الثلاثاء، 24 أكتوبر 2017

البغاء في الإسلام.. حرية من الحريات؟!

فرحات عثمان

قناعتي، وهذا ما أدلّل عليه في مقالاتي، هو أن الإسلام دين الحقوق والحريات، وذاك هو العدل، بما أنه دينه.

إلا أن أهل الإسلام اليوم جهلوا ما كان معروفاً ومقبولا سابقاً، مشوّهين بذلك الإسلام باسم المحافظة عليه؛ مما أدى إلى المغالاة في التّزمت الذي استفحل خاصة بعد غروب الحضارة الإسلامية.

من هذه الحريات البشرية التي عرفها الإسلام وأقرّها حرية البغاء فيه، فلا تحريم ولا تجريم له في دين الحنيفية السّمحة.

البغاء في المجتمعات المغاربية

إن تعاطي البغاء في المجتمعات الإسلامية ليس ظاهرة جديدة وليس تصرفًا غريبًا عن الإسلام وعن العقلية المسلمة؛ فلقد عُرف قبل وبعد الإسلام.

أما قبله، فكان تمامًا على ما نراه اليوم في المجتمعات الغربية إذ عرفنا في الجاهلية ما كان يسمّى بأصحاب الرايات، وهن البغايا اللاتي كنّ يقبلن الحريف ببيتهن فيعلمن على أنهم بغايا بوضع راية على البيت.

طبعًا، تجرّم القوانين الوضعية الحالية تعاطي البغاء وهي تدّعي لذلك المرجعية الدينية، بينما لا مرجعية لها، لأن الإسلام لا يحرّم البغاء كما نبينه.

إن منشأ كلّ هذه القوانين العادات اليهودية والمسيحية التي أدخلها الاحتلال الفرنسي إبان تواجده ببلاد المغرب الأمازيغي العربي.

منع تعاطي البغاء ببلاد المغرب إذن هو اليوم التكريس للاحتلال الفرنسي لعقولنا وتصرّفاتنا وأخلاقنا سواء كانت إسلامية، عربية أو أمازيغية، إذ أرض المغرب هي أرض الحريات؛ وكذالك كان الإسلام.

الإسلام لم يحلّل البغاء ولم يحرّمه

البغاء في الإسلام

من الثّابت عند الفقهاء المسلمين أن التّحريم لا يكون إلا بحكم، فإذا انعدم الحكم، انعدم التحريم؛ ولا تحريم للبغاء في القرآن. فكل ما فيه هو الحثّ على عدم الإكراه عليه، مما يعني طبعًا أنه حلال لا حرام، لأن الحلية تبقى الأساس والتحريم الاستثناء في الدّين القيّم.

لنقرأ ما نجد في الغرض في محكم الكتاب، وهي الآية 33 من سورة النّور: «وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ».

هكذا نرى أن البغاء معترف به كحرية لا بدّ من تعاطيها كذلك، أي بدون أي إجبار أو إكراه. أما التّحريم الذي عليه الفقه الحالي وسائر القوانين الإسلامية، فهو من التأويل البشري الذي فرض نفسه عبر التاريخ؛ فهل التأويل أزلي حتى لا نغيره؟ بالطبع لا!

لذا، نقول أن مثل هذا التأويل انتهت صلاحيته ولا بدّ من الاجتهاد فيه حسب ما يقتضيه الدّين الصّحيح.

ولنلاحظ هنا أن لفظ التحصّن الوارد في الآية يميّز بين الحرّة والأمة؛ وسنعود لاحقا لمعناه.

لنذكر فقط الآن ما في اجتهاد حملة العلم المسلمين من التأثر البالغ بالعقلية اليهودية والمسيحية، بما أن معظمهم كانوا من الموالي، كما بيّن ذلك ابن خلدون. لذلك، ليس من الغريب أن يكون متخيّلهم ولاوعيهم مفعمان بما بالإسرائيليات. إذ البغاء مما حرّمه الكتاب المقدّس، خاصّة في عهده القديم، أي اليهودية.

خلاصة القول، وفي أقصى الحالات، إن النّزاهة تقتضي في هذا الموضوع القول أن الإسلام إن لم يحلّل البغاء بصريح العبارة، فهو لم يحرّمه بنصّ خلافا لقاعدة التحريم، بل أكد على الحرية في تعاطيه. وهذا، منطقيا، يحتم بأنه غير حرام.

إن كلّ ما لم يُمنع حلال، فكيف بما لم يُمنع مع الحثّ على عدم الإكراه فيه؟ هذا ما يفرضه العقل في أبسط تجلياته، والإسلام دين العقل والمنطق إضافة للعقل وكلمة السّواء التي لا بدّ من قولها.

لنضف، أخيرا، أن الأخذ بمقاصد الشّريعة، التي لا بدّ من العودة إليها لتأويل آي القرآن، تفرض هذا الاجتهاد لمطابقته قاعدة التّدرج في الإسلام، تمامًا كما كان الحال في أمر الرقّ. وهو هنا من باب تعميم الحقّ في حرية البغاء لكل الفتيات إن شئن بينما لم يكن مسموحًا لغير المحصنات في زمن الرسول الأكرم.

البغاء، حق العبد على جسده! 

لعل بعضهم يقول أن هذه الحرية اعترف بها الإسلام للإماء. وهذا من الخور لأن الإسلام أعلى من قيمة المرأة وسوّى بين كلّ عباد الله؛ لذا لا يمكن عدم القبول بحرية اعترف بها للأمة وقد تساوت النّساء كلهن. فلا مجال للفرز اليوم بين امرأة وأخرى، فنقبل بالحرية لواحدة ولا لغيرها.

ومن المفيد الآن الإشارة إلى أن تعبير الإحصان أو الحصانة الذي ورد في الآية المذكورة لا يعني فقط العفّة، بل يطلق على عدّة معانٍ: العفة طبعًا (كما في الآية السّابقة الذكر والآية 23 من سورة النّور) والزّواج (كما في الآية 24 من سورة النّساء)، ولكن أيضا الحرية ( كما في الآية 25 من سورة النّساء).

هذا، ومن الملاحظ أن التّعبير، إن استعمل بالسّواء للمرأة المتزوّجة والمرأة العفيفة، فهو يُشير للعفيفة خاصّة إذا قلنا محصنة بفتح الصّاد أو كسرها؛ أما إذا استعملنا الحرف بفتح الصّاد، فلا يهم الإحصان عندها إلا المرأة المتزوّجة (كما هو الحال في الآية 24 من سورة النّساء).

لنختم بالقول أن البغاء، لغة، هو وصف مختصّ بالمرأة ولا يُقال للرجل، فهو إذن زنى المرأة لا الرّجل، كان ذلك منها عن إكراه أو غير إكراه. فالفرق مع الزنى هو أن هذا الأخير يأتيه الرجل أو المرأة على حدّ السواء.

لذلك، فالاعتراف بحقّ البغاء في الإسلام هو من باب الاعتراف برفع قيمة المرأة في الإسلام. ثم هو أيضا وخاصّة هذا الاعتراف من ديننا بحقّ العبد على جسده والتصرّف فيه بحرية، لأن الإنسان في دين الإسلام له تمام الحرية في ما يخصّ ذاته، لأنه بتسليمه لله وحده لا يفعل ذلك إلا لحريته التامّة في كلّ شيء، خاصّة في جسده وروحه.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

كمال داود: الهوية هي ما نصنع واللغة هي ما يجمعنا

كمال داود يجعل من الكتابة سبباً في البقاء وفي مواجهة الموت. في روايته الأخيرة «زبور …

هنري علاق: الرجل الذي طرح سؤال التعذيب

“أجمل اعتبار تقوم به الدولة الفرنسية لهنري علاق هو أن تعترف رسميا بممارسة التعذيب في …