الإثنين، 27 مايو 2019

الأصل المحيّر للغة العربية..!

رشيد فيلالي

من الظّواهر اللغوية المحيّرة التي ظلّت لغزًا مبهمًا ومستغلقًا إلى غاية لحظة كتابة هذه الأسطر، قصّة ميلاد اللغة العربية..

عجز الباحثون والعلماء المختصّون عن تعليل وتفسير كيف وُلدت العربية وأين حدث ذلك تحديدًا، وكيف تطوّرت بشكل معجز لا مثيل له بين جميع لغات الأرض، وفي ظرف زمني قياسي ومحدود للغاية.

ولا نقول ذلك من باب التفاخر والمزايدة والشوفينية بل استجابة لإلحاح علمي وسؤال لم يعثر له على جواب حتى الآن.

وقد زاد الأمر غموضا عدم العثور على آثار مكتوبة ومدونة بهذه اللغة باستثناء خمسة منها غير واضحة جيدا وتعكس الحالة الأولى (من ناحية الكتابة) للغة عربية بائدة، وكان ذلك في القرن الرابع الميلادي، وهو نقش النمارة (دمشق) وهي كتابة بالخطّ النبطي القريب إلى الخطّ العربي على شاهد قبر الملك امرئ القيس بن عمرو، لكن بعدها ظهرت نصوص شعرية تم تداولها شفاهة عبر الرواة بوجه خاصّ وتعود إلى العصر الجاهلي، وقد تأخّر تدوينها إلى غاية القرن الثامن الميلادي مع ما علق بها من إضافات وزوائد موضوعة وغير ذلك، لكن تلك النصوص الشعرية مشهود لها بالرفعة والإتقان والبلاغة و جودة التعبير.

وطبعًا يبقى التساؤل مطروحا: كيف تطوّرت لغة في ظرف مائة أو مائة وخمسين سنة على أقصى تقدير من حضيض البدائية إلى قمة الإبداع وأسماه؟

ثمّة سؤال آخر محيّر هو أيضًا وأخذ جدلا واسعا في أوساط اللغويين والباحثين المختصين، أقصد هل اللغة العربية، لغة فصحى انشطرت إلى لهجات محلية (على غرار ما حدث للغة اللاتينية مثلا) أم لهجات تحوّلت إلى فصحى؟ وهل صحيح أن العرب في الجاهلية كانوا يتحدّثون بلهجات عامية وليس اللغة الفصحى التي ندرس بها اليوم؟ والسؤال الآخر الذي لا يقل حيرة: هل صحيح أن لهجة قريش هي التي انتصرت على اللهجات العربية الأخرى وتحوّلت إلى اللغة العربية الفصحى؟!

الحقيقة هناك شبه إجماع اليوم من طرف الباحثين اللسانيين الذين تعمّقوا في هذا المجال (إبراهيم أنيس، الراجحي، محمد الناذري – الذي قدّم تحليلا موفقًا في هذا المجال ضمن كتابه فقه اللغة –، صبحي الصالح، الدكتور عبد التواب.. إلخ) يؤكّدون على أن اللغة العربية الفصحى تكوّنت من لهجة قريش تحديدًا، إضافة إلى لهجات أخرى، على غرار لهجة تميم وأسد وهذيل وطئ..

وكان الإسلام من بين الدوافع الجوهرية التي جعلت لهجة قريش تسود غيرها لأسباب طبعًا دينية (النّبي صلّ الله عليه وسلم من قبيلة قريش)وسياسية، اقتصادية، جغرافية.

ومن بين أبرز تأثيرات اللهجات الأخرى في اللهجة القرشية الفصحى، نجد مثلا النبر(نطق الهمزة) إذ رغم كون الهمزة من بين أشق الأصوات كما هو معروف، فقد حافظت اللهجات العربية عليه ربما لتميزه وفخامته، حيث نجد كل النصوص الشعرية (المعلقات مثلا لم يكتبها شاعر قرشي واحد!) تحتفظ بالنبر وتحقيق الهمزة بكتابتها، كما أن الحجازيين لا ينبرون على عكس التميميين مثلا (من الغريب أن أحد القراء السبعة ابن كثير وهو من مكّة ينبر في قراءته!!).

لذلك فإن اللهجة القرشية، ولهجات القبائل الأخرى انصهرت جميعا مكوّنة ما يسمى بالعربية الفصحى، علمًا بأن في تلك الفترة كان العرب يتحدّثون بلهجاتهم اليومية كلّ حسب منطقته، أي أن الفصحى كانت لغة أدبية راقية ليست في متناول الجميع، وقصّة فصاحة الأعراب وما حيك حولها من نوادر وقصص ومزاعم تحتوي في الحقيقية على الكثير من الأساطير والخرافات والمزاعم والروايات الموضوعة، على رغم ما فيها نسبيا من حقائق.. فتأمل.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

جائزة مقابل خيانة اللغة الوطنية

بتاريخ  30 جوان 1996، كانت قناة “TF1” الفرنسية بصدد نقل فعاليات الجائزة الفرنسية الكبرى لسباق …

هل التعريب في الجزائر استعمار جديد؟

هذا السّؤال الغريب في الحقيقة لم أطرحه أنا، بل هو استنتاج توصّل إليه الكاتب محمد …