الأحد، 19 نوفمبر 2017

وفيات الأعيان.. في الموت الجزائري القاسي

عبد الوهاب معوشي

هذا الجسد المسجى أمامك…

هو جسدنا الجمعي السّائر إلى فنائه، فناء صوفي مفضي إلى بقاء الرّوح وهي تتوهّج أو تتألّق وتسمو فلا تسقط أبدًا..

حقيقة العام الماضي الذي توارى فيه جسدنا خلف أقنعة حيوات زائفة، مرذولة تعادل العبث، الكافكاوية، الإسوداد الدّاهم السّريالي الذي يشبه ويتماهى مع ليل السّلطة الذي لا يغار منه أحدنا، ولا يغوي الجموع  الباحثة عن سدّ رمق أو بيت بحجم علبة سردين، أو حلم مونديالي يكون لخامس مرّة أو قد يتعثّر فلا يكون أبدًا..

الموت هذه المرّة جاء اصطفافا، امتدادًا وتنويعًا على نحو فلم نتأثّث له ولم نحضّر له مناديل الدّمع ولا سورة الكرسي..

إن الموت حقّ وحقيقة، مباغت، لا ينتقي، لا يُفاضل، مدرك، معجل، غير منتم لا إلى يمين أو لإلى يسار، أو إلى وسط حتى..

عندما توفي مولود معمري في نهاية الثّمانينيات، كنا طلابا على مشارف البكالوريا.. كتب صحافي جزائري لامع لحظتئذ:«الموت البغيض.. سرق منّا مولودنا».. تلك هي بلاغة الموت في الكتابة وفي الكاتب وبالجوار زمنا ومرحلة وخريفا وشتاءا مات كاتب ياسين ومصطفى كاتب وعبد الحميد بن هدوقة وعمار بلحسن ومحمد بوشحيط ومحمد جليد ومحمد أمصايف.. وغيرهم كثرة، كثرة..

خطف المرض الوجيع جسد هؤلاء وأسلم الروح لخالقها، إلى الأرض التي أنبتتهم وإلى الفكر الذي ساروا به مشعلين نار الحكمة في أثواب بالية خليجية وأفغانية ورهبانية وكلّ الأثواب التي سادت، رانت، درجت على العادة واندرج النّاس داخلها شاعرين أنهم إلى جنّة الخلد ذاهبون لا محالة..

الموت يتعدّد في نوعه، في مكانه وزمانه، وفي جسده وجسد حامل، فلقد جاء موت السّلاح والدّم والعقل الإفتائي محيلا الموتى إلى أجساد لا تفنى، لا يُواريها التّراب بل هي تعلوه، تتأسّس عليه، مؤذنة بالشّهادة الأبدية وحبّ المجهولين والمجهولات ممن لم تلدهم أمهاتهم بعد وفي الذاكرة والتذكار لفيف، رعيل، كتائب، جنود القلم والمسرح والصّورة واللوحة متمايزين، متغايرين، في الجيلية والعمر كما في الذكورية أو الأنوثة، أو الجهة والمناطقية، بالحقد والخديعة رميا أغتيلوا فلا رحمة للقتلة للمعرفة والنبوغ، للإبداع والذكاء، للمعنى والرمز، علولة وبختي، مجوبي وسعيد مقبل، يفصح وعبادة، عسلة وبوخبزة، اليابس وحنبلي، بوسليماني ويوسف بلعيش..

بختي بن عودة.. الموت لا يُفاضل

موت تسعيني دامغ الحجّة والبلاغة، جزائري مئة بالمئة لا يد للأجنبي فيه، جسد جزائري متنّوع، متعدّد، متوحّد، جسد علماني لائكي، إسلامي وطني، ملحد، مسيحي، يهودي، لا أدري! بوهيمي، جسد حرّ مستقلّ قتله جسد مستعبد متوحّش عبد لآدميته القاتلة..

ها هي سيرة الموت القاسي تشتبك في الفصول والملاحم، في الأستيراتيجيات والمفاصل، في الجغرافيات والكارتوغرافيا، لقد تشابه الموت علينا كالبقر – اقتباسا من التّعبير القرآني –.

كانت المرحلة مرحلة موتى وموتات باسطة ذراعيها فقط لإبطال كينونة الكائن فلا يكون، الكاتب حتى لا يفرع من نصّه الرّوائي، المسرحي حتى يلفظ أنفاسه على أدراج الرّكح قبل أن يصعد على جمهوره، السّينمائي حتى ينكص على عقبيه كارها الدنيا والآخرة، الطبيب والمهندس والإمام والأسقف وجنرال البحرية ومعلمة اللغة الفرنسية حتى يتركوا المشرط والمسطرة والمنبر والبدلة البيضاء الأنيقة ولثغ الشّعر الفرنسي، حتى يتركوه إلى غير رجعة..

لا أريد الاستبشاع والطّلب على الذّاكرة والقرع عليها بالقوة حتى السّادية بل أريد مذاكرة في الموت وحوله..

لقد مات عبد الباقي صحراوي الشّيخ العاصمي المتفكّه في باريس رميا برصاص «الجيا»..

وهنا في تيبحيرين أغتيل الرّهبان الشّرفاء حاملي الإنجيل والدّعوة والمسامحة وأدب الضيّافة..

وكذلك الأب المبجل بيار كلافري..

والنقابي التاريخي عبد الحق بن حمودة، الميت قنصا قرب دار الشّعب..

والشّاب حسني ورشيد وفتحي وحكيم تعكوشت وعبد القادر حيرش، هؤلاء الهؤلاء الذين خطبوا فينا بالصّوت الجهور النّاغم الفضّاح لكلّ شيء، عاطفة وشعور حبّ، صوت وموسيقى تترنحان طربًا وبكاء وبهجة، إذاعة هادرة خطرة لها العنفوان والصّدق وصرامة الفعل التّاريخي الهادر كالصّوت تمامًا هي كما عند حيرش وتعكوشت وبن حمودة..

وفيات كالأعيان حاضرون فينا، من عشرين سنة وتزيد يشكّلون عقدين ونصفه، لازالوا يزورون الذّاكرة ذاكرتي المريضة بهم، الخائفة المرجفة من نسيان من لم يذكر، يوسف سبتي هذا «الأغرونوم» الجامعي الشّاعر الذي ذبحه موس «الجيا »من الوريد إلى الوريد، عبد الرحمان فار الذهب الاقتصادي المبهر التحاليل، محفوظ بو سبسي العالم البسيكياتريكي الفذّ والذي تخرّج على يده تلاميذ نادري التخّصص..

موت، موت، موت حتى الهذيانات، حتى الصّلب، حتى الانتحار موت في الموت، والحقّ أنها منوّعات موتية واشتباهات ومشابهات في الموت..

ثم هناك موت المتأخرين الفظيع والمشبوه والمدسوس، لنقرأ فيه أو نفكر فيه أو نستعيده..

عبد القادر حشاني برصاص بولمية، محمد مراح المناضل القديم في جماعة بوياعلي بجرعة زائدة من دواء الأروكسيل، أبو حفص خطيب الحراش المفوه السلفي المصالح، كرومي النّاشط الشّيوعي الأسمراني الذي لا تغيب عني ملامحه الطفولية وسيرانه بالليل والنهار موزعًا مناشير التّوعية والحكمة والنّضال..

في تكثيف الموت ورصد فجائعيته من منّا سيذكر المنتحرين سادة لقرار ذهابهم إلى رحمة الله الوسيعة، ولهؤلاء وردة ووردات زهرية، بنفسجية، بيضاء وحمراء..

صفية كتو، شاعرة قادمة من الجنّة والكلام البهي.. فاروق سميرة الجاحظي المشاكس العاشق ابن الشعرية الجزائرية الحداثية الأولى..

عبد الله بوخالفة الغريب الأخير في موته، صورته التسعينية بالأسود والأبيض يستحيل أن تضيعها أرشيفاتي..

لقد قلت لكم أنهم الأعيان فلأعياننا السّرد والأنطولوجيا والعبور الحميم فلا ننساهم،، فلا تنسوهم أرجوكم! لا تكونوا كالمقابر المعفرة تربتها جزائريا، لا شاهدة قبر، لا تذكار، لا مقولة نيتشوية ولا نقش فرعوني مذهب ولا قطرة ماء مغلية في النّعناع..

افعلوا كلّ ذلك، عكسا من ذلك، طقسية موتية جديدة تنعش الدّاخل وتبقى الرّوح على قيد الخلود، لا عمر الزاهي والفرقاني سجع من أغنيات الأمهّات ذات طفولة عاصمية قسنطينية، لفتح النور بن ابراهيم وبشير حمادي سلوة المتصوّفين وآخر العزلات خشوعا ومناجاة..

لمالك شبل والطاهر بن عيشة سيرة محمدية عطرة في الأثر الوطني المحلي الملئ، ومخزون من المعرفات وعوارف المعارف السهروردية..

للشّيخ أبو عمران وبوعلام بسايح وقاهر موائد أصلية وشموع الأولين غير منطفئة ولو إلى حين..

محمد تامالت

ثم..  ثم ليكن.. للصّحافي النابغة، المثير، محمد تامالت الموقف والسّلام والدّعامة في رأيه وموته، لقد كان محمد نابغة في الشّعر العمودي وإذ يوسم بهذا الرسم فلبروزه صغيرا في مكتبة بوروبة غداة تأسيس رابطة إبداع متحلقا حول الشّاعر الراحل إبراهيم ميهوبي سعدي والطّاهر يحياوي ونور الدين لعراجي وعبد الهاني مسكين وقدور رحماني، والزبير دردوخ، وخالص القول أن محمد تامالت تشرّب من هذه المرحلة التي كان يسميها يحياوي بالوطنية والأصيلة.

بلغ الأشدّ محمدا بخطفة برق، متفوقا في الدّراسة، مشاكسا في الشّعر وهجاءا في النثر، لا يترك شاردة من دكان السّياسة الردئ إلا ولاسنها، لا يترك شخصية عامّة إلا و إزدرى فعلتها عن بينة وغير بينة، المرحوم كان أسلوبه وخياره وصنفه الإعلامي الى أن جاء إلى هنا – جيئته المعلومة المجهولة المأهولة بالأسرار –  سجن على الرّأي، طال غيابه وامتد ظلامه، حتى مات هذه الميتة القاسية المريبة الصّادمة..

موت محمد تامالت هو آخر الميتات العنيفة من ميتات الجاهلية الجزائرية..

لمحمد وصحبه سلوة الأماني والقلم الشّجاع وخطاب العدالة والحقيقة..

للموت الجزائري سيرة طويلة، وللقاتل إن حكى صمت المقتول، فليكن، أليس هذا هو الإنصاف الذي يعيد تركيب نصوصنا من جديد حول الموت وحول الحياة.

 

[email protected]

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

محمد بودية: تشي غيفارا الجزائر يعود هذا الأسبوع

صدر حديثًا عن دار النشر «الصباحات الأولى لنوفمبر» بفرنسا، كتاب يتناول حياة ونضال وأعمال الكاتب …

من اللاّضية إلى الدّمى الجنسية

هل كان يعتقد السيد “لاض” أن ثورته، التي بدأها ضدّ الآلة سنة 1811، ستنتهي إلى …