الأربعاء، 26 فبراير 2020

في إيطاليا.. 10 آلاف لهجة!

رشيد فيلالي

تملك إيطاليا رغم مساحتها الصّغيرة (نصف مساحة فرنسا) ثراء لغويا هائلا وغير عادي.

ربما يتجاوز ما تملكه فرنسا وألمانيا معًا، رغم أن هذين البلدين الأخيرين يعرفان بتعددهما اللغوي المدهش مقارنة ببلدان أوروبا الأخرى.

لكن فيما يتعلّق بدولة إيطاليا فإن الأمر يدعو للحيرة والذهول فعلا، إذ تكاد كلّ بلدية من بلدياتها المقدرة بحوالي 8 آلاف بلدية الموزّعة على 20 مقاطعة (خمس منها ذات تسيير خاصّ) يتكلّم سكانها لهجة محلية مميزة.

وحسب البروفيسور وعالم اللهجات الإيطالي أوغو فينيوتسي(Ugo Vignuzzi) فإن عدد اللهجات في إيطاليا(dialetti italiani) يقدّر بعشرة آلاف لهجة، من بينها 400 لهجة واسعة الانتشار.

وعلى عكس ما يتصوّره البعض، فإن اللغة الإيطالية حسب المختصين تعتبر اللغة الأمّ لحوالي 30 مليون نسمة من الإيطاليين، أي ما يعادل 52 في المائة من الإيطاليين!! لكن وفقا لتحقيق أنجز عام 1991 فإن ما يعادل 85 في المائة من الإيطاليين تخلّوا عن لهجتهم الأصلية غير أن هذا لا يمنع من بقاء عدد من هذه اللهجات الكثيرة يستعمل على نطاق واسع ويومي، على غرار لهجات البندقية وصقلية وسردينيا..

ولأن الاختلاف بين اللغة الإيطالية واللهجات الأخرى يكاد يكون جذريا وعميقا جدًا، فقد منحت السّلطات الإيطالية رخصة لتخصيص بعض السّاعات والتدريس بهذه اللهجات في المرحلة الإبتدائية فقط، أما بقية مراحل التّعليم فإن ذلك يتم باللغة الإيطالية.

ومعلوم أن لغة دانتي هي في الأصل إحدى اللهجات التي تفرّعت عن اللاتينية الأمّ (مع الفرنسية والبرتغالية والإسبانية والرّومانية، إلخ) وتعتبر توسكانيا (فلورنسا) موطنها الأصلي وكانت هذه المنطقة شهيرة بفنونها ونهضتها الثقافية الكبيرة.

كما أن اللغة الإيطالية بفضل ذلك صارت لغة الثقافة العالمية لسنيين عديدة وقد أثّرت في جميع لغات العالم ضمن هذا المجال وخاصة في مجال الموسيقى، وللتّذكير فقد صارت اللغة الإيطالية لغة إيطاليا بعد توحيد إماراتها سياسيا عام 1861 ومع ذلك فقد كان آنذاك 20 في المائة فقط من الإيطاليين يتحدّثون اللغة الوطنية و2.5 في المائة فحسب يجيدون الكتابة بها!

كما أن كبار الكتاب والأدباء الإيطاليين كتبوا بهذه “اللهجة” المحلية وهم دانتي أليغييري وبوكاتشي وبيترارك وقد أطلق دانتي اسم “لغة نعم langue de sì” على اللغة الإيطالية، تشبها باللغات الفرنسية التي تطلق الوصف ذاته على لغات مناطقها الجغرافية (langue d’oc) و(langue d’oïl).

كلّ بلدية في إيطاليا يتكلّم سكانها لهجة محلية

وفي الحقيقة أن اللغة الإيطالية صعبة جدًا من حيث القواعد، لكن من حيث الإملاء فهي سهلة جدًا، كونها تكتب مثلما تنطق، شأنها في ذلك شأن اللغات الكرواتية والتشيكية والرومانية والإسبانية وحتى الألمانية بدرجة أقلّ نسبيًا، ولهذا السّبب فإن تلاميذ المرحلة الإبتدائية من المتكلمين باللغة الإيطالية يتعلّمون الكتابة بدون أخطاء أسرع وأفضل بكثير من متعلمي اللغة الفرنسية مثلا، الذين يقضون سنوات عديدة قبل التّحكم في قواعد الإملاء بشكل نسبي مقبول..

والسّؤال الجوهري في ختام هذا العرض هو: ماذا لو طالب كلّ سكان إيطاليا، كلّ من موقعه في هذا البلد، بتدريس لغته أو لهجته الخاصة في التعليم، وأصرّ على أن تكون رسمية أيضا في الدستور الإيطالي، طبعا من باب الدّفاع عن التدريس باللغة الأم والاعتراف بها قانونيا والعمل على نشرها في عموم إيطاليا، كونها لغة وطنية وجزء من التراث الإيطالي؟..

وفي هذا السّياق دائما، سألت صديقتي الشاعرة الإيطالية الكبيرة إدا تاسي(Edda Tassi)عن رأيها في هذا الموضوع، فقالت لي بأن الفضل في توحيد إيطاليا يعود إلى اللغة الإيطالية التي عمل مشاهير الكتّاب والفنانون على ترقيتها ومنحها هذه الخصوصية الثقافية التي تتميّز بها في عموم أوروبا والعالم أجمع، وأوضحت لي أيضا بأنها مع ذلك لا تنكر أن اللهجات المحلية الإيطالية تمنح زخمًا كبيرًا للغة الإيطالية فهي لا تتورع في إثراء نصّها الشعري بتوظيف بعض الكلمات العامية من لهجتها والتي لا تعترف بها أكاديمية اللغة الإيطالية “أكاديميا ديلا كروشا”(Accademia della Crusca)، وهي تشبه الأكاديمية الفرنسية ومجامع اللغة العربية..

كما أكدت لي بأن في إيطاليا هناك أعمال مسرحية مهمّة تقدّم باللهجات المحلية وناجحة للغاية على غرار عمل الفنان الكبير إدواردو دي فيليبو(Eduardo De Filippo) باللهجة النابولية الجميلة، ويمكن الإطلاع على هذا العمل في الفيديو أسفله.

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

جائزة مقابل خيانة اللغة الوطنية

بتاريخ  30 جوان 1996، كانت قناة “TF1” الفرنسية بصدد نقل فعاليات الجائزة الفرنسية الكبرى لسباق …

هل التعريب في الجزائر استعمار جديد؟

هذا السّؤال الغريب في الحقيقة لم أطرحه أنا، بل هو استنتاج توصّل إليه الكاتب محمد …