الجمعة، 25 يونيو 2021

محي الدّين عميمور وعثمان سعدي في باريس

محي الدّين عميمور

كان محي الدّين عميمور يحمل مجلة فرنسية، يقرأ – على عجل – مقالاً لكمال داود وهو يردّد في نفسه: «أولاد اﻟ.. كبروا ولاّو يفهمو!»..

خرج من ميترو سان ميشال وجلس في مقهى «لوديبار». لم يكن المقهى مزدحماً تلك الظّهيرة.

شاهد قبالته شابة ثلاثينية شقراء، تدخن سجائر أميركية في صمت. طلب فنجان شاي أخضر من النّادلة السّمراء، فكّر أنها من هايتي أو من جزر موريس، أخرج سيجارة «مارلبور» من سترته، وتظاهر بنسيان الولاعة. تقدّم نحو الشّقراء وأشعلت له سيجارته دون أن تنطق بكلمة.

  • ميرسي. قال لها. لكنها كانت تنظر في اتّجاه مُعاكس، ولم تردّ عليه.

عاد إلى مقعده، وراح، للحظات، يتذكّر جلساته، في المقهى نفسه مع أصدقاء قدامى له: أحمد طالب الإبراهيمي، الذي كان يُرافقه في كتابة خطابات الشّاذلي بن جديد، حمراوي حبيب شوقي، سفير عراقي سابق، وغيرهم..

قطعت تفكيره مراهقة في أوائل العشرينيات من العمر، كانت تمرّ أمام المقهى وهي تلبس سروال جينز ضيّق وحذاء كعب عالٍ، تمشي ببطء وهي تتحدّث في الهاتف. ظلّ يُراقب خطواتها  واهتزازات خصرها وهو يتمتم: «غزالة.. والله غزالة!»، ولم ينتبه إلى أن الشّابة الثّلاثينية كانت تُغادر مكانها في المقهى. حين أدار بصره وأدرك أنها غادرت، ندم على أنه لم يتحدّث معها كفاية، ولم يُحاول أن يدعوها لشرب فنجان معه!

عاد إلى مقال كمال داود، وقرأ: «ألبير كامو كان يكتب بروح جزائرية». علّق بصوت مسموع: «روح تقوّد أنت وكامو تاعك!». وتذكّر أنه حين كان في سنّ كمال داود كان لا يجرؤ على نقد الوضع العامّ سوى خلف اسمه المستعار: «م.دين».

سحب موبايله من جيب معطفه الأسود، واتّصل بعثمان سعدي.. سأله بفرنسية، كي لا يُثير انتباه زبائن المقهى:

  • أهلاً ميسيو عثمان، أين أنت؟ هل أنت قريب من سان ميشال؟
  • صحيت الرّايس، أنا في الطّريق. لقد تأخّر سائق السّفارة في الوصول إلى البيت في ضاحية فيروفلي.
  • لا مشكلة. أنا في انتظارك في المقهى.

تصفّح حسابه على الفايسبوك من الموبايل. علّق على صورة لصديقته نبيلة، وهي تقف أمام مقام الشّهيد: «إطلالة بهية نبيلة». صادف منشوراً لوليد حمّو، وهو أستاذ جامعي، كتب فيه: «إسماعيل ملنانة يُغازل (العلمانويين) ويستهزأ بالعربية والإسلام»، فعلّق: «من يكون هذا ملنانة؟»، وجاءه الردّ سريعاً من وليد: «استاذ جامعي، الفلسفة أفسدت عقله. كان من أيام يسخر من رسالتك لقناة النّهار عن تغطيتها الإعلامية لحفرة بن عكنون». استغفر الله! وأجابه: «لقد وجهت رسالة تهنئة مكتوبة للنّهار على حسن تغطية صحفييها لحادثة بن عكنون، بغض النّظر عن اختلافي مع القناة، فهذا واجبي كمثقف وكمواطن». ثم عاد إلى تتبّع خطوات المارّات، وتصوير بعضهن خفيّة. فقد تعوّد، من سنوات، على تصوير الحسناوات في الشّارع، لتصفّح أجسادهن الممشوقة، حين يكون وحيداً.

بعد نصف ساعة، وصل عثمان سعدي، ببذلة بنيّة، مع ربطة عنق زرقاء. لكن عميمور لم يقم من مقعده لتحيّته، كان مستغرقاً في النّظر إلى سائحة صينية وهي تلتقط صوراً للمكان.

جلس عثمان، وطلب من النّادلة، بصوت مبحوح بسبب نزلة برد مفاجئة، عصير ليمون، وخاطبه محي الدّين دون مقدمات، بفرنسية فصيحة:

  • الصّينيون في كلّ مكان! تعتقد أن تلك الصّينية الشّابة تتكلّم الفرنسية؟
  • لِم لا! مع أنه من الأنسب لها أن تتكلّم الإنجليزية، فالفرنسية ليست سوى صنعة لغوية حديثة. ردّ عليه بفرنسية.
  • معك حقّ!الفرنسية لغة سانت آرنو وبيجار ولاكوست، التي كان مولود قاسم رحمه الله يردد بأنها أصبحت لغة متخلّفة.
  • أنت تعرف أن الفرنسية ليست لغة الفرنسيين، لقد فُرضت عليهم.

كان موبايل عثمان سعدي يستقبل، من حين لآخر، رسائل «أس.أم.أس». كانت صحافية شابّة، مُراسلة لفضائية عربية، من باريس، تُحاول إقناعه بحوار عن العروبة والأمازيغية في الجزائر.

  • لو كنت مكانك، لأجريت معها الحوار. قال عميمور.
  • تعرف أن العربية في الجزائر ضحية مؤامرة، وكلامي قد يُغضب البعض. ردّ عليه.
  • فعلاً، لغتنا ضحية أعداء العربية من الفرانكوفيليين. مازالت بلادنا تتعرّض لمخططات استعمارية.
  • مازال البعض يردّد المقولة المشؤومة للكاتب الفرنكفوفيلي كاتب ياسين: «الفرنسية غنيمة حرب«. قال سعدي.
  • هل قرأت ما كتبه أمين الزّاوي، الذي يحسب نفسه كاتباً كبيراً؟ سأل عميمور
  • كلا، ماذا كتب؟
  • كتب أن في الجزائر ثلاث لغات لا بدّ من الاعتراف بها كلغات رسمية هي الفرنسية والعربية والأمازيغية!
  • عجباً. لقد وصلت الجزائر إلى ما وصلت إليه من التّخلف والتدنّي نتيجة لسيطرة الفرنكفونيين على مقاليد الدّولة.

في تلك الأثناء، كانت امرأة خمسينية، بتنورة قصيرة، تعبر أمام المقهى، فقام عميمور من مقعده واقترح على سعدي أن يتمشيا قليلاً.

مقهى لوديبار

مرّا أمام مُظاهرة مُساندة للثّورة السّورية. علّق عميمور: «الكلاب يحسبون أن سوريا سهلة!»، وردّ سعدي مبتسماً: «أحسن ذكرياتي هي ما عشته في دمشق يوم كنت سفيراً هناك!». فهم عميمور ما كان يقصده سعدي من كلامه، وأضاف: «أنا أيضاً عشت أياماً طيّبة حين كنت سفيراً في إسلام أباد».

  • الفرق كبير بين دمشق وإسلام أباد. علّق سعدي ساخراً.
  • أعرف. لكنه مكتوبي! كان من المفروض أن أكون سفيرا في المجر أو بولونيا أو روسيا. حيث الخضرة والماء والوجه الحسن! لكن أحدهم غيّر الوجهة بجرّة قلم.

كان محي الدّين عميمور، في ذلك اليوم، قد طلب من عثمان سعدي، أن يلتقيا في سان ميشال، ليحدّثه في موضوع ثقافي. وكان سعدي يمشي، إلى جانبه، وهو ينتظر من عميمور مفاتحته في الموضوع الذي طلبه من أجله. تردّد عميمور قبل أن يخبره:

  • ستقوم جمعية ثقافية، من تبسة، بتكريمي الأسبوع القادم، وأوّد أن تحضر المناسبة.
  • الأسبوع القادم؟! لا أظن. لديّ انشغالات كثيرة في باريس.
  • والحلّ؟! والي الولاية لن يستطيع الحضور، ولا رئيس الدّائرة، ولا أعرف شخصاً آخر يقول شهادة عنّي أمام الحضور وأمام التّلفزيون.
  • لِم لا تطلب من وزير التّربية السّابق الحضور، أو أن يُرسل واحداً من المسؤولين المقربين منه للمجيء؟
  • نعم، معك حقّ! قال عميمور

اتّصل بالوزير السّابق، في تلك اللحظة، وأخبره الوزير السّابق أنه أيضاً في باريس، ثم اقترح عليه سعدي الاتّصال بسفير جزائري سابق في الخليج، ودعوته للحضور، فاتّصل به وأخبره السّفير السّابق أنه أيضاً في باريس، ولن يعود قبل شهر إلى الجزائر، وتكرّرت اتّصالات عميمور مع أكثر من أربع شخصيات، كلّهم كانوا في باريس.

فهم عميمور أن أصدقاءه المقربيين ليسوا في الجزائر. سأل عثمان سعدي إن كان يودّ التّمشي قليلا معه أو العودة، لكن سعدي فضّل أن يطلب سائق السّفارة وأن يعود إلى البيت في ضاحية فيروفلي، وبات على عميمور أن يقف وحيداً، أمام جمعية ثقافية، ليحدّث الحاضرين عن العروبة والعربية، بعد أن سافر رفاقه العروبيين إلى باريس، في وقت واحد.

عاد إلى مقهى «لوديبار»، الذي اكتظ بالزّبائن، من سائحات تشيكيات، وأخريات من النّمسا، ورجال يتصيّدون الجالسات بأعينهم.

طلب فنجان قهوة أميركية، وضع المجلة الفرنسية، التي يكتب فيها كمال داود، على يمينه، التي تصدّرتها صورة فرنسوا فيون، تأمّل في وجه واحدة من الزّبائن، بشعرها الأسود القصير وعينيها الزرقاوين، وراح يكتب كلمة مطوّلة عن العربية وفضلها على الجزائريين، سيُلقيها الأسبوع القادم في تبسة.

ملاحظة: أي تشابه بين الشّخصيات مع أشخاص حقيقيين هو مجرد صدفة.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

أسرار ماتعرفهمش على… الكوستيم دومي مونش!

جقرور السعيذ في الدزاير وقبل الدوميل-دوز، كي تشوف واحد لابس كوستيم دومي مونش تعرف طول …

الإدمان؟ آفير تبزنيس!

كتبو: سيباستيان بوهلر. ترجمو: جقرور السعيذ في لي زاني سواسونت ديس، قررت الجماعة ألي تصنع …