الأربعاء، 21 أغسطس 2019

حروب اللغة وأسرارها المثيرة!

رشيد فيلالي

ليست اللغة مجرد كلام مرصوص يُراد منه إيصال أفكار معينة للآخر، لكن اللغة أعظم من ذلك بكثير ودورها أخطر مما نتصوّر!

وكلمة أخطر هنا لا تعني الجانب السّيئ والمدمّر فحسب، بقدر ما تعني أيضا تعدّد الحقول التي تنشط فيها اللغة وتمارس ضمنها تأثيراتها العميقة.

وتأسيسا على ما تقدّم اخترنا في هذه الوقفة الحديث عن أبعاد تميّز اللغة نراها في غاية الأهمية، كونها بمثابة خلفية إستراتيجية للغة(أي لغة)، وسنقدّم أمثلة ميدانية حيّة لدعم هذا الرأي.

وفي البداية يجدر بنا الإشارة أولاً إلى أن كلّ لغة هي كما قال ألبير كامي تعتبر«الوطن الروحي» للمتحدّثين بها، فهي تتضمّن أحاسيسهم وأفكارهم وتصوّراتهم ومعتقداتهم الدينية ورؤيتهم للوجود وفلسفتهم في الحياة أي أنها حاملة أسرارهم وجوهر شخصيتهم وهويتهم.

ومن هنا ندرك لماذا تحدث في بعض الحالات تصدعات غريبة وشاذّة تترجم توجهًا دينيًا أو سياسيًا أو إيديولوجيا لشعب من الشّعوب، وينعكس ذلك كله مباشرة على اللغة، إذ نجد كثيرًا من هذه الحالات تتكرّر في مناطق عدّة من العالم ويسهل تفسيرها للأسباب المذكورة آنفا.

على سبيل المثال، حالة الهند وباكستان اللتين يتحدّثان لغة واحد، ولأن باكستان ديانتها الإسلام والهند في الغالب الهندوسية، فقد انشطرت هذه اللغة الواحدة إلى لغتين مختلفتين من حيث الكتابة وحتى في توظيف الكثير من المفردات، إذ اللغة الباكستانية أو «الأوردو» تكتب الآن بالحروف العربية الفارسية من اليمين إلى اليسار، فيما ترجع الكتابة الهندية إلى السنسكريتية القديمة وتكتب من اليسار إلى اليمين، وكأن اللغة في كلا الحالتين تترجم الهوية الدينية والسياسية للأمتين المنفصلتين رغم كونهما في الأصل أمة واحدة..

ولنأخذ مثالا آخر وليكن هذه المرة من منطقة البلقان، حيث أدى انفصال يوغسلافية القديمة إلى دويلات عديدة من بينها كرواتيا وصربيا، وقد اختار الكرواتيون الكتابة بالحروف اللاتينية وهم يدينون بالكاثوليكية وتسمى لغتهم «الكرواتية – الصّربية»، فيما الصرب يدينون بالمذهب الأورذودوكسي (مثل الرّوس) ولذلك اختاروا الكتابة بالحروف السيريلية (التي تكتب بها اللغة الروسية) وصار اسم لغتهم «الصّربية – الكرواتية»!

وهناك مثال آخر ذكره رونالد ووردا(Ronald Wardhaugh) في كتابه الهامّ جدًا «مدخل إلى اللسانيات الاجتماعية»، حيث يذكر صفحة 38 وما بعدها، إن قضية اللغة التي يتحدّث بها سكان الألزاس الفرنسية التي رغم كونها فرعا من اللغة الألمانية، إلا أن الألزاسيين اختاروا عن قناعة وإصرار الانتماء إلى الهوية الفرنسية و«فرنسة» لغتهم، وهي حالة متفرّدة جدًا ضمن هذا المجال.

هناك أيضا حالة اللغة الألمانية والهولندية، وأي منهما تعتبر لهجة تفرّعت عن الأخرى، حيث الصّراع قائم بين الطّرفين حتى الآن بشكل محيّر، وربما حالة اللغات الاسكندينافية تبقى أغرب وأعجب بين الجميع، يقول مؤلف الكتاب السّالف الذكر، إن اللغتين الدنمركية والنرويجية (وهما صيغتان متنوعتان للغة واحدة) والسويدية، تعتبر ثلاثتهم لغات مختلفة فيما بينها، ولو كنت أيها القارئ تتحدّث هذه اللغات الثلاث سوف تدرك بسرعة درجة الاختلاف المحدود والبسيط بينها، فاللغتان الدنمركية والنرويجية تشتركان في العديد من الكلمات، غير أن هناك اختلافًا كبيرًا من ناحية نطق هذه الكلمات، وفي المقابل هناك اختلاف كبير في الكلمات بين السويدية والنرويجية لكن هناك توافقًا تامًا من حيث النّطق.

اللغة الألمانية والهولندية، أي منهما تعتبر لهجة تفرّعت عن الأخرى؟

ويزعم السويديون والدنمركيون بأنهما يفهمان جيدًا النرويجية، لكن الدنمركيين يزعمون بأنهم يفهمون النرويجيين أفضل من فهم النرويجيين للغة الدنمركية، وعليه فإن أقل فهم يتم بين الدنمركيين والسويديين، وأفضل نسبة فهم تتم بين السويديين والنرويجيين، وفي الحقيقة أن سرّ التفاهم بين هؤلاء وأولئك والعكس أيضا، له تعليل واحد هو مدى علاقة القوة والسيطرة التي تربط بين الأطراف الثلاثة المذكورة، إذ أن الدنمركيين احتلوا لفترة طويلة النرويجيين، والسويد في الوقت الحاضر صارت الأكثر تأثيرًا في المنطقة، في حين الدنمرك توجد الآن في وضعية أضعف من الاثنين وهي بالتالي أقل حظوة ونفوذا والأكثر تهميشا.

هناك مثال آخر جيّد ساقه مؤلف كتاب «مدخل إلى اللسانيات الاجتماعية» ويتعلّق باللغتين التايوانية واللاوية، فسكان لاوس يفهمون جيّدًا التايوانية ويستمعون للراديو ويتابعون التلفزيون التايلاندي وحتى المتعلّمون منهم يكتبون بها، في حين أن التايلانديين لا يفهمون اللاوية التي تعدّ أقلّ شأنًا من التايلاندية الأكثر «بريستيجا» في المنطقة

وفي الحقيقة ثمّة أمثلة أخرى عديدة في هذا الشّأن يمكن أن نضيفها لولا خشية الإطالة، غير أن ما يهمنا بعد الأمثلة التي قدمناها هو أن اللغات ليست مجرد وسيلة تواصل «بريئة» و«حيادية» مثلما يتصوّر الكثير من السّذج، بل هي قبل أن تكون هوية ثقافية وعلامة انتماء، تعدّ سلاح حرب وهيمنة وقوة اقتصادية وآلية نفوذ و تأثير استراتيجي كاسح، وعليه فإننا لا نتعجّب بعدها حين نجد بأن القوى العظمى في هذا العالم، تتبادل صراعًا خفيًا شرسًا وأحيانًا معلنًا لفرض هيمنتها اللغوية لكي يسهل عليها كل شيء فيما بعد.. فتأمّل.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

جائزة مقابل خيانة اللغة الوطنية

بتاريخ  30 جوان 1996، كانت قناة “TF1” الفرنسية بصدد نقل فعاليات الجائزة الفرنسية الكبرى لسباق …

هل التعريب في الجزائر استعمار جديد؟

هذا السّؤال الغريب في الحقيقة لم أطرحه أنا، بل هو استنتاج توصّل إليه الكاتب محمد …