الأربعاء، 21 أغسطس 2019

احميدة عياشي يكتب: شير

احميدة عياشي

الكاتب احميدة عياشي(1958-) بصدد الانتهاء من روايته الجديدة، التي ستحمل – مبدئياً – عنوان «شير»، تحكي عن شخصية شير الهارب من الجماعات الإسلامية، بنيّة تسليم نفسه للعسكر.

بعد «ذاكرة الجنون والانتحار»، «متاهات ليل الفتنة» و«هوس»، يستعرض الرّوائي احميدة عياشي في شير جزءًا من التّاريخ الحديث للبلد، في رواية تتعدّد فيها الأصوات والأحداث، بشكل يذكّرنا فيه عياشي برواية «الصّخب والعنف» لويليام فوكنر. فيما يلي مجتزأ من مخطوط الرّواية.

«اختبأت خلف الشّجرة، سمعتهم يصرخون، كانوا سبعة، أنا رأيتهم، بقيت قابعًا أرى وأرهف السّمع وأنا خلف الشّجرة.

كانت الشّمس في السّماء تبدو مريضة، صفراء كما السلّ، وقلبي يخفق، بقوة يخفق.. وتوقّفوا عن الصّراخ، وقلبي لم يتوقّف عن الخفقان، كنت أسمع الخفقان يأتي متسارعًا كما لم أسمعه من قبل في حياتي، كان قلبي وهو يخفق يتحدّث إليّ بصوت خلته لحظتها صوتًا غريبًا مرتفعًا، وكلب بدأ ينبح، لا أدري لماذا كلب ينبح!.. أنا لا أرى الكلب الذي ينبح، لا أدري إن كان الكلب الذي ينبح كلبهم أم كلب ضالّ دون صاحب..

أنا لا أحبّ الكلاب، تقذف الكلاب في قلبي شيئًا كما الرّعب، ابنة عمتي وازنة كان في بيتهم كلب، «ريكس» هو اسمه، لم يكن ريكس يحبّني، كلما دخلت إلى بيت عمتي ينبح، يشدّونه إلى عمود إسمنتي في أقصى الحوش، ينبح في وجهي، ويكاد يجنّ جنونه..

ذات يوم تحرّر من السّلسلة واتّجه نحوي وهو ينبح، صرخت، خفق قلبي وهربت عند ابنة عمتي وازنة، وهي راحت تصرخ في وجهه: «ريكس كوشي!»، وهو ظلّ ينبح وكشف عن أنيابه، وأنا أبكي، وأنيابه لازلت أتذكّرها مثل اليوم..

صرخ رجل، كان يبدو كالخيال وهو يلتفت يمنة ويسرة، يحدق على يمين الشّجرة وعلى يسار الشّجرة، وأنا كنت أشعر بلحظة الموت وهي تقترب منّي وأنا خلف الشّجرة، رأيت الرجل الملتحي، ذو القامة القصيرة، يلتفت بعينيه المظلمتين، يقول: «أنا سمعته.. هو ليس ببعيد عن هنا،لا بدّ أن يكون هنا». وأنا هناك خلف الشّجرة.

رشيدة ابنة خالتي كانت في نفس سنّي، أنا طويل ورشيدة قصيرة، أنا ذو سمرة داكنة ورشيدة ذات بشرة بيضاء، أنا أحبّ رشيدة ورشيدة تحبّني، هي على ظهرها حدبةً صغيرة، وأنا أغضب عندما يعيرها إخوتها بحدبتها، ورشيدة تبكي وأنا لا أريد لرشيدة أن يتبدّل وجهها وتظلم ملامحها وتبدأ في البكاء، وتختفي رشيدة وهي تبكي خلف الشّجرة، وأنا أقترب من شجرة الصفصاف، وتقول لي رشيدة: «دعني لوحدي، دعني لوحدي، اذهب!».. وأنا أبقى واقفًا، وأقول لرشيدة: «لا تبك يا رشيدة، يا رشيدة لاتبك».. لكن رشيدة لا تسمعني، هي لا تريد أن تسمعني عندما تكون تبكي، وتبقى بعيدة عنّي وتختفي خلف الشّجرة، وهي تبكي، لم أكن أبكي لكن قلبي لم يتوقّف عن الخفقان..

راحوا يتقدّمون بالقرب مني، وكان الرّجل ذو اللحية الشّمطاء يقترب أكثر فأكثر، أنا أسمعه يقول: «لكن أين يكون اختفى هذا الديوث! أبتلعته الأرض؟!».. أنا لم تبتلعني الأرض، عندما أموت ستبتلعني الأرض لا محالة، و ذات يوم، نمت وحلمت بالأرض تبتلعني، وكنت أصرخ بينما الأرض تفتح فمها وهي تبتلعني، وكلّ عائلتي تقف مكتوفة الأيدي بينما الأرض تفتح فمها مثل وحش ينبعث من تحت عالم الأرض المظلمة.. رأيت أمي تبكي وهي تندب وجهها وتقول: «إبني، إبني!».. وأنا أصرخ: «أمي، أمي!».. وأبي يرفع يديه إلى الله الذي خلقه وخلقني ويردّد: «إنه إبني يا ربّ، هو إبني ياربّ». وجدي يستعيذ ويحوقل بينما السّماء تملؤها طيور الغداف، وهي ترعبني كلّما رأيتها تحلق في السّماء، أرتعش، وترقص مفاصلي وأجري، وأجري وأجري مختبئا وراء شجرة الصفصاف، وأنا: «لا تبك يا رشيدة،لا تبك يا رشيدة».. بينما رشيدة لا تكفّ عن البكاء وذرف الدموع، وذاك البوط الذي أنتعله في وسط وحل حقول خالي لا أنسى لونه الرمادي، رشيدة لا تنتعل بوطا، أشعر بالسّخونة تصعد من رجلي إلى رأسي، وشقيقها البشير يطلّ من وراء  الشجرة العالية وهو يعيرها بحدبتها، وأنا أردّ: «سوف ترى، سوف ترى».. وأركض خلف البشير والبشير يركض، وفي السّماء طيور الغداف تحلّق وهي تنظر إلي فأتوقف، وأنبح في وجهها، وأنا أحمل حجرًا أبيض: «أش!.. أش!..».. تقف رشيدة في وسط الحقول، ترتدي بلوزة خضراء وحذاء أسود ويتدلى شعرها الغدافي خلف ظهرها، وأنا أتهدّد البشير، والبشير يقف خلف الشّجرة وهو يلهث، أنظر في الوقت نفسه إلى طيور الغداف في السّماء وهي تبتعد لتصير نقطة سوداء صغيرة في الأفق..

يتحرّك الرّجل الملتحي كاللصّ وتخرج من فمه كلمات سيئة وبغيضة، يحمل بندقيّة من نوع سيمينوف، من أول نظرة عرفتها، هي ذات البندقية التي رأيتها يوم جاؤوا إلى القرية، جاؤوا على متن عربة شاحنة، نزلوا كالشياطين السّوداء في ذلك الدماس وارتفعت أصواتهم وأنتشرت كالوباء القاتل، وبدأت الكلاب تنبح وأصوات كعواء الذئاب ملأت ليل القرية، علا صوت السيران، وانطلق صوت الرصاص هنا وهناك، قفزت من فراشي، وراحت أمي تتلو آية الكرسي، وظلّ أبي صامتًا لا يبدي حراكًا، كان مثل أي رجل ينتظر بهدوء غريب قدره الداهم، قالت أمي وهي تستجدي: «أقعد لا تخرج!».. وفتحت لي باب المخرن لأختفي، طرقوا على الباب بقوة وهم يقعقعون، قالت أمي: «لا تفتح، أدخل المخزن!».. أنا فتحت وهم دخلوا البيت كالعاصفة الهوجاء، رجل طويل شدّني من صدري وراح يسألني! بعضهم يرتدي لباس رجال المظليين، وبعضهم الآخر لا يرتدي لباس المظليين، جرجروني خلفهم وأمي تصرخ، وظلّ والدي ثابتًا في مكانه، مسمرًا كالتمثال الجليدي، رجوت أمي بأن لا تخف وأن لاتبك، وخاطب آحدهم لأمي: «سيعود، لا تخشي شيئا»..

وركبت معهم في تلك الشّاحنة، وكان العواء يملآ الدنيا في تلك الليلة عميقة الظّلام، رأيت الرّجل القصير صاحب اللحية يحمل بندقية السيمونوف وهو يصرخ في سكان القرية، ورأيت أمي وسط جموع النّساء تبكي، وراحت الشّاحنة تحدث أزيزًا مفزعًا، وأختفت القرية بعد لحظات ثم تلاشت الأصوات، وتلاشى نباح الكلاب والعواء وبكاء أمي، رحنا نقترب شيئا فشيئا من المعسكر، بينما الفجر يلوح، وعند الحادية عشرة من اليوم التالي اقتادونا إلى ساحة عارية في أعلى الجبل.. كنا عشرة.. أمرونا بجلوس القرفصاء على الأرض وجلسنا على الأرض، كنا كأسرى حرب، أمرونا أن نخفض رؤوسنا إلى الأرض وخفضنا رؤوسنا إلى الأرض، وكان بيننا فتى يبكي، وهو يقول: «أنا لا أريد أن أموت،لا أريد أموت». كان الفتى وسيما، أنا أعرفه، يسكن غير بعيد عن دارنا، والده كان صديقًا لأبي، والده مات، ووالدي لم يمت، وتأسّف والدي لموت والده كثيرًا ،أنا سمعته يقول أسفه لوالدتي، بينما كانت والدتي تضع الكسرة على النار، وحملوه على عربة كارو، وأخذوه في ذلك المساء الديسمبري وهم يرددون: «لا إله إلا الله، محمد رسول الله».. إلى مقبرة القرية غير البعيدة عن دارنا.. وفي ذلك المساء الغدافي سقط المطر وعاد أبي إلى البيت وثيابه مبللة بالمطر، ونزعت أمي ملابس أبي، وظلّ يبكي وهو يقول: «أنا لا أريد أن أموت، أنا لا أريد أن أموت» ونهره أحدهم: «اخرس وإلا متّ حالاً»، وعندئذ كفّ الفتى عن البكاء وخرس، وذاك الفتى الوسيم لم يقتلوه، وفي اليوم التالي نقلوه إلى مكان آخر، ولم يقتلوه وأنا إلى معسكر آخر ولم يقتلوني، وراح يردد وكلمات متشنجة تتدفق من فمه: «أين ذهب، هل ابتلعته الأرض»..

أنا خلف الشّجرة، لم تبتلعني الأرض، كلب ينبح وظلّ نباحه يعلو،ونباحه يذكرني ﺒ«ريكس«..

حمو هو من اشترى ريكس من سوق الكلاب، لا أتذكّر كم اشتراه، لكن زوج عمتي زهرة هو من اشترى راكس في ذات يوم ربيعي، والدي كان معه عندما نزلا إلى المدينة واتجها إلى سوق الكلاب، وأشتريا لويزة وريكس، كان ريكس أصغر بكثير من لويزة، لم تكن لويزة أم ريكس، لكنها كانت في سنّ أمّه،عاشت لويزة بيننا فترة طويلة، لكن فترتها أقلّ من فترة ريكس، لم تكن لويزة تنبح في وجوه الأطفال، كانت في غالب الأحيان صامتة، وكانت لويزة تنام كثيرًا على ظهرها قرب دارنا وهي تستلتقي تحت أشعة الشمس الدافئة، و ذات يوم اختفت لويزة، اعتقد أبي أنها هربت مع ذاك الكلب الغريب الذي كثيرًا ما كان يأتي بالقرب من بيتنا وتذهب رفقته لويزة، وكان أبي يغتاظ من لويزة كلما ذهبت مع ذاك الكلب الغريب الذي لا يعرف أحد من القرية من أين جاء، وكان الكلب الغريب أسود اللون، وذو عينين غريبتين ومخيفتين، ولم نسمعه ينبح إلا نادرًا، وكثيرًا ما كنت أراه في مناماتي عندما كبرت، وكان جارنا روكا الذي يضرب زوجته كلما سكر يكره لويزة، ووضع ذات مرّة السمّ في الطّعام وأكلته لويزة، وكانت لويزة تعوي عواء خافتًا وهي منبطحة على الأرض، تنظر إلينا بحزن، وكنا نحن نبكي، وجارنا سالم هو من أخبر عن روكا لكن روكا أقسم بالله العلي العظيم بأنه لم يفعلها وكلّ الناس كانت تعلم بأن روكا هو من فعلها، وكان أبي يفتح فم لويزة ويفرغ فيه زيت الزيتون، وظلّت لويزة تتقيأ، واصفر لونها وخفت نظرها وبعد أيام ماتت لويزة وبكت أمي لويزة وأنا وإخوتي أيضا، وظلّ الكلب الغريب الأسود يأتي كلّ يوم إلى قريتنا، ويأتي قدام دارنا، ينظر إلينا ويعوي، وهو لا يعلم بأنها ماتت، يعوي وينظر إلينا، وأبي يقول له بأن لويزة ماتت ولن تعود وهو ينبح ويعوي، كأنه ينادي: «لويييييييييزاااااااا، لوييييييييزاااااااااااااااا».. وبعد أيام طويلة يكون الكلب الأسود الغريب قد فهم أن لويزة ماتت، ولن تعود فأختفى بصمت ولم يعد، ذاك الكلب الأسود الغريب، لم يعد..

ذات يوم مرض حمو ثم مات.. هو لم يمت مسمومًا مثل لويزة، لكن حمو مات مريضًا، ويوم دفنوه رأيت ذاك الكلب الأسود الغريب قدام باب المقبرة، لم يكن حمو يصلي ولم يكن مثل أبي يذهب إلى الجامع، وكان يقول له أبي: «صلّ يا حمو»، وحمو يضحك وهو يجذب نفسا طويلا من غليونه ويردّ على أبي: «ولكن لماذا أصلي؟!».. أبي يصلي كلّ يوم، يصلي في البيت وفي الجامع كل يوم، إلى أن شاخ وهو يصلي، أنا أيضًا أصلي لكن ليس كلّ يوم أصلي، في الجبل كنت أصلي كلّ يوم، وسألني الأمير: «أنت، لماذا لا تصلي؟!». أجبت: «أنا أصلي»..

وأزرورق وجه حمو، وعاد كأنه ليس حمو، وامتلأ  بيت حمو بالناس يوم أن مرض واحتضر ومات، وظلّ ريكس ينبح بشدة، ووقفت بعيدًا عن أبي الذي كان يرمي  التّراب فوق حمو، وقفت خلف الشجرة الكثيفة أبكي في صمت، لم يرني أحدا عندما كنت هناك خلف الشجرة أنظر إليهم وهم يوارون حمو الثرى وأبكي، فقط الكلب الأسود الغريب رآني وأنا أجتاز مدخل المقبرة، وقف شيخ قصير ذو لحية حمراء، قدام قبر حمو، وهو يتحدّث عن الموت والآخرة، وفجأة نهض حمو وظهر من تحت التراب ونظر إليهم ونظروا إليه، ثم كبروا، وقال الملتحي لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم عاد حمو إلى رمسه، وتفرق الجمع ولم يصدقني أحدا عندما قلت أني رأيت حمو ينهض من قبره ويعود، وهم قالوا أن الميت لا يعود إلا هناك في ذلك اليوم، يوم القيامة، وفي الليل قرأ «الطّلبة» القرآن إلى ما بعد العشاء وأكل النّاس الكسكسي وشربوا القهوة وتحدّثوا في أمور كثيرة، ورقدت في غرفة ابنة عمتي وازنة وفي الحلم رأيت حمو يركض على متن دراجته الهوائية..

* * *

كان والد حمو يتحدث الإسبانية بطلاقة وورثها عنه إبنه حمو الذي تزوّج من إسبانية من حي بريانطو بسيدي بلعباس، جاء بها إلى قريته قبل أن تموت بالطاعون ويغادر قريته إلى قريتنا ويتزوّج من شقيقة والدي زهرة، وكانت زهرة لا تتجاوز السّتة عشرة من عمرها وكانت في غاية الجمال، كان حمو ينزل إلى المدينة كلّ صباح ويأتي في كلّ مساء متأخرًا وثملاً، وفي أيام الأحاد كان حمو يشارك في سباق الدراجات الهوائية في المدينة وفي المدن المجاورة، وفي ذات يوم ذهبت وأبي وخالي الأكبر إلى وهران وتابعنا سباق الدراجات الذي انطلق من وهران وضواحيها وانتهى في ساحة «بلاص دارم»، ومنذ ذلك اليوم رحت أنتظر السباقات التي يُشارك فيها حمو، أركب داخل سيارة خالي ونحن خلف تلك الأسراب من المتسابقين، وعندما جاءت الثّورة لم يتوقّف حمو عن سباق الدراجات، ولم يتوقّف عن الشّرب، وجاءه أحد الفدائيين وهدده بالقتل ولكن حمو لم يتوقّف عن المشاركة في سباق الدراجات والذهاب بعد كلّ سباق إلى حانة «ماريولا»، وفي ديسمبر من عام 1960 خرج الأطفال والنّساء والرّجال إلى شوارع المدينة وأحرقوا المحلات وأطلقت عليهم النيران وأتلفوا حانة ماريولا، وكادوا يقتلون حمو الذي كان يجلس في الكونتوار مقابل ماريولا، وصرخ حمو وهو يعود في ذلك اليوم المليء بالنّار والغبار قائلا: «هؤلاء أصيبوا بالجنون»..

في صباح اليوم التالي وجد حمو كشكه بوسط المدينة متلفا، فشعر بالحنق على الثورة ودخل إلى بيته ولم يعد يخرج في المساء إلا نادرًا، في يوم الاستقلال لم يخرج حمو ولم يحتفل بالاستقلال، بل ذهب إلى وهران ليشارك في سباق الدراجات، وبعد سنوات لم يتوقّف حمو عن المشاركة في سباق الدراجات، وذات يوم قرّر أن يخلفه نجله البكر ديدان في سباق الدراجات، وكان ديدان قصير القامة يشبه أمه زهرة أكثر مما يشبه والده حمو، وكان حمو يقول كلمات مشينة عندما لا يرى فيه حماسة لسباق الدراجات، هو يريده بطلاً، وديدان لا يريد أن يكون بطلا، لا يريد أن يكون شيئًا ديدان، كان يكبرني ديدان بخمس سنوات، طُرد من المدرسة في نهاية الصفّ الإبتدائي، يحب ديدان الكلاب حبًا جمًا، وريكس يموت حبًا في ديدان، في الحقيقة ريكس لا يحب إلا ديدان، ما أن يرتفع صوت ديدان حتى يكف ريكس عن النباح، وعند القيلولة كان ديدان يفكّ قيد ريكس، ويبدأ ريكس يقفز ويتمسح على رجلي ديدان، والغبطة تتطاير من عينيه، ويغادر ديدان القرية رفقة ريكس ويتجهان إلى وادي صارنو.. يبعد وادي صارنو عن قريتنا بعشرة كيلومترات، ووادي صارنو لمن لا يعلم هو عبارة عن بركة كبيرة، فيها قصب وبطّ برّي، يفعل: «واط.. واط.. واط!»..

تمتد خلفه غابة كثيفة شديدة السّواد كلما توغّلت فيها، تعمرها أشجار كثيرة، تحفل بالخنازير والذئاب والأرانب وطيور السّمان، وكان أبي وأصدقاؤه يآتون كلّ نهاية أسبوع ويحملون معهم بنادق الصّيد ويطلقون النار، ويشعلون النار عندما تغرب الشمس ويشوون ويصخبون، وبعد سنوات لم تعد الغابة كما كانت، وكان العسكر يداهمونها من حين إلى آخر وهم يبحثون عن المسلحين، والمسلحون يطلقون النار والعسكر يطلق النار، وتشب النيران في كل مكان من الغابة..

تزوّج حمو من عمتي قبيل الثورة، وخلّف منها عدة أولاد وبنات.. وهم على التوالي قويدر وديدان ورحمة ووازنة وعباس، يكبر قويدر ديدان بسنة، قويدر يحبّ الطيور حتى الموت، يذهب إلى الغابة خلف وادي صارنو ويصطاد الطيور في تلك الغابة التي تمتد خلف وادي صارنو، وعندما تزوّج ملأ بيته الجديد بالطيور، وكان يتحدّث إلى الطّيور والطّيور تتحدث إليه، كانت لغتهما واحدة، وما إن تراه الطيور حتى تبدأ بالتغريد ويتحول بيته إلى سمفونية عجيبة، وفي يوم الأحد ينزل إلى السّوق القريبة من قريتنا وهو يحمل أقفاصا عديدة تغص بالطيور من كلّ الأصناف والأنواع، لم يكن قويدر يحبّ الدراجات الهوائية ولا سباق الدراجات الهوائية، وغادر قويدر المدرسة الإبتدائية وهو صغير، ولم يشتغل قويدر سوى أسابيع معدودات في كشك حمو، ثم غادر، وهو  دائمًا يضحك، وتسيل الدّموع من عينيه عندما يضحك، وعندما تزوّج فتيحة هو لم يكن يعرف فتيحة، ولا كان رأى فتيحة من قبل، بل هو لم يكن يلهث وراء الفتيات، ولا يفكر في الفتيات، كانت هوارية بنت ماحو تحب قويدر، تصغره هوارية بنت ماحو بثلاث سنوات، وهي متوسطة القامة، ذات سمرة فاتحة، وجسم فائر، وتضحك مثل قويدر في غالب الأوقات، ولم تكن تخشى شقيقها قادة ولد ماحو وهي تغازل أترابها ومن هم دونها في السنّ، ولم تدخل هوارية المدرسة قط، وعندما تتحدّث هوارية، تعتقد أنها درست في المدرسة، كان لديها عقل يفكّر، وكان لديها أيضا ثديان مثيران، وعندما تمرّ على قويدر وهو يقف بجنب عين القرية تكشف عن صدرها ويظهر منه ما يثير كلّ من يراها إلا قويدر فهو لا يهتز، دائما يتحدث إليها كأنه يتحدث إلى شخص ما، شخص وكفى! يشعل سيجارة ويطفئ سيجارة، يدخن سيجارة «الأفراز» ذات الرائحة الكريهة، أنا أكره رائحة الأفراز، وكانت هوارية بينها وبين نفسها تغضب ويستبد بها الحنق والغضب وقويدر غير عابئ بها، وفي ذات يوم قالت له: «أليس عندك قلب؟!».. وهو ضحك وقال لها لا أدري، فنظرت إليه ثم راحت تمشي بسرعة، مثل ريح تجري، ثم قالت له في ذات يوم أنها تحبه وهو عندئذ ضحك وأجاب: «لماذا أنا؟ّ!».. وردت عليه وهي لا تدري ماتقول: «لأنك أنت ياغبي».. وقال بلا مبالاة: «صحيح أنا غبي» ثم تركها وطار مع طيوره..».

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

العاهرات يعدن هذا الأسبوع

بُترت ساق الطّريق، وانفض من حول الحمام الرّيح، تعكّر مزاج السّماء لكنها رفضت أن تنوح، …

يوم تافه... وأشياء أخرى!

يوم تافه… وأشياء أخرى!

على نافذة الغرفة، لم تعد أمي تضع قشور البرتقال، لتجفّ. ما عادت أيضا تضع قشور …