السبت، 23 سبتمبر 2017

توابل المدينة.. من أجهض الاستقلال الجزائري؟

عبد الرزاق بوكبة

من وسط الجزائر العاصمة
من وسط الجزائر العاصمة

لم تحظ مدينة الجزائر العاصمة، بالدّخول إلى متون روائية كثيرة، كثرة تناسب شساعتها وسطوتها، سواء على أيدي روائييها الذين يُعدّون أصلاً على أصابع اليد الواحدة، وهو معطى جدير بالانتباه والنّقاش، أو على أيدي عشرات الرّوائيين الذين قدموا إليها من المدن الدّاخلية، التماساً للشّغل أو الشّهرة، ذلك أنها احتكرت المنابر الإعلامية والثّقافية، منذ الاستقلال الوطني(1962)، وكأنها تجسد المقولة التي أطلقها شارل ديغول (1958): “الجزائر هي الجزائر العاصمة”. في إشارة إلى أنّه لا مجد ولا شهرة خارج هذا الفضاء المهيمن.

عكس مدن جزائرية أخرى، شكّلت فضاءاتٍ مكانية لروايات بعضها ذاع صيتها عربياً، مثل قسنطينة في روايتي “الزلزال” للطّاهر وطار” و”ذاكرة الجسد” لأحلام مستغانمي مثلاً، ووهران في روايتي “الموت في وهران” للحبيب السّايح و”يصحو الحرير” لأمين الزاوي”، وعنابة في رواية “وليمة لأعشاب البحر” لحيدر حيدر، ومدينة الجلفة في روايتي الأخوين إسماعيل وميلود يبرير “جنوب الملح” و”باردة كأنثى”، ومنطقة المسيلة في روايتي “متاهات” لأحمد عبد الكريم و”قديشة” لرابح ظريف.

في ظلّ هذا اليتم السّردي الذي لاحق عاصمة أكبر بلد عربي وإفريقي من حيث المساحة، وإحدى أكبر وأجمل الحواضر المتوسطية، طلعت قبل فترة رواية “توابل المدينة” للكاتب حميد عبد القادر(1967-)، لتجيب على جملة من الأسئلة المتعلّقة بالخواء الثقافي والحضاري والرّوحي الذي تعانيه الجزائر العاصمة، التي باتت لا تحضر في الأغاني الشعبية، وهي الحاضنة لإحدى المدارس الموسيقية الأندلسية الثلاث المعروفة بمدرسة الصّنعة، إلا بوصفها ذاكرة مفقودة أو مشوّهة، فهي مدينة مبرمجة على الحنين إلى ماضيها، أين كان مقهى واحد من مقاهيها، في حي “باب الواد” أو في “بلكور” يصنع من الوعي الفنّي والوطني، ما عجزت عن فعله اليوم مؤسساتها الثقافية والفنية التي يفوق عددها عدد شوارعها.

توابل المدينة
توابل المدينة

رواية “توابل المدينة”(منشورات دار الحكمة) عزت هذا الخواء إلى جملة من القرارات المتعسّفة التي اتخذها نظام الاستقلال الوليد، منها القضاء على الطبقة البرجوازية التي تمثّلها عائلات متأصّلة، ذات أصول أندلسية وتركية وأمازيغية، والتي كانت تشرف على فضاءات تجارية وفنية ترعى الآداب والفنون، وتُغذّي الحياة اليومية في الشّارع الجزائري بالمواهب والطقوس التي تمنحه روحاً حضارية، خاصّة أنها لم تعادِ التعابير الفنية للقرية الجزائرية، وعياً منها بالتّكامل الثقافي داخل الفضاء الوطني الواحد.

“توابل المدينة” استحضرت وقائعَ ووثائق تثبت أن هذه البرجوازية لم تكن واحدة، في موقفها من الثّورة ومن مقولة الاستقلال عن فرنسا، فقد وضعت وجوه كثيرة منها نفسها وأموالها ونفوذها في خدمة الثوّار، وقدّمت إلى جانب الطبقات الأخرى للمجتمع شهداء ومساجين ومنفيين، لكن نظام الرئيس أحمد بن بلة، ثم من بعده نظام الرئيس هواري بومدين، استأصلاها بحجّة التأميم الذي يصبّ في مصلحة الشعب، وبحجّة أنها لم تنخرط في المسعى الثّوري كما يجب، انطلاقا من عقدتهما من عمقها التّنويري، لكونهما نظامين يجسدان الأبعاد القبلية في الحكم، ويستندان إلى الشّرعية الثورية، لا شرعية الكفاءة والخبرة والصّندوق.

قُتل من قُتل من هذه الطبقة، وشُرّد من شُرد، وتم منح الفضاءات التي كانت في حوزتها لقرويين حوّلوها إلى محتشدات بلا نبض ولا روح، وهو ما مهد لترييف المدينة الجزائرية، وأثمر مسوخاً عمرانية أقصى طموحاتها التوسع الإسمنتي الذي لا ينتج إلا الجريمة والقواميس العنيفة.

هنا قدمت الرواية نفسها هذا الواقع على أنه مؤامرة على الاستقلال نفسه، واجتهدت في ربط الخيوط بين فاعليه، بداية من الضّباط الذين التحقوا في أواخر الموجة الثورية، بأمر من الجيش الفرنسي بجيش التحرير الوطني الجزائري، حتى يتحكموا في مفاصل الإدارة والحكومة، ووصولاً إلى أمراء الإرهاب والعنف في تسعينيات القرن العشرين، والذين نفذوا اغتيالاتٍ واسعة للنّخبة المثقفة، وفق مخطط محكم يشي بأن هناك خطة لتصحير البلاد.

تجاوز حميد عبد القادر في “توابل المدينة” روايتيه السابقتين “الانزلاق” و”مرايا الخوف”، من حيث اللغة التي بدت أكثر إشراقاً وقدرة على استكناه النفسيات المتناقضة، وهي تعبّر عن أحلامها وأوجاعها، ومن حيث المعمار الذي سمح للأصوات المختلفة، على مدار خمسة عشر فصلاً، بأن تقدم نفسها بنفسها، بعيداً عن سلطة الرّاوي العليم، وهي التقنية التي وفّرت جرعة أكبر من الحرية وديمقراطية السرد.

هنا يطرح هذا السؤال نفسه: هل ستتولى الرواية في الجزائر مهمة التأريخ للثّورة بكل تناقضاتها، في ظلّ أرشيف كبير مسجون في فرنسا، وتاريخ رسمي يرى فيها حركة منزهة من كلّ العيوب؟!

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

المذيع العاق

فصل من رواية “المذيع العاقّ” لجلال حيدر

جلال حيدر (من مواليد 1989 بخنشلة)، كاتب وشاعر. ستصدر، الشّهر القادم، باكورته الرّوائية، بعنوان “المذيع …

عن قراءة وإعادة قراءة”الغريب”

قرأت رواية “الغريب” لألبير كامي، هذه المرّة، بشهية كبيرة. قرأتها بترجمات ثلاث مختلفات في نفس …