الجمعة، 25 يونيو 2021

صلاح باديس يكتب: القرابين

وقَفَتْ في مدخل المصبغة تنتظر العامل الذي غاب وراء آلة الغسيل الضّخمة، خلفها فترينة الزّجاج وفي الخارج المطر وبرك الماء تغطي الإسفلت.

كان المحلّ كلّه عتمة، بينما ظلّت هي تنظر إلى صفوف المعالِق التي بجنب آلات الغسيل القديمة، إلى ثياب الصّفوف العُلوية بدَت مُعلّقةً في غيمة العتمة المحبوسة بالسّقف. سُتراتٌ ومعاطف، قدّرت أن عددها يتجاوز المئة، كلّما جاءت بثياب لتغسلها وجدت ذلك الصّف ممتلئ، فكّرت في أنّه من غير المُمكن أن تكون هذه الثياب قد جُلبت منذ أيام فقط وأن أصحابها سيعودون، خاصة أنّ العامل كان يجلب لها ثيابها من الدّاخل في كلّ مرّة، يعني أن الثياب التي يُدفَع بها إلى المعالق الخارجية لم تكُن لأناس يعودون خلال يومين أو أسبوع كما تفعل هي، هذه ثيابٌ تتراكم بالنسيان.

كان يبدو أن السُترات من موضة قديمة، قماشها خشن في الغالب وعبارة عن مربّعات صغيرة سوداء أو قهوية وبيج، تذكّرت هي سُترة جدّها في الصّورة التي كانت مُعلّقة في الصّالون، قبل أن تختفي نهاية التسعينيات مع دهنهم لجدران البيت، فكّرت في البحث عنها أكثر من مرّة، وكانت متأكّدة من أنّها ستجدها.

عائلتها ليست من النّوع الذي يُفرّطُ في أثاثه ومقتنياته بسرعة، يحتفظون بالأشياء حتى تضيق بها الغُرف، وعندما تفيض تنسحب إلى الكاراج لتعوّضها مقتنيات أخرى.

العمّال في المصبغة غريبو الشّكل. رؤوسهم كمثلثات جبنة، ذقونهم مدبّبة، خدودهم مُعظّمة وحمراء، كأنّهم من القوقاز وكأنّ مصبغتهم القديمة، التي تعود لعقود مضت، هي خيمتهم القوية والدافئة والمعتّمة. لون شعرهم درجة داكنة من الأشقر، ورغم نقص الإضاءة إلاّ أن مريم تمكّنت من رؤية تدرّج لون الشَعر، فكّرت في أنهم ربما تضرّروا من تعرضهم الدّائم لمواد كيميائية يستعملونها لغسل الثّياب، وأنهم سيموتون كما يحدث في البلدات الأمريكية التي تُقام بجنبها مصانعٌ تنفثُ سمومها في المياه الباطنية، فيُصاب السّكان بأمراض وأورام خبيثة تُفنيهم.

عندما عاد العامل بثيابها كانت مستديرة، ظهرها للكونتوار، تضمّ كُتبها إلى صدرها وتنظر عبر الزّجاج إلى الشّارع، مطرٌ وشلالات صغيرة تندفع من أسطح البيوت لتنتهي فوق رؤوس من يعبُر تلك الزنقة الهادئة، هي كانت آمنةً من البلل داخل المصبغة القديمة وتلك الرائحة الكيميائية الدافئة (المسؤولة عن موت القوقازيين..) تُغرق المكان.

وبينما كان العامل يلفّ لها ثيابها، تشجّعت وسألته عن الثّياب المُعلّقة، ابتسم وأشار إلى الصفّ العُلوي قائلاً: هذو.. عندهم عامين وهوما هنا. «وااااو!». أدام ابتسامته لبضعة ثواني مواجهاً دهشتها، بقيت تنظر إلى صفّ المعالق ذاك. كيف يُمكن لشخص أن يجلب ثوباً ليغسله فيتركه لسنتين؟!

أمها التي جلبت ثيابها ودفعت ثمن تنظيفها، ظلّت تُذكرها طيلة يومين حتى تذهب وتسترجعها، ثبّتت لها الوَصْل على الثّلاجة، بحبّة برتقالٍ بلاستيكية صغيرة يوجد في قلبها مغناطيس، ولو أخّرت الأمر، لجاءت الأم بنفسها. النّاس الذين ينسون ثيابهم لا بُدّ أنّهم يتامى بلا أمٍ تُذكّرهم، حاولت أن تحصُر أسباب التَركِ والغياب، الأكيد أنّه قد حصل معهم شيء ما. موت واحد من أقاربهم! موتهم هم! فقدانهم للذاكرة! مرورهم بأزمةٍ عاطفية جعلتهم يصرفون النّظر عن كلّ شيء عدا حُزنهم! مُطاردتهم من قِبل عصابة وتركهم للمدينة أو البلد ككلّ! تعرّضهم للخطف! أشياءٌ رهيبة لا يتوقّع المرء أنّها تُصيب النّاس دائماً، لكن يكفي أن يدخل لمصبغة صغيرة وقديمة وينظر لأعداد الثّياب المتروكة والمتراكمة عبر السنين، سُترات وسراويل ومعاطف مكويّة ونظيفة، تنسدِلُ من السقف، حيثُ ألصِقَت على نهايات أكمامها بطاقات بيضاء سُجّلت عليها تواريخ زمنٍ مضى، وتلفّها عتمة متزايدة يبدو أنّها ستبتلعها مع الوقت.

كلّ هذه الثياب توحي بأنّ الأشياء الحزينة والسّيئة تحصُل، وتحصُل بشدّة، حتى في أكثر ضواحي المدينة هدوءاً وجمالاً.

أرادت مريم أن تسأل العامل مرّة أخرى عن الزبائن الغائبين، لكنها لم تُخرج أكثر من كلمة «كيفاش!».. وقد برقت فكرة أنّ هذا المحل ليس إلاّ خيمة عرّاف قوقازي سكن الحيّ منذ سنين، والثياب المنسيّة والمتروكة ليست إلاّ قرابيناً، كانت فكرة مُرعبة، خاصة عندما فتح القوقازي عُيوناً مُتسائلة، قبل أن يستدير بنصفه العُلوي ليتطلّع نحو نفس الصفّ العلوي من المعالِق وهو يقول: «يعني… يجيبوهم بين الصّيف والشتا… ولاّ بين الشتا والصيف، وينساوهم. ما نعرفش! يكونوا راحوا فالصّيف للبحر وغرقوا، ولاّ دخلوا فالشتا وما خرجوش!».

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

آمال عمر تكتب: الشّيفرة

آمال عمر تكتب: الشّيفرة

تَتوقُ كُلُّ امرأةٍ إلى الزّواج بمَن يَنشُدُهُ القلبُ ويرضَاهُ لإنشاء أسرة تُحقّق فيها ومعها كَيانَها …

سلالم ترولار

سيرة العطب وصناعة الآلهة

محمد بوزيان يواصل سمير قسيمي مساره التّأسيسي لسردية لها هويتها المفتوحة برؤية تتجلّى بالاشتغال المستمر …