الإثنين، 16 مايو 2022

أوّل فيلم جزائري بعد الاستقلال: صوت اليتامى

يُعتبر فيلم «سلام فتيّ» أو «سلم حديث العهد» Une si jeune paix، أوّل فيلم روائي بعد استقلال الجزائر، من اخراج جاك شاربي (1929- 2006) وهو مخرج فرنسي، عُرف بمواقفه المناهضة للاستعمار، والمؤيّدة للثورة الجزائرية واستقلال الجزائر.

التحق بشبكة جونسون (نسبة لمؤسّسها فرانسيس جونسون، وهو فيلسوف فرنسي، صاحب مجلة الأزمنة الحديثة) سنة 1958 رفقة زوجته ايلين. ليعتقله الجيش الاستعماري في شهر فبراير 1960. تحصّل على الإفراج المؤقت، بسبب تردي وضعه الصحي، استغل فرصة الافراج، للفرار واللجوء الى تونس. وهكذا حكم عليه غيابيا بعشر سنوات سجنا. ليعود بعد الإستقلال للاقامة في الجزائر العاصمة.

الفيلم  أنتجه المركز الوطني للسينما الجزائرية (انتاج سنة 1964)، تقاسم البطولة فيه مجموعة من الأطفال الحقيقيين من أبناء الشهداء، كما شارك في التمثيل، كل من الممثلين حسن الحسني، وكلثوم. ووضع موسيقى الفيلم عميد الأغنية الشعبية الحاج محمد العنقا.

يتناول الفيلم، معاناة الأطفال اليتامى من أبناء الشهداء، ويسلط الضوء على وحشية وفظائع الحرب، والتي لا تزال راسخة في نفوس ووجدان هؤلاء اليتامى الصغار، الذين فقدوا كل شيء بما في ذلك براءتهم الطفولية. تبدو رغبتهم شديدة كباقي أطفال العالم، في أن يلعبوا ويمرحوا ويعيشوا عالمهم الطفولي. ولكنهم بدل ذلك، يكتفون باللعب داخل مركز أطفال الشهداء الذي يأويهم، لعبة الحرب.

في كتابه “حاملو الأمل” Les Porteurs d’espoir  يُرجع جاك شاربي سبب وقوفه مع القضية الجزائرية، ومناهضته الاستعمار، الى علاقته مع صديقه كاتب ياسين، واطلاعه على أعماله، يقول :  “كيف وجدت نفسي في 1958 ضمن شبكة لدعم جبهة التحرير الوطني الجزائرية، وكيف تغيّرت حياتي. هناك جملة من الأسباب، من بينها خاصة علاقتي بكاتب ياسين، الذي التقيت به وقرأت مؤلفاته. لقد فتح عيناي على مساوئ الإستعمار الفرنسي بالجزائر، وخاصة حول القمع في 8 ماي 1945 الذي ترك فيه أثرا بالغا”.
في رصيد جاك شاربي، العديد من الأعمال التي كتبها، على غرار  “الجزائر في السجن” و “أبناء الجزائر” . وقد تعرّض الكتابان للرقابة في فرنسا، وتم منع توزيعهما.

لم يكتف جاك شاربي بالتعبير عن مساندته للقضية الجزائرية، وفضح الاستعمار، على مستوى الكتابة والاخراج، بل انتقل الى مستوى الموقف، في سلوك انساني يقل نظيره. وهكذا سيتبنى الطفل مصطفى بلعيد، أحد الأطفال اليتامى، الذي شارك في تمثيل فيلمه «سلام فتيّ»، والذي قتل الجيش الفرنسي أبويه أمامه، واحرقوا ذراعه. سيأخذه معه الى فرنسا، وسيعيش معه الى غاية وفاته.

فيلم «سلام فتيّ» Une si jeune paix، فيلم يستحق المشاهدة، لصدقه ولبعده الانساني. ويستحق مخرجه جاك شاربي، لمواقفه المناهضة للاستعمار، والمؤيدة للثورة الجزائرية، والتي كلفته سنوات من السجن والكثير من الاقصاء، أن يحظى بتكريم يليق بمقامه وبمواقفه.

Enregistrer

Enregistrer

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

عندما دافع كاتب ياسين عن الأمير عبد القادر وأشاد بفكره وجهاده

لم يكن الأديب الجزائري الراحل كاتب ياسين، يبلغ من العمر سوى 17 عاما، عندما قدم …

يوم زارت ايزابيل ايبرهارت عنابة، واعتنقت الإسلام

في شهر ماي من سنة 1897م، جاءت إيزابيل إيبرهارت إلى الجزائر، وعمرها لا يتجاوز العشرين …