهو من المنحول، إذ لم يصح أي شيء عن الرسول الأكرم كما أكد ذلك جلّة من الفقهاء، كأبي حنيفة والشافعي في أصح روايتيه.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

جسد المرأة بين السّلطة والمال

سعاد زاهي في البداية وُلدتِ فتاة، حسناً، هذا أمر جيّد إلى حين، في مجتمع مازال …

سليمان مظهر

سليمان مظهر: من يدّعي أن سبب تخلّفنا هو الاستعمار، فإنه يجهل أوضاعنا الاجتماعية

حوار: زهور شنّوف سنة مرّت على الرّحيل المفجع للبروفيسور سليمان مظهر (1944-2016)، أستاذ علم النّفس …