الأحد، 9 أغسطس 2020

موسكو.. مائة عام بعد الثّورة!

موسكو في مئوية ثورتها الأهمّ

مائة عام تمرّ على الثّورة البولشفية(1917)، وموسكو حالياً تكاد تستعيد عافيتها، وتعود – تدريجياً – لممارسة هوياتها المفضّلة: ابتكار أعداء جدد. مع لعب دور «دركي» العالم الثّالث. تضع قدماً لها في كلّ مناطق النّزاعات، من أوكرانيا إلى بحيرات الكونغو، ومن كوبا إلى حلب والموصل!

الثّورة البولشفية، أهمّ ثورة شعبية في الاتّحاد السّوفياتي، في القرن العشرين، كانت ثورة ناعمة. لم تدم أكثر من يوم ونصف يوم. تمكّن فيها لينين والبولشفيون من الصّعود للسّلطة، في وقت كانت فيه المسارح تقدّم عروضاً لها، والمحلات تُتاجر مع زبائنها، والنّاس يتفسّحون في الحدائق والسّاحات العامّة، وكأن شيئاً لم يحصل!

هكذا تأسّست الإمبراطورية السّوفياتية، خلفا لسابقتها القيصرية، في غفلة من التّاريخ، وقامت بحربين، الأولى عالمية وأخرى باردة، واستمرّت، في الحكم وفي التأثير على العالم، حتى تفككّها، بعد 1991!

لكن عاصمتها التّاريخية موسكو لم تسقط قطّ، وقد بدأت تستعيد دورها وحيويتها في السّنوات العشر الأخيرة.

الشّخصية الرّوسية الحالية، ومزاجية فلاديمير بوتين مثلاً، لن تُفهم من دون الرّجوع قليلا للتّاريخ الحديث للبلد، خصوصاً حين نعلم أن 20 مليون من السّوفيات ماتوا في الحرب العالمية الثّانية(أو ما يُطلق عليها الرّوس الحرب القومية)، والعدد مثله ماتوا تحت حكم ستالين، الذي دام أكثر من ربع قرن (إعدامات، تصفيات وفي المحتشدات)، يعني نظرّيا أن 20 مليون مثلهم أو أكثر عاشوا طفولتهم يتامى، والنّساء أرامل وثكالى، ومن الطّبيعي أن ينعكس الحرمان في شخصية الرّوسي الحالي، وتطفو عليه نزعة للانتقام ممن سبب له ألماً: الجلاّد كان وما يزال: الغرب، في نظر الرّوس.

لكن، من هو الغرب تحديداً؟! كلّ من لا يتّفق مع النّظرة الرّسمية الشّمولية سيتّهم بالعمالة مع الغرب!

ألكسندر سولجنيتسين

والتّاريخ الثّقافي للبلد سيقدّم لنا إجابات عن تحوّلات الشّخصية الرّوسية، سنجد نموذجاً ملهما في حالة الرّوائي ألكسندر سولجنيتسين(1918-2008). ففي عام 1962، نشر روايته «يوم إيفان دونيسوفيتش»، في مجلة «Novy Mir»(العالم الجديد)، الرّواية تعود إلى بدايات الخمسينيات، وتحكي حياة معتقل في محتشد سوفياتي. المجلة التي نشرت الرواية نفدت في يومها الأوّل، والنّظام السّوفياتي ساءه أن يظهر عارياً أمام شعبه، فقام بالانتقام من الكاتب بمنعه من النّشر أولاً، ثم طرده من البلد لاحقاً، أيّام الرئيس بريجنيف.

عمّق ألكسندر سولجنيتسين من أحزان نظام موسكو بنشره كتاب «أرخبيل الغولاغ»(1970)، لندرك أن الثّورة البولشفية، التي جاءت بالأساس لتحرير الرّوسي من سطوة «اللصوص»، لم تقدّم الشّيء المطلوب منها، فقد تحوّلت البلاد إلى رمز من رموز الرّقابة والتّضييق على الكتابة وعلى الحريّات.

من مائة عام، ومنذ الثّورة البولشفية، كسبت موسكو غالبية حروبها الخارجية، فالأورثودكسية والشوفينية من ثوابت الهوية، وماتزال تفكّر ربما في حروب أخرى!

راتب طبيب في موسكو لايتعدى 160 أورو

إلى غاية منتصف الثّمانينيات، كان يمكن أن نجد مدناً سوفياتية لا يعمل شبابها سوى في مصانع الأسلحة، وبعد انهيار جدار برلين، ونهاية الحرب الباردة، أغلقت مصانع ووجد الملايين أنفسهم، بين عشية وضحاها، بلا عمل.

الأرقام الرّسمية تخبرنا أن أكبر عدد من الطّامعين للهجرة نحو الاتحاد الأوربي هم من شباب الجمهوريات السّوفياتية(بيلاروسيا، جورجيا، كازاخستان، طاجكستان، أوكرانيا..) وليس من أفريقيا، يكفي أن نعرف أن راتب طبيب في موسكو لا يتجاوز 160 أورو، لنعود إلى السّؤال الأساسي: متى تعيد موسكو النّظر في ثورتها الكبرى، وتصحّح أعطاب وضعها، في الدّاخل، قبل أن تواصل قمع مدنيين في الخارج؟!

في مئوية الثّورة البولشفية، تكون موسكو قد وقفت مجددًا على قدميها، لكنها لم تتخلّص بعد من ممارساتها القديمة، وفرضيات أن تمرض وتعود لسباتها من جديد ما تزال واردة!

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

أسرار ماتعرفهمش على… الكوستيم دومي مونش!

جقرور السعيذ في الدزاير وقبل الدوميل-دوز، كي تشوف واحد لابس كوستيم دومي مونش تعرف طول …

الإدمان؟ آفير تبزنيس!

كتبو: سيباستيان بوهلر. ترجمو: جقرور السعيذ في لي زاني سواسونت ديس، قررت الجماعة ألي تصنع …