الثلاثاء، 28 مارس 2017

نصيرة محمدي تكتب: رسالة وداع

 

نصيرة محمدي
نصيرة محمدي

أنا الآن بلا حبيب أو أخ كبير أو جميل فقدتهم في سنة اليتم الأسود.

لا أنتظر شيئا من الآتي؛ أنا حرّة من كلّ شيئ. تحررت من أحلامي وأماني وثقتي في الحياة.

لا أمنيات لي، ولا لغة لي حتى أنهض وأرى الأشياء والسماء وعيون حبيبي.

نفضت روحي من كل ذلك. القلب الذي أخرجني من حدادي هو نفسه الذي بتر آخر قطعة من الأمل وأرداني قتيلة.

اليد التي امتدت لي في عتمة الطّريق هي ذاتها التي جرحت طفولتي وأطفأت نور قلبي.

كيف يقوم قلب على أنقاض المستحيل؟

توقف جريان النهر وأغرق الطّمي كلّ شيئ. إذا حدث وأن التقيت بالحياة سأكتفي بأن ألوح لها من بعيد وأمضي.

لاشيئ يرتق هذا اليتم. لاشيئ يبدّد هذا المنفى الكبير.

تمرّ السّعادة وتخلفنا ثكالى، ويقيم الألم وحده.

الفرح خادع والألم وفي. أكثر من هذه الرائحة المفجعة المتسرّبة من مكان بعيد تخلف وراءها صاعقة في الجسد، كيف نفرّ مما علق ومما ترسّب ومما يلوعنا في كلّ برهة؟

البعض نودعهم بقلوبنا لا بأناملنا أوعيوننا وذاك أقسى ما يمكن أن يقتصّ به العاشق من معشوقه.

تلك محاولة بائسة ويائسة لاستعادة شذرات مبعثرة في صحراء الرّوح. أقبع الآن في المكان الأبعد والأقرب واللامتوقع منك، أتفقد جزئي العاري، ونبضي المنبوذ وأعي أنك لاتفتقد الغريبة.

لا أحد يستبطنها أويراها لأنها لا تزاحم ولا تركض في صف العابرين والمستعجلين والغارزين سكاكينهم في قلب يعشق كما لو أن الكون سينتهي بعد قليل.

الخروج إلى العدم والهباء سلس ومرن بسخرية من يظنّ نفسه حقق انتصارًا على نفسه.

لن أفتح عيني من جديد، سأرحل على صورة مهرّبة من كلّ هذا البرد والغياب.

سأنام غير مكترثة برنين الهاتف، ورسائل الآخرين، وعطر أمي الذي حملته في ثنايا الروح كتميمة أزلية.

كيف أظنني الآن غير حطام امرأة تكبّدت السفر إلى رجل هو مجرّة من أنامل وأصوات وخطوات ومنحدرات وعطور.

غادرت يداها يديه منذ لحظات.. كأنها لحظات، وتكثف وجودها في عينيه المحفوفتين بالمخاطر والموت.

مفرغة أنا؛ هذي الكراسي شاغرة في المقهى. الكؤوس والصّحون فارغة. الجدران والأبوا ب والأحلام فارغة، وآلجي فارغة فقط أنفاس أخيرة ونظرة ستسكن الهاوية.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

بكر حمّادي يكتب: أنت زوهري.. سأريق دمك!

الخامس من أبريل 1954.. مع تدّني الأحوال المعيشية وقمع الاحتلال الفرنسي لمنطقة أمسيردة، قرّرنا الهجرة …

الحارس في حقل الشوفان

حارس البراءة الضّائع

سارة عياشي أكثر من 60 عاماً مرّت على صدور رواية “الحارس في حقل الشّوفان” للأميركي …