الأحد، 19 نوفمبر 2017

«نفحة» تستقبل عاماً ثالثاً

شعار مجلة نفحة الإلكتروينة

عندما اختارت «نفحة»، عن سبق إصرار، اقتران موعد صدورها، مع تاريخ ميلاد شهيد القلم الطّاهر جاعوط(1954-1993)، ولم تختر تاريخ اغتياله، كانت تحاول اقتفاء أثر «نضال» كادت تُطمس معالمه، وسط ابتذال ثقافي وإعلامي، مسّ الأشياء كلّها أو يكاد.

الأمل الذي أطلقه جاعوط، ذات غليان سياسي وثقافي، وهو يؤسّس «القطيعة» صحيفة وموقفاً، وسط تردّد الجزائريين بين أن يكونوا أو لا يكونوا.. لم يصمت، لم يُهادن، ولم يرضخ للوضع القائم، في اختياره التموقع بين ثنائية التسلّط والرّضوخ.

هكذا كانت «نفحة» تدرك جيّدا، أن الطّريق إلى الوعي محفوف بالأشواك، وأن الاختلاف عسير الهضم، وعصيّ على الإدراك، وأن الدّاء استحكم أو يكاد في الجسم الجزائري المريض.

لم يكن مفاجئاً – والأمر كذلك – أن ترتفع أصوات مُعادية، تستخدم كلّ أسلحة التّحريض، وجميع أنواع الشّتم، بعد أن شعرت أن شيئاً ما، بدأ يزعج، بدأ يعكر صفو رتابتهم، يُحاول تبديد عتمات تفكيرهم، ويحرص على إعادة ترتيب الأشياء من جديد.

هكذا مثلاً، فتحت «نفحة» ملف العنصرية في الجزائر، وكتبت أن الجزائري قد لا يعرف، أو لا يريدونه أن يعرف، أنه يُمارس العنصرية و«يتنكّر لها». عنصرية أفرزتها أوهام الذّات المنتفخة، وجرعة الشوفينية الزّائدة عن اللزوم.

فتحت نقاشاً عن بعض عاداتنا وتقاليدنا، التي تجاوزها الزّمن، عن غشاء البكارة، وعن التحرّش الجنسي، مظاهره وأسبابه، عن الحرمان الجنسي، عن سطوة القبيلة، وعن الفهم الخاطئ للدّين. وأنه آن الأوان لفتح نقاش واسع عن الجنس، كثقافة وكنمط حياة، وأنه آن للمرأة أن تتبوّأ المنزلة التي تليق بها، على قدم المساواة مع الرجل.

نشرت «نفحة» مقالات عديدة، عن إشكالية الهوية في الجزائر، يحذوها الأمل في أن يخرج الجزائريون من دائرة التقوقـُع على الذّات، ومن شوفينية مغلـّفة بخطاب وطني، وأن تحلق بهم نحو ضفّة الإنسانية. حاولت أن تـذكّرهم بأن هُوّيتَهم ليست أُحادية، بل متعدّدة ومتنوّعة، ليست إسلامية، عربية وأمازيغية فحسب، بل أفريقية أيضا، ومتوسطيّة كذلك.

«نفحة» وقفت إلى جانب الكُتّاب والفنّانين المهمّشين، ماضيا وحاضرًا، نفضت عنهم غبار النسيان، وأفردت لهم حيّزًا من الاهتمام. وهكذا تعرّف القارئ لأوّل مرة مثلا، عن كتّاب وفنانين جزائريين، ساهموا في خدمة الثقافة الجزائرية وإثرائها، لكنهم تعرّضوا للتهميش، بسبب توجّس طال أصولهم، وسرعان ما انتقلت عدوى «الفوبيا»، نحو الأسماء الأجنبية، لم يسلم منهم حتى أولئك الذين حاربوا الاستعمار، ووقفوا مساندين الثورة الجزائرية.

وستبلغ موجة العداء ذروتها، عندما تُقدم مصالح بلدية لمدينة كبرى، بنزع لافتة الشّهيد فرنان إيفتون، وتضع بدلها لافتة شهيد آخر، وكأنهم سعداء «بإنجازهم» في التخلص من اسم أجنبي، ونسوا أن إيفتون شهيد، هو أيضا، نفذ فيه الاستعمار حكم الإعدام بالمقصلة. وذلك قبل أن تعيد ذات المصالح، اللافتة إلى مكانها، بعد حملة مندّدة، على شبكة التواصل الاجتماعي، شاركت في إطلاقها «نفحة».

«نفحة» وهي تودّع عامها الثّاني، وتستقبل عامًا ثالثا، تعد قرّاءها بمساحات للبوح، أكبر، ستقول الحقيقة، وستكشف المسكوت عنه، وتتيح الفرصة للصّوت المهمّش، والاستمرار على نفس النهج، في التطوّر والتجديد.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

رشيد بوجدرة: نْدير كيما يدير في البحر العوّام

كان رشيد بوجدرة يتحدّث بنبرة هادئة، يضع يده اليمنى على الطّاولة ويُداعب بيده اليسرى لحيته …

حناشي وتاكفاريناس وعلاوة

تأمّل محند شريف حناشي نفسه مليًا في المرآة، مرّر يده اليمنى على قفاه. أعجب كثيراً …