الأحد، 28 نوفمبر 2021

الحوار.. باعتباره جنساً أدبياً مستقلاً

مع الوقت، صار الحوار الأدبي مبتذلاً

إلى غاية السّبعينيات، من القرن الماضي، كان إجراء حوار مع كاتب ما، يُعتبر حدثا في حدّ ذاته.

كان القراء يحتفظون بقصاصات الحوارات، كما لو أنها نصّاً أدبياً ثميناً. لكن، لاحقاً، مع توسع الصّحف الأدبية، وارتفاع أعداد وسائل الإعلام، صار الحوار الأدبي مبتذلاً! ارتفع عدد الحوارات الأدبية، وقلّ مستواها.

مع ذلك، مازلنا نُصادف، من حين لآخر، حوارات مع شعراء أو روائيين أو مسرحيين، تجعلنا نتساءل – نظراً لقيمتها ومضمونها – عن إمكانية اعتبار الحوار جنساً أدبيا مستقلاً، مثله مثل القصيدة أو القصّة أو الرّواية.

في وقت سابق، كان إجراء حوار مع بورخيس أو فوكنر أو محفوظ أو إيتل عدنان، يلزم المُحاوِر إلماماً بالتّجربة الأدبية للشّخص الذي يجلس قبالته، قراءة عميقة لأعماله، فهماً لها، ووعياً باللحظة التي يعيش فيها، كان الحوار الأدبي يمثل وثيقة، لا تتوقّف عند لحظة إجراء الحوار، بل تستمر في الزّمن.

نحن نعلم أن كثيراً من الدّراسات النّقدية حول أدب كاتب ما لا تستغني عن الحوارات التي أجراها، على ندرتها في بعض الأحيان، كما أن أي محاولة لكتابة سيرة كاتب ما تلزم صاحبها عودة للحوارات التي أجراها، هكذا كان المُحاوِر ومازال، يلعب دوراً في شرح نتاج كاتب ما، أمام الجمهور، وللنّقاد في آن.

مبدئياً، يمكن أن نُصنف الحوار في منطقة وسطى: بين الأدب والصّحافة، باعتباره جنساً هجينا، لم يكمل حلقة نموّه الأدبي، لكنه في طريقه – لا محالة – لأن يكون جنساً أدبياً مستقلاً، نظراً لما يتضمّنه من مكوّنات تسمح للقراء وللنّقاد التّعامل معه كنصّ مكمّل، و أحياناً أخرى كنصّ بديل، ومساحة للنّقاش ولإبداء الآراء الأدبية.

قبل عامين، ذهبت نوبل للأدب لكاتبة روبورتاجات أدبية، والعام الماضي ذهبت لمغنٍ وكاتب كلمات. هل ننتظر – مجدداً – أكاديمية نوبل لتوجّه ذائقة القراء نحو أجناس أدبية جديدة؟ّ!

في العالم العربي، ما يزال الحوار الأدبي في منطقة غير متّفق عليها. بعض الكتّاب «الكبار» يرفضون إجراء حوارات، يعتقدون أن في الأمر استغلالا لهم، أو ركوبا على نجاحاتهم، مع أنه على العكس من ذلك تماماً. تهرّب كاتب ما من حوار ليس سوى «ضعفا» منه عن مواجهة القارئ في منطقة مُحايدة، منطقة يتساوى فيها الكاتب مع قارئه.

الحوار الأدبي قد يكون شفهيا أو كتابياً، تعنينا خصوصاً الحالة الثّانية، مع أن الحوار الشّفهي يمكن بسهولة نقله كتابياً. أضف إلى ذلك، في الزّمن الحالي، لم يعد الأمر صعباً، مع توفر وسائل التّواصل الحديثة، صار بإمكان الكاتب أن يأخذ وقتاً كافياً للتّدبّر في الأسئلة الموجهّة إليه، والردّ عليها. بالتالي، كلّ حوار شفهي هو وثيقة مكتوبة أيضاً.

مع أن الحوار الأدبي يتصلّ خصوصا بالصّحافة، أظن أنه بالإمكان أن نتحدّث عن مصطلح: «أدب الحوار الأدبي»، لأن كلّ حوار يشترك فيه – بالضرورة – الكاتب، وبعيداً عن مكان نشره (في جريدة أو ربما كتاب)، هو وثيقة مهمّة، وأرشيف له مكانته في التّاريخ الأدبي الحديث.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

أسرار ماتعرفهمش على… الكوستيم دومي مونش!

جقرور السعيذ في الدزاير وقبل الدوميل-دوز، كي تشوف واحد لابس كوستيم دومي مونش تعرف طول …

الإدمان؟ آفير تبزنيس!

كتبو: سيباستيان بوهلر. ترجمو: جقرور السعيذ في لي زاني سواسونت ديس، قررت الجماعة ألي تصنع …