الأحد، 16 يونيو 2019

طقوس الكتابة: هكذا أقرأ.. هكذا أكتب..

استطلاع: لونيس بن علي

كانت الفكرة بسيطة، وهي أن أنبش في غُرف الكتّاب، لأعرف كيف هي طقوس الكتابة لديهم.

لقد طرحتُ أسئلة من طبيعة ساذجة، أليس السّؤال السّاذج هو السؤال الأصلي؟

لا نكاد نسأل الكتّاب عن نوعية الأقلام التي يكتبون بها، وهنا أتذكّر ما قرأته لرولان بارت الذي تحدّث عن أقلام الريشة المفضّلة لديه، التي يجد راحة نفسية في الكتابة بها.

ثم ما تأثير هذا الانتقال من القلم إلى جهاز الكمبيوتر على طقوسهم الكتابية وعلى أساليبهم أيضا.

ماذا عن أوقات الكتابة.. ما تأثير الزّمن على الكاتب، وكيف يختار أمكنة الكتابة؟..

عامر مخلوف – ناقد

لم أعد أستعمل القلم إلا نادرا جداً، وفي حالة استعماله فهو من النّوع الجاف أو قلم رصاص.

أما عن علاقته بالكمبيوتر فيقول: نعم، وجدتُه أسهل، لأني من قبل كنتُ أستعمل الآلة الراقنة، ثم إن المرض الذي أصابني في كامل الجهة اليُمنى بما فيها الذراع طبْعاً،لا  يسمح لي بالشدّ على القلم والضّغط عليْه طويلاً.

للناقد عامر مخلوف طقوسه في القراءة والكتابة، يضيف: إذا لم يكن الكتاب يتجاوز 150 صفحة، أُفضِّل أنْ أقرأه في جلسة واحدة تتوسَّطها استراحة قصيرة، مستعملاً قلم الرّصاص لوضع الملاحظات والتلخيص بعد كلّ فصل. هذا إذا لم يحدث أي طارئ يُفسد البرنامج.

تعوَّدتُ أنْ أستيْقظ على السّاعة الرّابعة صباحاً، وفي أقصى الحالات لا أتجاوز الخامسة. فإذا لم أكن مرتبطاً بإعداد محاضرات للطّلبة، أشرع في المطالعة طيلة الصّبيحة. أرتاح بعد الغداء لأستأنف ابتداء من الثالثة أو الرابعة.

في المساء، فإما أنْ أتابع الأخبار والندوات أو أتابع فيلماً أو مقابلة رياضية. وإمَّا أنْ ألقي نظرة على الفايسبوك والبريد  الإلكتروني ثم أُغلق كلّ هذه النوافذ لأتفرَّغ للكتابة.

عادة أفضل موسيقى هادئة (عَلاَّ) مثلاً، أو أم كلثوم أومحمد عبد الوهاب أومحمد رويشة.

أشرب القهوة ولا أستغني عنها إلا إذا تَوفَّر مشروب آخر يصحب السيجارة ويكون مُلْهِماً.

أمل بوشارب – روائية

في الحقيقة أخذت وقتي في تأمّل خلفيات السّؤال، وإذا ما كان يمكن تقديم طقوس الكتابة على أنها وصفة الإبداع الخاصّة بكلّ كاتب. والحقيقة هي أن لحظة التحبير (وهذا ما أعتقد أن الاستطلاع يتناوله) وما يرافقها من طقوس بالنّسبة لي ليست إلا حلقة من عملية تبدأ بالبحث، القراءة، السّفر، جمع الانطباعات وفرزها ليبدأ تخميرها في الذّهن ومحاولة اختيار الشّكل الأمثل لها..

من المهم جدا بالنّسبة لي أثناء الكتابة التّواجد في مكان مرتّب أعرف كلّ تفاصيله.

لا أكتب عادة خلال الأسفار وأستغل الرحلات فقط للقراءة وتسجيل الانطباعات.

الوقت المثالي للكتابة بالنسبة لي هو في الصّباح لكنني أحاول التكيف مع بقية الأوقات. عموما أحاول التعامل مع الكتابة كتجربة احترافية لا أخضعها للمزاج.

أثناء الكتابة وقبلها، أفضّل الهدوء من حولي، لكن لا يزعجني في المقابل سماع أصوات المنزل المألوفة كعزف زوجي للغيتار مثلاً، فأجزاء كثيرة من رواية “سكرات نجمة” كتبتها على أنغام الروك والجاز فيوجن.

ناصر باكرية – شاعر

قبل الكومبيوتر وما منحني من نعمه التي لا تحصى، لم أكن دفتر شروط تعجيزية، كان مخاض النص حين يفاجئني، أبادره بما أوتيت من ضعف من أشيائي القليلة.

يكفي قلم مكسور، أو بقايا قلم رصاص في جيبي المثقوب، وتذكرة حافلة أو ورقة “ماصة ” أتسوّلها من “شمامجي” غريب، أو منديل ورقي من حبيبة عابرة( أذكر أنني كتبت نصًا بقطعة جبس على ورقة اسمنت). لأكتب ما يتأرجح داخلي كي  لا يلازمني القلق الحامض، ولم أصل يوما إلى ترف التخير بين الأقلام، رغم أنني كنت أحب أقلام الحبر السّائلة، خاصة حين أقص رأسها ليخرج الحرف منها في هيأة أخرى، أخادع بها الآخرين ولأبدو خطاطا محترفا، رغم أن خطّي كخط الطبيب غالبا لا يفهمه إلاّ صيدلي محترف.

في فترة الجامعة تعرفت على الكومبيوتر، ودخلت دورة تكوينية لمدة شهرين كاملين، استطعت من خلالها التعرّف على كيفية إشعال الجهاز دون عقدة او خوف من أن يحدث له شيء! ولم تمض فترة طويلة حتى كنت قد اقترضت من أحد أقاربي مبلغا باهضا، واقتنيت جهازا وحوّلت غرفتي بالحي الجامعي إلى غرفة عمليات، لمعالجة النصوص – مجانا – في غالب الأحوال، ومن ذلك الوقت بدأت علاقتي تتوطّد بهذا الكائن العجيب، وصرت قلما أكتب شيئا خارجه.

صحيح أنني أحبّ الكتاب الورقي وأجد فيه حميمية لكنني منذ زمن – بسبب ظروف قد لا يسعها السّياق – لم اعد اقرأ الكتاب الورقي إلا قليلا وصارت أكثر من 90 بالمئة من قراءاتي على جهاز الكمبيوتر وعلى جهاز قراءة الكتب (كيندل) لما يوفره الكتاب الإلكتروني من فعالية خاصّة في البحث.

في القراءة لم يعد لي طقوس مع مشاغل الحياة، أصبحت مؤمنًا أنه من الحماقة ان تنتظر ان تتفرغ للقراءة أو للبحث، لذلك صرت أقرأ في كل وقت وفي كل مكان، في العمل.. قد اصدمك إذا قلت لك أنني قرأت بعض الكتب وأنا اقود السّيارة باستثمار، ازدحام طرقات العاصمة في التّسلي بقراءة ديوان شعري أو رواية، وأحيانا  قراءة كتب متخصصة أيضا، لا أدّعي أنني استفدت من تلك القراءات لكنها على الأقل، وقتني جحيم الانتظار، وشرّ المدن المتوحّشة..

لاأؤمن بالثّبات ولا باليقين، أنا كائن قلق ولا طقوس لي ولا تقاليد، في القراءة ولا في الكتابة، كما أنني معجب بذلك الاشهار التلفزيوني  العميق:” انت مو أنت وأنت جوعان”. ففي فترات كنت أحتاج إلى بعض الصمت، أو الموسيقى الهادئة لأقرأ أو أكتب، وفي فترات أكتب  احيانا وأقرأ تحت موسيقى صاخبة، وأحيانا أقرأ والأطفال يتقافزون فوقي، دون أن أجد غضاضة في الأمر، لعلني اقنعت نفسي أن الحياة .. فرصة قليلة ينبغي أن تُلتهم كوجبة سحور باردة قبل بزوغ الغياب.

الكتابة فوضى رغم التّرتيب الذي تبدو عليه في نسخته النهائية للمتلقي. أما القراءة فهي أكثر تعقيدًا فما الذي نقرأه وما الذي نركّز معه. هل نحن نقرأ ما هو مكتوب  على الورق أم ما هو مكتوب فينا!

أشرب اللغة على الأرجح، وشيء من القهوة. المشروبات الأخرى هي قراءة وكتابة بنكهة أخرى لا ينبغي أن تُشرك بشيء. غير انني  عادة أنسى حين انخرط في القراءة بشكل خاص حتى التدخين والعكس يحدث حين أكتب.. أضاعف كمية السجائر.. هل قلت حين أقرأ وأكتب! الحقيقة الفادحة أنني حتى الآن لا أشعر أنني قرأت ولا كتبت شيئا..

محمد الأمين سعيدي – شاعر وأكاديمي

الكتب عندي نوعان؛ ما يرتبط بمجال التخصّص الأكاديمي، وقراءته تعني الجلوس إلى المكتب مع ورق وقلم لتدوين الملاحظات والتعقيب على الأفكار، والنوع الثاني هو ما أُطالعه للذّة شخصيّة فقط، وهذا يتحكّمُ في طريقة قراءته المزاج والحال، وتختلف أماكنه؛ السرير، المكتب، الحافلة، مقهى الدريسي بمشرية، جبل عنتر.. إلخ.

بداية؛ لا أحب الرّبط بين كلمتيِّ”الطقوس”و”القراءة”؛ لأنّ الأولى مستجلبة من المقدَّس، بينما الثانية تقع في عمق الدنيويّ. ولذا أعتبر الجمع بينهما فقهيًّا لا إبداعيا. ثم إني أظنني لا أملك طقوسا، وحتى ما ذكرتُه في الرّدّ على السؤال السابق ليس ثابتا، لأنه ليس مقدَّسا، بينما الطقس جمود قاتل.

أحيانا لا أسمع شيئا، لأنَّ الأغاني نصوص، وقد تشوّش على النصّ الذي يُكتَب، وحده الاستماع إلى الصمت الذابح – كما تعلّم أنْ يفعل سيدهارتا مع النهر في رواية هرمان هسة – قد يمكنني من اصطياد سمكة اللامرئي الفاتنة. أمّا حين أستمع فلكلّ حالة شعورية ومزاجية ما يناسبها، غالبا أحبّ الاستماع إلى بوب ديلان، جون لينون، جيمي هندريكس، بوب مارلي، باث هارتس… وأحيانا تبدأ خارطة السماع من الشيخ كريمو إلى الشيخة الجنية، ومن البار اعْمر إلى أم كلثوم.

دائما أحملُ معي النارَ، أقصد الولاعة، والقلمَ الأسود الحبريّ وقلم الرصاص، الأوراق لا أهتمّ بحملها كثيرًا، أي شيء يمكن أنْ أكتب عليه، من المناديل الورقية في المقهى إلى راحة اليد. لكنني لا أعوّل كثيرا على تدوين الأفكار الأولى من النصوص، أثق بالذاكرة التي ربيتها طويلا على التذكّر بما رسمته على اللوح بالحبر الذي صنعته بنفسي صغيرا من الودح والقْلُمْ الذي نحتّه بصبر من القصب اليابس. ثم إني فيما يخص الشعر، غالبا ما أحمل نصا في ذاكرتي لأيام، أحيانا لشهور(ولا أبالغ)حتى يكتمل في الذهن ثم أصبّه دفعة واحدة على البياض. مرة كتبتُ قصيدة طويلة على ورقِ كيس اسمنْتٍ، ومرة على وصفة الطبيب.

رغم أنّ علاقتي بالكمبيوتر قديمة إلا أنني أرقن عليه مقالاتي وعملي الجامعي فقط، لا أعتبر الكتابة إلا ما تخطّه اليد، وقد يكون هذا تخلّفا من ناحيتي، لكني مؤمن أنّ الحرف العربيّ بجمالياته وانحناءاته الفاتنة رسم وتشكيل.

أملك في غرفتي مكتبين وعلى جدرانها جزء مهمّ من كتبي، فيها مرسمي، لكن الفوضى عارمة بشهادة أمّي الزهرة، ولن أقول هنا أكثر فلا شيء عندي يسعد شغف القارئ.

الكتابة من حيث فلسفتها أثر زمنيّ/لا-زمنيّ في آن واحد. ولذلك لا أربطها بوقت معيّن، ولا أراها إلا قلقا وجوديّا يصرخ في وجه الكون المتغطرس. لكني أحبّ الليل دومًا، لا أكتب فيه بالضرورة، لكن أقرأ أو أرسم، أفكر، بل غالبا أمارس رياضة التفكير وأنا أتسكّع حين ينام بشر مدينتي.

بالتعبير المشرقيّ: أشرب الكثير من السجائر والقهوة وأضرب نصائح الطبيب على حائط اللامبالاة، أردّد جملة لا أعرف إنْ كانتْ صحيحة عند غيري، لكني مؤمن بها حدّ الامتلاء:”اللي يسمع لهدرة الطبيب بزاف يموت بكْري…”.

عبد الوهاب عيساوي – روائي

لأنني أهتمّ بالرواية التي تعتمد على الجانب التّوثيقي، فإنه دائما هناك عمل بحثي يسبق الكتابة، وهذا بتجميع المراجع التي أحتاج إليها ومن ثم قراءتها قراءة أولى واختيار ما أريد توظيفه والاستفادة منه بما يملأ كلّ شخصية. لأني أومن أن توجه الشخصية الروائية يسبق وجودها.

على سبيل المثال أني أريد أن أكتب عن علاقة الأديان ببضعها، يجب أن أبحث في هذه الأديان ومن ثم أخلق شخصية تتكلّم باسم كلّ دين، وهكذا دواليك.

وحين تجتمع القصاصات أمامي ويكون قد وازاها في ذهني تصوّر للشّكل الروائي الذي تقدّم به، لأنه يشكل هاجسا كبيرًا بالنسبة لي، ويتجلى ذلك في سؤال: ما هو أنسب شكل روائي لهذا الموضوع الذي اخترته؟ هل ينفع فيه الراوي العليم أم الراوي بصيغة المتكلّم، ثم مشكلة أخرى تتعلّق بالبدايات! كيف سأبدأ نصّي بحوار أو بجملة شعرية! وتبقى الخيارات دوما مفتوحة ولها علاقة نسبية مع الموضوع.

وهكذا أجلس أمام الكومبيوتر لأنني أكتب مباشرة على ملف(وورد)، أما القلم فاستعمله في تدوين الملاحظات التي اتركها لبداية الكتابة في اليوم الموالي، لأن الانقطاع عن الكتابة لساعات يجعلك تنفصل ولو جزئيا عما كتبته، وبالتالي يجب أن تترك علامات لتعيدك إلى لحظة مغادرتك النصّ.

من عادتي حينما أبدأ الكتابة أن أضع كوب القهوة إلى جانبي، وأدخن في لحظات متقطّعة بين الكتابة وليس أثناءها، وأحبّ أن تصاحبني موسيقى شوبان بصوت خافت، وأشرع في الكتابة.

في البداية يكون الأمر متعبا حتى أنسجم، وقد أكتب في اليوم خمسمائة كلمة، وبعد يومين أضاعف العدد فتصبح ألفا، وقد أثبّت عدد الكلمات إلى نهاية الرواية، بحيث أنني في ثلثها أعرف الأسبوع الذي أفرغ منها.

في حالات البطالة حينما أبدأ الكتابة مع العلم أني أكتب في فترة واحدة في العام وقد تكون شهرين أو ثلاثة أشهر متتابعة، أما بقيته فللقراءة، أما عن الأوقات اليومية للكتابة، فتختلف إن كنت في بطالة يمكن أن أكتب في كلّ وقت، أما في أيام العمل ففي الليل.

بشير مفتي – روائي

منذ فترة طويلة لم أعد أكتب بالقلم وأصدقكم القول لم أعد أتذكّر بأي قلم كتبت رواياتي السّابقة. لا شكّ أنه قلم (بيك) أزرق.

بدأت الكتابة على الكومبيوتر مباشرة مع رواية (بخور السّراب) ثم تعوّدت ولم أعد بعدها قط للقلم.

الآن أرتاح أكثر مع الكومبيوتر . هو يقدّم لي خدمات أفضل، خاصة أثناء المراجعة لا يضيع لك الوقت كثيرًا. ولكن مرّات تحدّث أخطاء فادحة. لقد ضاعت مني رواية بأكملها بسبب خلل في الجهاز ولم أستطع إنقاذ الملف. تألّمت لذلك كثيرًا.

أحبّ قراءة الكتب في الحدائق خاصّة ولكن هذا غير متوفر عندنا في البيت. ونادرا ما أقرأ على المكتب. لا أدري السّبب!

ليس لي طقوس في القراءة، فعندما يجذبني الكتاب إليه أغطس بكليتي فيه، أنسى كل ما يحيط بي.

ليس عندي مكتب، عندي طاولة صغيرة للكومبيوتر، وطاولة أخرى كانت جارتي سترميها فأعجبتني وطلبتها فمنحتها لي، تعجّ بعديد من الكتب ولهذا لا استعملها كثيرًا ..

لا أستطيع تنظيم وقتي بالشكل المناسب. ظروف الحياة والعمل تجعلنا نتعامل مع الكتابة كما يتعامل العاشق مع عشيقته في مجتمعاتنا، أي التحايل قدر المستطاع على الوقت، فحينما تجد فسحة زمنية مناسبة تسرقها وتستمر هكذا في معركة ربح الزمن وربح الكتابة

أشرب القهوة كثيرا وأدخن.. التّدخين مضرّ بالصّحة أعرف، لكنه ضروري لكي أكتب.. أنا مثل جبرا إبراهيم جبرا عندما قال بعد أن أنتهي من عمل أحاول أن أعدّ عدد علب السّجائر التي دخنتها.

محمد رفيق طيبي – روائي

لعلّ كمية القهوة أو الزنجبيل الذي يعوّضها كلما أرهقت البطن, غير كافية الليلة لأرد على أسئلة جاءت لتطرق أعماق الكتابة التي تتشكل وفق طقوس خاصّة بها، أوّلها رائحة القهوة التي تفتح الممرّات الرئيسية لتدفق الأفكار والرؤى وآخرها الجهاز الأسود من نوع “آسير” الذي لم استبدله منذ مدّة..

علاقتي بالكتاب عاطفية تقريبًا، أحبّه ولا أجرؤ على غرار قراء آخرين على تدوين أيّ شيء بداخله أو على غلافه بقلم يشوّهه، أحبّ الكتاب نظيفًا وأنيقًا، مثلما خرج من المطبعة ولا ألومه حين يحفر فيه الزمن تجاعيده فتتكثّف رائحة الورق خاصّة الأصفر أو ترتخي أوراقه. لكن يجب ألاّ يكتب عليه شيء إلاّ إهداء صاحبه إذا التقيته مصادفة ولا يجمعني بالإهداء حبّ كبير!

أقرأ في كلّ الأمكنة ولا طقوس لي إلاّ نسيان ما يُحيط بي من أصوات وأشياء، حيث أغوص بكل الجوارح متحديا الكسل ونظرات التعجّب في الأماكن العامّة وفضول الذين أعرفهم حين تشتد رغبتهم في معرفة العنوان.

الموسيقى كتاب آخر لا يجوز قراءته مع كتاب، فهذا ازدواج يشتّت الانتباه لذلك أحبّ الهدوء التامّ إلا صوت النيران وسط المدفأة، فهي ملهمة أيضا.

لا أكتب إلاّ في حالات محدّدة، تقع بين الإحباط الشّديد والسّعادة الكبيرة.. في هذه المواضع أجدني راغبا في كتابة رواية دفعة واحدة. لكنني أتعثّر بعد تراجع هذه المزاجات وأتوقّف لأنتظرها من جديد. الكتابة حالة استثنائية تعززها القهوة والقطيعة مع الوقت والآخر ويختلف الطقس باختلاف جنس الكتابة فهذا الحديث يرتبط بالرواية وبعض الشّعر أما المقال فلا ظروف له، أكتبه كيفما شئت وحيث أريد.

القلم تركته قبل سنوات وأنا أغادر مخطوط رواية “صيف العنوسة” التي لم تكتمل إلى غاية اليوم. حاولت نقلها إلى الكمبيوتر وإكمالها،لكن فشلت. الكتابة فوضى بطريقة ما وتزاحم للنصوص والرؤى أمام المكتب فأحبّه مكتظًا بالكتب والمفكرات والأقلام  وأشيائي الصّغيرة.

علاوة كوسة – قاصّ وأكاديمي

أكتب بقلم بسيط كالذي يكتب به أطفال الابتدائي أو المتوسط في احسن الاحوال. أكتب على الورق عادة إلا نادرًا. أقرأ الكتاب متكئا أو ممددًا على ظهري كما كنت أقرأ في صباي، راعيا لقطيع أغنامنا.

طقوسي في القراءة: الجو هادئ لأركّز جيدًا. قربي بعض ما أتناول كالقمح المڨلي أو البلوط أو القهوة. وأقرا في السّفر برًا وجوًا دومًا.. متقلبا شمالا ويمينا. أسمع موسيقى هادئة. هندية، أو دونها.. مكتبي دوما غير منظّم رغم إصرار الزوجة وعملها الدؤوب على ذلك. واحيانا اكتب بغرفتي أو غرفة بناتي أو أمام البيت.. وقتي المفضل للقراءة والكتابة هو الليل. كلّ منجزاتي العلمية والأدبية كانت ليلية. أنا كائن ليلي بامتياز.

بومدين بلكبير – كاتب وأكاديمي

1

كثيرا ما أستعمل لوحة مفاتيح الحاسوب في الكتابة، وقليلاً ما أستعمل القلم، ونادرًا ما أهتمّ بنوع القلم الذي أكتب به.

2

أقرأ الكتاب من الغلاف إلى الغلاف، أحاول أن أتعامل بحيادية مع كلّ النصوص على حدّ سواء، فلا أظلم النصّ الذي بين يدي ولا أحمله وزر صاحبه. أحاول أن أقتني كلّ الكتب حتى تلك التي لا أستسيغ أصحابها. أحاول أن أكمل قراءة الكتاب الذي أمامي حتى وإن لم أجد فيه ما يحفزني على الاستمرار.

3

ليست لدي طقوس نمطية بعينيها، بقدر ما لدي عادات متباينة في القراءة، فأقرأ وأنا في مكتبي، كما أقرأ وأنا راكب في الحافلة أو القطار أو الطائرة، كما أقرأ وأنا مستلقي على الفراش أو السرير، كما أقرأ في الأماكن المزدحمة بالناس كالمقاهي والمطارات.

4

أفضل القراءة كثيرا في السّفر، أقرأ كثيرًا وأنا مسافر كما أصبحت أكتب كثيرًا في السّفر، ففي السابق كنت أفضل الكتابة والقراءة ليلاً، لكن عاداتي تغيّرت، والدليل أني كتبت الشطر الأكبر من رواية “خرافة الرجل القوي” في أسفاري. كما اضطرتني رواية (إليف شافاك) عن جلال الدين الرومي إلى السفر إلى “قونية” بحثا عن اكتشاف الفضاءات التي دارت فيها أحداث الرواية، من خلال الجمع بين السياحة عبر النص والسياحة عبر الجغرافية.

أفضل كذلك القراءة قبل النّوم، ولأنني تورّطت منذ زمن في هذه العادة، أصبحت لا أقوى على إغماض عيني حتى أقرأ ما تيسر لي من صفحات الكتاب القريب دوما من سرير النّوم.

5

عادة ما أفضل أن يكون مكتبي مرتبا ومنسقا، لكن لما أنغمس في الكتابة (وخصوصا الأكاديمية)، تعمّ الفوضى ويختلّ كلّ تنسيق ويتداعى كلّ نظام، فتجد الكتب والمجلات كيفما اتفق؛ فوق بعضها في كلّ مكان، فوق المكتب أو الكراسي أو مرمية على الأرضية. لكن هذه الفوضى ليست عبثية، فدوما ما تكون خلاقة لنصوص أو مقالات أو بحوث أو دراسات.

6

غالبا ما يصحبني في الكتابة فنجان القهوة أو إبريق الشّاي، كما أُعتبر من المستهلكين الأوفياء للشكولاطة بمختلف أنواعها، والتي تكون مرفقة للقهوة أو الشاي.

عبد الرزاق بوكبة – قاصّ وروائي وشاعر

تختلف طقوس الكتابة عندي باختلاف الجنس الأدبي الذي أكتبه، فالقصّة القصيرة والومضة الشّعرية تتطلبان أن اكون على سفر إلى مدينة أحبّها، إذ يلهب السفر وركوب القطارات وسيارات الأجرة هذين الجنسين الأدبيين داخلي، فأجدني أكتب بصفة عفوية.

مع الرواية أجدني مرغما على العزلة التامّة، لذلك أتحلل من جميع الالتزامات وأحبس نفسي في مكان خالٍ تمامًا لا أسمع فيه إلا موسيقى حزينة جدًا، ولا أحلق ذقني أو أكلّم بشرًا أو أخرج إلى الحومة أو أشاهدا تلفازا أو أقرأ كتابا أو جريدة، وأتحلل من كلّ ثوب وأكثر من التعطّر مكتفيا بالأكل الخفيف الذي أعده بنفسي.

روضت نفسي على أن أكتب في اللابتوب مباشرة، ولا أجلس إلى مكتب بل أستلقي على بطني وأضع الجهاز أمامي، فكأنني في حالة صلاة، وقد تستمر الجلسة الواحدة ساعتين من غير أن أرفع يدي وعيني عن الجهاز.

مؤخرا بات يلهمني هذا الطقس كثيرًا: أحضر قبل الانخراط في الكتابة كومة من الاوراق، وأقوم بتمزيق إحداها كلما أنهيت مشهدًا من الرواية على الجهاز، فتكون الغرفة نهاية فترة الكتابة قد تحوّلت إلى عالم من الأوراق التي لا أكنسها إلا بعد أيام.

صادق بن طاهر فاروق – روائي

أنا أكتب على الكمبيوتر مباشرة..

أمّا وقت الكتابة، فليس لدي وقت محدّد.. عند الكتابة أحبّ أن تكون كلّ المشروبات أمامي: قهوة، شاي، منقوع، و أحبّذ أن يكون كلّ شيء هادئا، فأنا أتحسّس كثيرًا من الأصوات على اختلافها، أحبّ أيضا أن يكون المكان الذي أكتب فيه غريبا و مميّزا في شكله كأن يكون مظلمًا بعض الشّيء، أن يكون مكانا عالٍ قرب شرفة أو نافذة مثلاً.

أثناء الكتابة تتغيّر الأمكنة كثيرًا في المنزل فلا أحبّ الاستقرار و الروتين، دائما أسعى لتكسيره.

بالنسبة للقراءة أحفظ كثيرا من الروايات في (تابلات) وأقرا منها، أو كتبا ورقية ان توفّر ذلك. حاليا لست منظما كأن يكون لي مكتبا و غرفة للكتابة أو ما شابه.. ربّما أسعى في المستقبل أن أكون صارماً أكثر..

حكيمة صبايحي – قاصّة وأكاديمية

أهرب من الكتابة، أخاف مواجهة ذاتي في ركح الأبجدية. لذلك أتحجّج بأي شيء كي لا أكتب، لكنها تداهمني في لحظات العمل، عندما مثلا أكون ملزمة بتحضير مداخلة أو كتابة مقالة، أو حتى أثناء التّدريس.

غالبًا في الحالات الطّبيعية، تُباغتني لحظات الصّفاء في جوف الليل، أستيقظ من النّوم كأنني واحدة أخرى، أكتب ما أكتب، ثم أعود للنوم، في الصّباح أنسى تمامًا ما كتبت، لو لا الأوراق التي تدل على ذلك. أكتب بالقلم الأسود ولا يعجبني إلا الأسود في الكتابة ولا أعلم لماذا!

أما القراءة، فقد كنت أقرأ خفية عن إخوتي في الطفولة حتى لا أُعاقب، ثم في شبابي كنت أقرأ في كلّ مكان، كان الكتاب بالنسبة إلي هو مفتاح المعرفة والرّاحة، مع الوقت لم أعد أقرأ إلا لتحضير الدروس الجامعية أو الإشراف على مذكرات الماستر، والحمد لله أن تخصّصي في الحديث والمعاصر أدبا ونقدا، وإلا جعلني العمل الجامعي أميّة! مع المستوى الذي يزداد ضعفا من عام إلى آخر.

القراءة وحدها تجعل الكاتب، عندما يكون أستاذا جامعيا، ينجو من الانسياق المحتوم إلى الرّداءة.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

محمد عبيدو يكتب: كراسي الانتظار والمنافي

محمد عبيدو يكتب: كراسي الانتظار والمنافي

كلّ مساء في مدن أعمدتها من ريح وبيوتها من تعب نداري قسوة دهشتنا بين أمواج …

إذا كنت جزائريا فأنت كاتب هذه الرواية

إذا كنت جزائريا فأنت كاتب هذه الرواية

كمال داود هناك رواية جزائرية كتبها كلّ جزائريّ. يكفي أن تجلس، تتأمّل، مثنى أو ثلاث، …