الخميس، 27 فبراير 2020

وباء الهوية أو العنصرية اللغوية!

رشيد فيلالي

لا يغرب عن البال أن العنصرية اللغوية، وهي عبارة عن وباء يُصيب كلّ الهويات دون استثناء، لا يقتصر وجودها على البلدان المتخلفة فقط.

إذ على النّقيض من ذلك، فهي تضرب بقوة وشراسة خاصة في البلدان الأكثر تحضرًا وتقدمًا، وهذه من المفارقات العجيبة التي تستوجب النظر والتأمل العميق يقول الكاتب الفرنسي جون مارك بيلي متسائلا في دهشة: «هل نصدق مثلا أن بلدًا جميلا وناجحًا ويعيش رفاهية واستقرارًا سياسيًا واقتصاديًا مثل فنلندا، يعرف صراعًا وتمزقًا لغويًا مهددًا لتماسكه الاجتماعي!».

وقد يفضي هذا الصّراع إلى نتائج وخيمة مستقبلا، في حالة طبعا لم يجد مسؤولوه حلا جذريًا حاسما للمسألة اللغوية بهذا البلد الملّقب بالجنة الأرضية.

ويتابع بالقول: «إن فنلندا بها لغتان رسميتان هي الفنلندية والسويدية، وفي هذا الصّدد ثمّة عداء عنصري كبير معلن ومتنام من طرف المتحدثين باللغة الفنلندية تجاه اللغات الأخرى، خاصة المتحدّثين باللغة السويدية، الذين صاروا يخشون التحدّث بها في الأماكن العامة، ويفضّلون عوضا عن ذلك تجنبا لإثارة المشاكل، استعمال الفنلندية أو الإنجليزية!».

ومن دون شكّ أن لمثل هذا النّوع من العنصرية اللغوية جذوره وامتداداته التّاريخية القديمة في أوروبا على وجه الخصوص، إذ حسب البروفيسور إيزودورو بليكستين من جامعة ساو باولو البرازيلية (انظر دراسته: العنصرية اللغوية)أنه منذ اكتشاف الدبلوماسي الإنجليزي وليام جونز عام  1786 لتلك العلاقة التاريخية التي تربط اللغة الهندية السنسكريتية واللغات الأوروبية والتي أدّت فيما بعد إلى نشأة الدّراسات التاريخية المقارنة في اللغات، والبحث جار على قدم وساق لمعرفة اللغة الأم لتلك الشّعوب التي أطلق عليها فيما بعد تسمية إجرائية هي «الهندو أوروبية» والتي يعتقد بأنها أصل اللغات جميعا وأسماها أيضا، والمقصود طبعا لغة «الجنس الآري» وكلمة(aryas) ذات الأصل السنسكريتي تعني «النّبيل والسّيد»(شاه إيران سمى بلده ابتداءً من عام 1935 «إيران» من هذا المنطلق العنصري، مستغنيا عن تسمية بلاد فارس!).

العنصرية اللغوية تضرب بقوة في البلدان الأكثر تحضرًا

وقد بدأ الهوس من ثمة بالجنس النّقي واللغة الأم الأصلية(Ursprache)بشكل جنوني في ألمانيا على وجه الخصوص، قبل أن تنتقل العدوى إلى بلدان أخرى، وكان عددا من الباحثين اللغويين يشجّعون انتشار خرافة اللغة الألمانية وقبلها اللغة اللاتينية والإغريقية والسنسكريتية على أنها اللغات الأكثر نقاء وسموا واكتمالا ويتحدث بها شعوب بمثل هذه المواصفات، مقارنة باللغات السّامية الأحطّ شأنا!

وفي الحقيقة كانت هناك إرهاصات في الثّقافة الألمانية حول هذا الانحراف الفكري الخطير برزت في قرون سابقة، ألم يقل لوثر – مثلا – الذي وضع قواعد اللغة الألمانية بترجمته للكتّاب المقدّس، بأنه يسمع ويخاطب الله باللغة الألمانية ولا يمكن أن يحصل ذلك باللغات اللاتينية ولا الإغريقية ولا العبرية!

وبعده بقرون يأتي مواطنه «غريم» ويبدع مصطلح «الرايخ» الذي يعني المملكة أو الإمبراطورية وفق تلك النّزعة النخبوية المتعالية، ثم بعده وتحديدًَا في القرن العشرين يطلع فيلسوف عملاق مثل مارتين هايدغر ليصرح في حوار مع مجلة «دير شبيغل» عام 1966 حول عظمة اللغة الألمانية، حيث يؤكّد بكلّ راحة بال أنه: «يتصور وجود علاقة تربط اللغة الألمانية بلغة الإغريق وفكرهم، وقد أكدّ لي ذلك الفرنسيون الذين يتكلمون وحين يفكرون يتحدثون باللغة الألمانية»! (نشر الحوار في Mercure de France عام 1968).

و..طبعا الحديث يتشعّب ويطول في هذا المجال الملغم، حيث كلّ شعب يزعم بأن لغته هي الأفضل والأصل وما دونها شاذّ ومتخلّف ومعقّد وتافه، وغيرها من الأوصاف والنعوت العنصرية التي تعكس انتماءات إيديولوجية مريضة وأصحابها مهووسون بذاتهم، ولاسيما وقد أثبتت البحوث العلمية الحيادية والجادّة أن كلّ اللغات دون استثناء متساوية من حيث القيمة، ولا فرق بين لغة وأخرى سوى في نواح تقنية لا أكثر ولا أقل، حيث بعض اللغات أعقد نسبيا من أخرى، إذ على سبيل المثال لكي تعرف اللغة الألمانية تحتاج إلى 2000 ساعة تعلم والإنجليزية 1500 ساعة تعلم والإيطالية 1000 ساعة تعلم و.. الإسبيرانتو 250 ساعة تعلم!

وكل هذا لا يعني بأي شكل من الأشكال أن هذه اللغة أو تلك أفضل من الأخرى، كونها جميعا من الناحية العلمية كما قلنا سواسية وبنفس القيمة.. فتأمّل.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

جائزة مقابل خيانة اللغة الوطنية

بتاريخ  30 جوان 1996، كانت قناة “TF1” الفرنسية بصدد نقل فعاليات الجائزة الفرنسية الكبرى لسباق …

هل التعريب في الجزائر استعمار جديد؟

هذا السّؤال الغريب في الحقيقة لم أطرحه أنا، بل هو استنتاج توصّل إليه الكاتب محمد …