الأربعاء، 16 أغسطس 2017

المرجئة.. هذا الإسلام المفقود!

 

فرحات عثمان
فرحات عثمان

عرف التّاريخ الإسلامي عندما كان في أوج حضارته زخما في تعدّد الفرق والملل والنّحل.

فكما يقول عبد الرحمن بدوي في مذاهب الإسلاميين: «الفرق الإسلامية لا تدخل تحت حصر والمؤلفون الإسلاميون المتقدون الذين كتبوا عن الفرق، وبخاصة من هم من أهلّ السّنة، أرادوا أن يحصروها استنادًا إلى حديث موضوع يُروى عن أبي هريرة».

لقد عُد ذلك التعدد من التّخلف، بينما هو عندنا اليوم مثال التحضّر وتعدّد الرؤى، إذ الديمقراطية هي التّنوع والتفرّق سلميًا لا الاجتماع الذي يُفرض قهرًا، كما هي الحال منذ أفول الحضارة الإسلامية.

ومن أهم هذه الفرق التي اندثرت فرقة المرجئة التي من الحكمة اكتشاف تعاليمها من جديد لإحياء علوم الدين والعودة بالإسلام إلى صفائه الأول وسماحته المفقودة.

الإرجاء، ما هو؟

يعرّف الشهرستاني الإرجاء، في الباب الخامس من الملل والنّحل المخصّص لفرقة المرجئة، بأنه على معنيين: «أحدهما يعني التّأخير، كما في قوله (قالوا أرجه وأخاه) [الأعراف]، أي أمهله وأخّره. والثاني إعطاء الرّجاء».

ويضيف أيضا: «وقيل الإرجاء: تأخير حكم صاحب الكبيرة إلى يوم القيامة، فلا يُقضى عليه بحكم ما في الدنيا: من كونه من أهل الجنّة أو من أهل النّار. فعلى هذا المرجئة والوعيدية (وهي من الخوارج) فرقتان متقابلتان. وقيل الإرجاء: تأخير علي رضي الله عنه عن الدّرجة الأولى إلى الرّابعة، فعلى هذا المرجئة والشيعة فرقتان متقابلتان».

المرجئة، ما هي؟

سُمّيت فرقة المرجئة بهذا الإسم لأنها عمومًا كانت تعتقد في تأخير العمل وقيمته، وبالتّالي حسابه وعقابه، على النّية والقصد. فهي تقول مثلا بأنه «لا تضرّ مع الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة».

وحسب صاحب الملل والنّحل، المرجئة أصناف أربعة: «مرجئة الخوارج ومرجئة القدرية ومرجئة الجبرية والمرجئة الخالصة.. وكذلك الغيلانية، أصحاب غيلان الدمشقي، أوّل من أحدث القول بالقدر والإرجاء».

هذا، ومن المعلوم أن البعض من المرجئة عدّ من فرقته صاحب المذهب الحنفي، ومنهم غسان الكوفي، وهو من المرجئة الغسّانية، إذ كان يحكي عن أبي حنيفة مثل مذهبه ويعده من المرجئة.

ويوضح الشهرستاني الأمر مبيّنا أنه «كان يُقال لأبي حنيفة وأصحابه: مرجئة السّنة وعدّه كثير من أصحاب المقالات من جملة المرجئة، ولعل السّبب فيه أنه لمّا يقول الإيمان: هو التصديق بالقلب، وهو لا يزيد ولا ينقص، ظنّوا أنّه يؤخّر العمل عن الإيمان».

اختلاف فرق المرجئة

بيّن الأشعري في مقالات الإسلاميين واختلاف المصلّين أن اختلاف المسلمين كان «على عشرة أصناف: الشيع والخوارج والمرجئة والمعتزلة والجهمية والضرارية والحسينية والبكرية والعامة وأصحاب الحديث والكُلاّبية، أصحاب عبد الله بن كُلاب القطّان».

وهو يقول أن  المرجئة اختلفت في الإيمان؛ فمنهم من يزعم «أن الإيمان بالله هو المعرفة بالله وبرسله وبجميع ما جاء من عند الله فقط، وإن سوى المعرفة من الإقرار باللسان والخضوع بالقلب والمحبة لله ولرسوله والتّعظيم لهما والخوف منهما والعمل بالجوارح، فليس بإيمان.. وأن الكفر بالله هو الجهل به».

وهو يضيف أن هناك من زعم «أن الإيمان بالله هو المعرفة فقط والكفر هو الجهل به فقط، فلا إيمان بالله إلا المعرفة به، ولا كفر بالله إلا الجهل به». ونجد أيضًا فرقة زعمت «أن الإيمان هو المعرفة بالله والخضوع له وهو ترك الاستكبار عليه والمحبة له؛ فمن اجتمعت فيه هذه الخصال فهو مؤمن».

كما هناك من رأى أن الإيمان هو «المعرفة بالله والخضوع له والمحبة له بالقلب والاقرار به أنه واحد ليس كمثله شيء»

وغير بعيد عن هذا وذاك هم من قال «أن الإيمان هو الإقرار بالله وبرسله وما كان يجوز في العقل أن يفعله وما كان جائزًا في العقل أن لا يفعله فليس ذلك من الإيمان».

من أهم الفرق التي اندثرت فرقة المرجئة
من أهم الفرق التي اندثرت فرقة المرجئة

في إحياء الإرجاء

لإن عدّد الأشعري ما لا يقل عن اثنتي عشرة فرقة من هذه الفرق، فإنها لا تختلف إلا في تفصيلات معنى الإيمان؛ فهي كلّها أجمعت، حسب قوله بنفسه، على «أن الدّار دار إيمان وحكم أهلها الإيمان إلا من ظهر منه خلاف الإيمان واختلفت المرجئة في الاعتقاد للتّوحيد بغير نظر: هل يكون علما وإيمانًا أم لا». المهم هنا أن نلاحظ أن المرجئة، أو أكثر فرقها، كما يقوله صاحب  مقالات الإسلاميين «لا يُكفرون أحدًا من المتأولين ولا يكفّرون إلا من أجمعت الأمة على إكفاره».

ولعل هذا الأهم في هذه الفرقة التي من المُفيد لأمة الإسلام اليوم العودة إلى قراءتها للإسلام، وهي في التّأكيد على قيمة الإيمان دون ما عداه من مظاهر الشّعائر، إذ الإسلام أولا وقبل كل شيء الإيمان الصّحيح والتقوى الصّادقة، قبل المظاهر الخادعة. فلا شك أن حسن النّية لا يظهر ضرورة في الجوارح، إنما محلّه في مكنون القلب وصفاء السريرة، وهذا لا يتجلّى إلا في الفعل والكسب.

ألم يقل الرسول الأكرم أن من آمن بالله ورسوله دخل لا محالة الجنة وإن سرق أو زنى؟! أليس هذا السّلام الذي يتجلى في الأفعال، وعلينا العودة إليه بعد ما أصاب ديننا من نكسة متزمتة، لا شكّ أن أفظع علاماتها الدعدشة الحالية التي تهدد صرح إسلام فيلب لبابه، أي السّلام الروحي والمادي الذي لا بدّ أن يميّزه ما بلّ بحر صوفة؟

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

الموت هو حياة أخرى.. علينا مواجهته بهدوء، أن نحضنه ونعيش معه

الموت هو حياة أخرى.. علينا مواجهته بهدوء، أن نحضنه ونعيش معه

الموت كان علامة ثابتة، في يوميات الجزائر، في تسعينيات القرن الماضي. كانت المواجهة مفتوحة، في …

انتفاضة أكتوبر 1988

أكتوبر 88 أو الرّبيع الجزائري.. هل كانت السّلطة مجرد شبح؟!

أكتوبر 1988.. حصلت الانتفاضة.. انتفاضة شكّلت نقطة تحوّل، في تاريخ الجزائر المُعاصر.. احميدة عياشي عاشها …