الإثنين، 16 مايو 2022

صورٌ من اسطنبول

 

اسطنبول.. مدينة دافئة

«ترجع من اسطنبول بذكريات أكثر مما يتحمّله رأسك، مهما كُنتَ، وإذا أردت يوماً الكتابة عنها، بعدما قد كُتِب عنها، وجدت أمامك طريقتين: فإما أن تُتْمِمَ ما سُبِقْتَ به، وهذا عسير، وإما أن تذكُرَ ملاحظاتك الشخصية وتقدّمها مختزلة كصور أخذتها في الحين.. وهذا ما سأقدمّه لكم» – علي الدوعاجي، جولة في حانات المتوسّط، 1933.

* * *

في “الكتاب الأسود” و”الحياة الجديدة”، وحتى “ثلج” التي لا تدور أحداثها باسطنبول، يكتب أورهان باموق(1952-) عن المعاطف الثّقيلة لأبطاله، معاطف واسعة عليهم حتى، ورثوها عن أبائهم أو اشتروها من سوق (البالة)، معاطف داكنة وقديمة لكنها تحميهم من البرد القاسي لهذه المدينة..

وتماماً مثل البرد الجاف والقاطع للمدينة، ستجدُ سكان اسطنبول يستعملون سخّانات ومدافئ كهربائية تُطلق حرارة جافّة كالصّهد، ويبدو أنّهم يُعانون من مشكلة مع ضبط درجات الحرّارة، لتجد نفسك تنتقل من ناقص خمس درجات إلى زائد أربعين.

لكن، بالرغم من هذا، فاسطنبول مدينة دافئة، تستطيع أن تشتري ألبسة وقبعات قطنية دافئة من أي محل، كما يُمكنك ملاحظة قططها السّمينة النّائمة دائمة خلف الفيترينات في دفئ المحلاّت.. كما يُمكنك أن تُحارب البرد كلّ يوم بشرب عصير الرّمان والبرتقال، الذي سوف تجده يُباع على كلّ ناصية.

* * *

عندما عُدت الى الجزائر، كانت أسعار الفواكه قد ثقبت السّقف، الموز تجاوز سعر الكيلوغرام منه 600 دينار، حتى أن البوب آرتيست الموسطاش نشر صورةً لعرجون موزٍ أصفر موشومٍ بعلامة “برادا”، وعندما أفكّر في الأمر لماذا ترتفع أسعار الفواكه والأسماك في الجزائر رغم توافرهما بكثرة، لا أجد الاجابة!

الفاكهة في اسطنبول مثل أنهار تنبع من المحلاّت وتفيض في الشّوارع، أمّا هنا في العاصمة الجزائر فنحن فقدنا حتى عصّارات الفواكه التقليدية في الطّرقات، وبالنسبة لشعب اكتشف المراكز التجارية منذ سنوات قليلة جداً، ومتأخراً جداً، أظنّ أننا نصنع من هذه الأماكن الرأسمالية “أسواق فلاح” جديدة، وإذا كانت النُدرة قد سيطَرتْ على هذه الأخيرة، فإننا اليوم نكرّس الغلاء غير المبرّر في المراكز التجارية، وبالتّالي تنتقل العدوى منها إلى الأسواق الشّعبية والمحلاّت.

* * *

صور أتاتورك.. في كلّ مكان

“المزيد من أتاتورك”.. هكذا كانت تُعلّق رفيقتي كلّما دخلنا مكاناً ما، أو صرّفنا ليرات تركية ملوّنة مطبوع عليها صور أب الأتراك. صوره في كلّ مكان، يبتسم، يحيّي الجماهير، يشرب الماء، يشرب العرَق، يأكل، يركب العبّارة، يركب الترامواي، يركب السيّارة، يركب الطيّارة، يلبس قبعة كالباك ذات الفرو الأسود، يلبس بزّة عسكرية، يلبس بدلة سوداء، من دون قبّعة وعيونه تلمع، جالس، واقف، مائل من على شرفة، يقبّل رضيعاً، تقبّله عجوز. المزيد والمزيد من أتاتورك.

في بيشيكتاش مشينا نحو منطقة أورتَكوي لمدّة عشرين دقيقة، شارع طويل يمتد ربما لكيلومتر أو أكثر، على يميننا قصور وجامعات خلفها البحر، شارع طويل بأشجار سامقة مبلّلة، شارع جميل، وعلى اليسار.. على طول اليسار سور واحد لشيءٍ يشبه الحصن والقلعة والمجمع في آن واحد.. وعلى طول هذا السور كنّا نشاهد صور أتاتورك، كأننا في معرض صورٍ مفتوح.

* * *

“إن العالم الذي نخلقه بعد سنوات وسنوات من الكتابة المليئة بالأمل سوف يتحرّك في النّهاية إلى أماكن أخرى مختلفة تماماً”، هكذا يقول باموق في خطابه لجائزة نوبل للآداب. يقول أنّ العالم الذي يخلقه الكاتب يتحرّك بعيداً عن منضدته نحو أماكن أخرى، كلوح خشب يطفو ويصطدم، بعد رحلة طويلة، بضفة ما.

رَسَت كُتب باموق على أرفُف مكتبتي منذ سنوات، كان أوّل كاتب حرصت على أن أقتني كلّ كتبه، ورغم أنّي صرت أنزعج من أشياء كثيرة في كتابته، لكني دائما ما كنت أعود إليه، أتجاوز الصّفحات الطويلة والاستطرادات التي يحبُ أن يزرعها في كلّ مكان، وأذهب مباشرة نحو الجواهر المحشوّة في الوسط، باموق ليس كاتب شذرات ولم يدّعي يوماً أنّه كذلك، لكنكَ وبصبر قليل ستحصل على مفاجئات عديدة بعد كلّ دزينة صفحات. تماماً كما يمكنك أن تضيع في شوارع اسطنبول في منتصف الليل، لتقع وسط كل هذا البرد والظّلام على لافتة زرقاء كُتب عليها: Cezayir Sokak أو شارع الجزائر.

* * *

شارع الجزائر

أما شارع الجزائر فهو زقاق يقع في درج يمتدّ على طول مائة متر ربما، غير بعيد عن منطقة غالاتا سراي وشارع استقلال، زقاق على شكل درج طويل بين شارعين، ولكنه زقاق شهير بسبب باراته، ليس به إلاّ بارات ومحَال للسّهر.. وعندما جلسنا في مكان يُدعى(La Fée) قُلت لرفيقتي: دوكا فهمت علاش ماكانش بزاف بارات في دزاير.. هربوا لهنا! وكانت نُكتة سخيفة رغم واقعيتها.

وبينما نحن نشرب “كوبا ليبر” في ذكرى كاسترو الذي كانت ملصقات تحمل صورته على جدار غير بعيد، حكى لي صاحب المحلّ أنّ الزقاق كان اسمه “فرنسا سوكاك” وتمّ تغييره إلى اسم الجزائر سنة 1962 عندما استقلّت هذه الأخيرة.

* * *

لكن لم يكن هذا الشّارع الوحيد الذي يحمل اسم الجزائر، ففي منطقة أورتاكاي وجنب المتحف البحري لاسطنبول نجد ساحة كبيرة مفتوحة على البحر، وفي وسطها تمثال ضخم للأخوة بربروس، أشهر ريّاس (أو قراصنة) السّلطنة والذين فتحوا الطّريق للعثمانيين في الجزائر، وعلى بُعد أمتار من التّمثال يتزاحم النّاس على الرّصيف لركوب العبّارات والذهاب للضفة الآسيوية من المدينة.

المهم، بين المتحف والسّاحة هنالك شارع صغير، ينحدر من الطّريق العام نحو البحر، هذا الشارع الصّغير جنوب المتحف اسمه شارع الجزائر أيضاً، في إشارة الى الولاية العثمانية السابقة، صاحبة أقوى أسطول بحري في المتوسّط. ولأنّ المتحف فاض بمحتوياته، توزّعت المدافع الضّخمة على أطراف الساحة موجّهة كلّها نحو البحر.. لا تُخيف أحداً.

“المتاحف تبدأ بأشياء صغيرة وحميمية، وتنتهي في مساحات ضخمة وباردة.. لأن الشّعوب والدول تُحب أن تصنع من الحكايات والتفاصيل ملاحماً”، هذا ما كتبه – بالتصرّف – أورهان باموق على مدخل متحفه، ضمن نصّ أطول قليلاً أسمته رفيقتي بالمانيفستو.

* * *

أورهان باموق في متحف البراءة

“متحف البراءة” تماماً كما عنوان رواية باموق، التي صدرت بعد فوزه بنوبل، هذا المتحف الصّغير والمنياتوري يجمع في كلّ طابق من طوابقه عدّة نوافذ صغيرة معلّقة على الجدران، نوافذ لا تفتح على شيء سوى الذّاكرة، تحوي بداخلها صوراً وتذكارات وأشياء نجدها في قصّة الحب التي تدور حولها الرواية، قصة حبّ في اسطنبول بين الخمسينيات وعام 2000، بين كمال ابن العائلة البورجوازية وفتون البائعة في أحد المحلاّت.

العتمة تلفّ المكان، وإضاءات خفيفة داخل كلّ نافذة، فهذه تضمّ كؤوساً مختلفة لشرب الشّاي أو العرَق، وتلك تضمّ زجاجات قديمة للكولونيا التركية، ونافذة أخرى بها أحذية فتون، ونافذة رابعة بها صورٌ من مصيفِ العائلة.. تختلط الأمور على المتفرّج والقارئ، هل حدثت القصّة في الواقع أم لم تحدث؟ من أين جمع باموق كلّ هذه المقتنيات؟  كيف جعل من مشروع المتحف الذي يقوم به البطل في الرواية، حقيقة قائمة على شكل منزل أحمر في منطقة فيروز آغا.. وذلك الجدار في الطّابق الأرضي، الذي يحوي المئات من أعقاب السّجائر المثبّتة بمسامير عديدة، وتحت كلّ سيجارة ملحوظة عن تاريخ تدخينها.

* * *

صورٌ وصورٌ وذكريات ودفاتر وكُتب تشتريها وكلمات تُحاول حفظها، وكُتب تتمنّى لو كُنت تعرف التركية لتقرأها ومنطقة كاديكوي على الجانب الآسيوي، والتي تتمنى أن تعيش بها سنة على الأقل، رغم الشيوعيين المملّين داخل مركز ناظم حكمت الثّقافي هناك.

من الصّعب أن تختزل اسطنبول في نصّ واحد كما يقول القّاص التونسي علي الدوعاجي، الذي عاش ومات فقيراً، وعندما ورث قليلاً من المال، قام برحلة عبر المتوسط، وزار كلّ حانات الموانئ والمدن التي نزل فيها. تقول لنفسك أنّه يجب أن أقرأ أكثر عن تاريخ الجزائر والعثمانيين، عن حُكم الدايات والمجازر التي قاموا بها، وعن المدينة كيف تتطوّرت وتوسّعت في وقتهم، وعن كلّ حكايات القراصنة وأغانيهم. لكنك لا يُمكن أن تنسى وسط كلّ هذه المشاعر والصوّر، وقوفك بمقهى بربروس الذي يقع أعلى بناية مقابلة للمتحف البحري، الجو مُظلم والمطر رذاذ، والجزء الآسيوي تلتمع أضواءه خلف ضباب البحر، في تلك اللحظة رأيت أشباح السّفن التي جاءت من المحروسة في جنوب المتوسط، رأيت القراصنة على مقدّماتها، قطعوا بحراً كاملا للوصول إلى المضيق – المدينة.. أو ذلك العازف الحزين والمتّسخ كملائكة كيرواك، الذي يُمسك كماناً من خشب سيء وغير مطلي، ويعزف بشجنٍ جنب جامعٍ من ذهب في أورتاكاي..

اسطنبول كتلة متناقضات رهيبة، ونحن، كما تقول رفيقتي، الذين ضيّعنا نجومنا في السّماء لا يسَعنا إلاّ أن نحب المُدن المشحونة بالثنائيات والتناقضات حدّ الثمالة.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

آرثر رامبو : المثلية ظاهرة شعرية

بثينة سرمدة   الشاعر الفرنسي المعروف آرثر رامبو (1854 – 1891) لم يكن مثليا, كتب الكثير …

هادي يحمد

هادي يحمد: لا يمكن تأسيس ديمقراطيّة دون العلمانيّة

حاوره: العائش تركي اشتهر هادي يحمد بكتابه “كُنت في الرّقة.. هارب من الدّولة الإسلامية” وصدر …