الجمعة، 15 ديسمبر 2017

رشيد بوجدرة: نْدير كيما يدير في البحر العوّام

رشيد بوجدرة

كان رشيد بوجدرة يتحدّث بنبرة هادئة، يضع يده اليمنى على الطّاولة ويُداعب بيده اليسرى لحيته التي لم يحلقها من أسبوع.

  • لقد وعدني. مستحيل أن يعود في كلامه!

وصديقه البرلماني ميلود، المستشار السّابق في وزارة الثّقافة، والذي كان مقرّباً من خليدة تومي، يستمع إليه باهتمام.

  • عزالدين ميهوبي يكنّ لك الاحترام، ولكن في المسائل المهنية الأمر ليس بيده وحده. قال ميلود.
  • سنذهب معاً، الشّهر القادم، إلى عين البيضاء، ونلتقي الوالي، ثم نحدّد موعداً رسمياً لتحويل بيتي القديم إلى متحف. وبعدها نُرسل دعوات للصّحافة للحضور.
  • أتمنّى أن لا يخيب ظنّك!

وقف أمامهما النّادل، بملامح صامتة، وسألهما سريعاً بفرنسية مرتبكة، إن كانا يريدا تحلية بعدما أتمّا عشاءهما.

  • أريد كوب شاي أخضر فقط. طلب رشيد.
  • كأس ويسكي آخر من فضلك. قال ميلود.

كان بوجدرة متحمساً للمشروع، الذي اقترحه عليه وزير الثّقافة، بتحويل بيته القديم إلى متحف، وقد صرّح لجريدة محلية بالموضوع، كي يضعه أمام الأمر الواقع. وميلود لا يهمّه سوى أن يُوافق بوجدرة على دعمه في حملته الانتخابية للتّرشح ثانية للبرلمان، وتزكيته لترأس قائمة الحزب الكبير، وقد وعده ميلود بأن يُساعده، بعد الانتخابات، في إعادة طبع رواياته مجدداً عن شركة نشر عمومية، على أن تدفع له مستحقاته المالية كاملة.

  • خليدة تومي وعدتك، في السّابق، بإنجاز فيلم عنك، لكنها لم تف بوعدها! علّق ميلود.
  • وأين هي اليوم؟! لقد كنت سبباً في طردها من منصبها! وقد ندمت على ما فعلته معي!
  • على الأقل منحتك 50 مليون سنتيم، مع كتّاب آخرين عام 2007!

نظر إليه بوجدرة، دون أن يعلّق، وعاد لارتشاف الشّاي الأخضر.

ميلود يعرف أن وعود ميهوبي لبوجدرة ليست سوى محاولة منه لكسب ودّه، لكن بوجدرة يعتقد العكس.

  • باعتقادي أن ميهوبي يفضّل واسيني ومستغانمي عنك! قرأت حواراً له في الأهرام المصرية وهو يتحدّث عنهما بحبّ! علّق ميلود ساخراً وهو يرفع كأس الويسكي.
  • أبداً. أنا أكبر كاتب في الجزائر. واسيني روائي متوسط وأحلام مستغانمي ستزول مع السّنوات!

وصلت بوجدرة رسالة قصيرة من يوسف شقرة، يسأله فيها تأكيد حضوره لملتقى سيُعقد، بعد يومين، في المكتبة الوطنية.

ردّ عليه بوجدرة بكلمة واحدة: «سأحضر!». ونظر إلى ميلود قائلاً:

  • هذا الشّاعر المسكين يُريد أن يصير كبيراً بالمهرجانات والوعدات!
  • لقد شاهدته من فترة قريبة، وهو يخرج صباحاً، من مقر اتّحاد الكتّاب، بلباس نوم، مع شاعر آخر نائب له. هل صار مقر الاتّحاد مرقداً للعابرين؟
  • ربما، من هبّ ودبّ يدخل اتّحاد الكتّاب ويصير كاتباً. علقّ بوجدرة.

كان المطعم الذي يجلسان فيه صامتاً، فغالبية زبائنه من رجال أعمال، أو من مدراء جرائد، أو مسؤولين سامين. كان يجلس، في طاولة قريبة منهما، مدير قناة «الوداد»، القيّادي السّابق في حزب إسلامي. لمحه بوجدرة حين دخوله، لكنه سرعان ما تجاهله. حين سأله ميلود عن السّبب، أجاب:

  • ولا مرّة دعاني إلى قناته!

بعدما أتّم ميلود كأس الويسكي الأخير، وفرغ بوجدرة من كوب الشّاي، وقفا من طاولتهما. طلب ميلود الحساب للدّفع، وفجأة شاهدا خليدة تومي وهي تدخل المطعم.

لقد تغيّرت ملامحها كثيراً. أطالت شعرها قليلا، وصبغته بالأسود، وغيّرت نظاراتها الطّبية إلى ماركة إيطالية. كانت تلبس سروالا أسود، وجاكيت بلون أزرق داكن.

وقع نظرها على بوجدرة وميلود، وتوجّهت إليهما مباشرة، وقبل أن تصل فتح بوجدرة لها ذراعيه، وراح يُعانقها.

  • أهلاً صديقتي. أهلا، أهلا. كيف حالك؟
  • بخير. وأنت؟.. هذي غيبة يا سيدي!

ثم صافحت ميلود ببرودة، وبالكاد نظرت إليه وهي تُصافحه. ثم عادت للحديث مع بوجدرة.

  • صرت لا تتصل بي كما في السّابق!
  • كنت في سفر إلى المغرب. ومع بعض المشاكل الإدارية والتزامات، ثم سافرت إلى الصّين لشهر كامل، بعد ترجمة روايتي إلى الصّينية.
  • مليح، مليح، علّقت خليدة. ثم أضافت: «وكيف حال صديقك الوزير الشّاعر».
  • ليس بخير! هو في مشاكل كثيرة. إضرابات في المسرح، وفي مدرسة الفنون الجميلة، وشكوك حول مشاريع أفلام لم تنجز، وعن علاقته مع قريب له عيّنه مديراً لمتحف وطني!..
  • آه يا بابا، الوزارة صعيبة. قاطعته خليدة.
  • فعلاً، يعتقدون أن الأمر سهل. لقد كان لك فضل كبير في تسيير القطاع، وفي تحقيق منجزات كثيرة. قال بوجدرة.
  • كنت أنوي أن أقوم بأشياء أكثر لو أنني بقيت في منصبي.
  • تمنيت بقاءك. لك شخصية قوية على مواجهة المشاكل.

كان ميلود يستمع للحوارية، وللمحبة المفاجئة التي يظهرها بوجدرة لخليدة تومي، بعدما كان ينتقدها بشدّة، في طاولة العشاء.

  • أنا نخليك. عندي موعد مع صديق حميم. قالت خليدة تومي لبوجدرة، الذي قبّلها على خديها، قبل أن ينصرف.

عند الخروج من المطعم، سأل ميلود:

  • يبدو أن خليدة صارت تحترمك!
  • أبداً. لا أُطيقها. أجاب بوجدرة. وطلب منه أن ينقله بسيارته، إلى مطعم في شارع ديدوش مراد، حيث كان في انتظاره مسؤول في المسرح، لتسوية مستحقات نصّ له سيقتبس قريباً على الخشبة.

ملاحظة: أيّ تشابه بين الشّخصيات مع أشخاص حقيقيين هو مجرد صدفة.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

حناشي وتاكفاريناس وعلاوة

تأمّل محند شريف حناشي نفسه مليًا في المرآة، مرّر يده اليمنى على قفاه. أعجب كثيراً …

محي الدّين عميمور وعثمان سعدي في باريس

كان محي الدّين عميمور يحمل مجلة فرنسية، يقرأ – على عجل – مقالاً لكمال داود …