الأربعاء، 21 نوفمبر 2018

جنون الكاتب وطقوسه

نُسيبة عطاء الله

لا يمكن لأي إنسان، فيلسوفًا كان أو عالمًا، أن يُفسّر جنون الكاتب..

ذلك الجنون الذي لا تثبته النّظريات والرياضيات ومع ذلك يثبته الواقع.

الواقع الذي يثبته الكاتب هو واقع استثنائي يلغي كلّ تلك القوانين ويخترقها. وقول هيغل: “كل ما هو عقلي واقعي وكلّ ما هو واقعي عقلي!” يثبت ذلك وينفيه على حدٍّ سواء من منطق أنّ الفنّ حالة تفرضها الظّاهرة النّفسية التي تطغى على ظواهر الطّبيعة والكون وتتحدّاها وتأتي خارجة منها معبّرة عنها ومتجاوزة إياها.

لهذا نجد للفنانين الأدباء خصوصًا طقوسًا تميّزهم وتتفاوّت بينهم. فكل كاتب يركن إلى عالم متفرّد، له معطياته ومفاتيحه التي لا يدخل عالم الخيال والإبداع إلا عن طريقها.

مثلاً الكاتب الأميركي إدغار آلان بو(1809-1849) كان يكتب فقط أثناء زيارته للأماكن المهجورة لأنها تثير فيه الخوف والرّعب والهلع ما يثير قريحته الإبداعية ويفجر طاقته الكامنة!

ألفونس لامارتين(1790-1869) اعترف أنه لا يفكّر وإنما الأفكار تفكّر من أجله وهذا سخاءٌ يُضاف إلى حصيلة الأشياء الغريبة التي تحدث مع الكتّاب، فمعنى أن تفكرَّ الأفكارُ من أجلك أنّكَ منذور لتقيّدَها وهنا الذاكرة هي صلة الوصل بين يد الكاتب ونفسه.

ديكارت كانت الأحلام تحدث لأجله لأنه رأى صورة “الكوجيتو” في المنام وقال:”ذات يوم جميل، أستلقي وأغمض عيني تمامًا ولا أقوم بأي مجهود وأترك الفعل على شاشة ذهني وأتحرّز خاصة من التدخل.. وأرقب الأشياء داخل ذاتي، تصنع نفسها بنفسها. إنه الحلم. إنه اللاوعي.”

إنّها إرادة الذّات التي لا يملكها الكاتب تماما وفي أغلب أوقات حياته هي التي تقوده. اليد هي السبيل الوحيد إلى بعض الحرية، فالكاتب حرّ طالما هو قادر على الكتابة، والخلاص هو اللحظة التي يضع فيها نقطة النّهاية!

اليد هي إنشاء لحظات الطّاعة التي يمرّ بها الكُتاب في طريقهم إلى ملامسة الفكرة وسحبِها إلى العمق، ومن دونها ما كان بإمكاننا أن نعرف أنّ جون ميلتون وجواكينو روسيني كانا يتمدّدان ليُبدِعا، وأنّ بلزاك كان يلجأ إلى القهوة وأنّ فريديريك شيلر وأندريه غريتري كانا يغسلان أرجلهما بالماء المثلّج.

الصّباح وقت الكاتب المفضّل

قال محمود درويش في إحدى مقابلاته التلفزيونية: “الصباحات هي أوقاتي المفضّلة للكتابة، وأردف مازحا: لست البوهيميّ الذي تصوّره قصائدي عنّي فأجد نفْسي ونفَسي الشعريّ وقت الإظلام، مع المساءات، وأرتاح أكثر بالكتابة على أوراق بيضاء دون خطوط ترسم للقصيدة مسارًا مشحونًا بمعايير مسبقة. لأبعث الأمل في نشوء قصيدة ترسم الصورة الممكنة لاتّحاد التّجريدي بما هو ممكن”.

إن الكتابات العظيمة هي ما خطّه الكتّاب – الذين ظلوا عظماء دومًا – بأيديهم، و هذه التصرّفات التي قد يراها الإنسان العادي غريبة ولا منطقية هي الممكن والجائز والمباح في عالم الفن والكتابة المَهيبين. وعلى القارئ الناقد أن يُلم بهذه الأشياء ليستطيع فكّ الشفرات الإبداعية للنصوص ويجيد الحكم عليها وتصنيفها.

فماذا خسرت النّصوص بعد هجر اليد للورق وماذا خسر النّقد وماذا خسر علم النّفس في زمن سيطرة الآلة على النّفس والجسد واحتكار لغته الأسمى “خطّ اليد”؟ وهل اليد التي تحرث الورق كاليد التي تضرب لوحة المفاتيح أو تنغمس في شاشات اللّمس؟

هنالك لغة لدى الكاتب والشاعر خاصة لا تتضح إلا في مخطوطاته، هنالك دوما ما يسقط من الشاعر في لحظات الكتابة الأولى قبل استيقاظ الوعي واستدبابه، وقد رأى كثير من النّقاد في العصر الحديث أن نفسية الشّاعر مفتاح لباب واسع داخل أعماق النصّ، رغم أن الدراسات المعاصرة تجاوزت الكاتب إلى القارئ واعتبرته صاحب السّلطة إلا أن النصّ في مراحل تكوينه تتغيّر محمولاته متراوحة بين الجلاء والخفاء.

والنص الأول قبل إعادة بنائه يستفز المتلقي الذي يبحث عن كيفية تعامل الكاتب مع نصوصه باعتباره القارئ الأول لها، والمنهج النفسي يعتبر من المناهج التي تشكل أهمية كبرى في مجال الدراسات الأدبية والنقدية الذي يرى المهتمون بضرورته أنه يقدم للإبداع الأدبي شعرًا كان أو نثرًا مجالاً واسعًا من الرّؤى، ويفتح أمام الدراسات النقدية طرقا لمحاولة الفهم الجادّ لما تحتويه النصوص الأدبية الشعرية والنثرية من مسارات نفسية متعددة.

ثم المنهج في حدّ ذاته ومهما كان نوعه لا يوضع اعتباطا وإنما وفق مقاييس دقيقة تقوم عليها الدراسات الحديثة، تلك الدراسات التي بدأت تنظّر إلى الأدب من منظور الحياة فأكدت أن الفنّ للحياة والحياة للفنّ.

من هنا نجد أن المنهج النفسي يسلّط الضّوء على المحتوى المشكّل للنصّ، فالنص على أشكاله وتصنيفاته هو مجموعة من البؤر والخلجات النفسية المتعدّدة والشاعر أو الكاتب في حدّ ذاته لا يمكن بأي شكل من الأشكال أن ينطلق من العدمية النفسية لأن لحظة الكتابة كما يعتبرها الكثير هي لحظة نفسية تراكمية تزدحم فيها الكثير من الانشغالات الداخلية والنصّ يفصح عن هذه المكنونات التي ربما حتى الكاتب نفسه لم يستطع إدراكها لكن الناقد والدارس والباحث في مجال الدراسات الأدبية والنقدية الحديثة يحاول من خلال المناهج بصفة عامة والمنهج النفسي بصفة خاصة أن يكشف حقيقة المؤلف قبل الكتابة وأثناءها ويحاول أيضا معرفة أثر هذا النص في شعور الكاتب أولاً وفي شعور المتلقي ثانيا.

لهذا يعتبر المخطوط من أهمّ الركائز التي استند عليها النّقاد في التّحليل النّفسي للنّصوص الإبداعية إذ عليها تنطبع انفعالات الكتاب من خلال تحريكهم للقلم مثلا، فالعاشق يميل بحرفه ويحنيه من علّته وسقمه وشوقه، ومن خلال خط الأديب تتبيّن لنا مقاصده؛ متى توقف ومتى بدأ من جديد وما يعنيه بالفراغ والبياض والنقاط والرسوم والتّشطيبات. وهذا ما يبرزه “الجرافولوجي”، العلم الذي يكشف معظم السمات الجسمية والنفسية للكاتب من خطّ يده، للغوص في روح النص الأدبي والحكم عليه من خلال ما ينعكس فيه من علامات.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

كشيوعيِّ يُدَخِّنُهُ التَّبغُ الوطنيُّ الفاسد

كشيوعيِّ يُدَخِّنُهُ التَّبغُ الوطنيُّ الفاسد

(إلى جدي تُّومي سعيدي المكنَّى بهو شي منه) …كشيوعيٍّ يصبُّ الحزنَ في الأنخابِ، يكوي صدره …

قراءة في رواية “زوج بغال” للروائي بومدين بلكبير

“زوج بغال”، تسمية تطلق على المعبر الحدودي بين الجزائر والمغرب؛ وبينما ظلّ الطرف المغربي محافظا …