الخميس، 17 أكتوبر 2019

تراجيديا الموت.. بين ديفيد والإمام البخاري!

 

رشيد فيلالي

الحديث عن الموت يثير قشعريرة في نفس المرء، باعتباره هادم اللذّات ومفرّق الجماعات كما يُقال في الأثر.

والموت شأنه شأن الحياة، يظلّ لغزًا يكتنفه الكثير من الغموض والأسرار المحيّرة.

ولاسم هذا الحدث الاستثنائي طعمًا علقميا مرّاً في كلّ لغات العالم، كما أنه ملفوف داخل غلالة شفيفة تجعل الرؤية حول ما ورائه معدومة، الأمر الذي يبقى محل خشية ورعب وحيرة وذهول أيضا.

لذلك يصعب على المرء تفصيل القول حول الموت.. لكن هذا لا يمنع من الحديث بأن هناك أنواعا منه تختلف في وقعها وتأثيرها وملابساتها ومذاقها، إذ هناك موت على فراش وثير من القطن والحرير الملكي، وهناك موت مروّع، ساحق، ومزلزل للمشاعر.

ومهما يكن نوع الموت فإن وقعه مع ذلك يبقى مثيرًا للشّجن والحزن، فهو الفقد بامتياز، وهو النّهاية، وطريق اللاعودة، والوداع..

من هنا أحبّ ضمن هذا السّياق استعراض بعض أنواع الميتات المثيرة للاهتمام، من منطلق التّأمّل والعبرة معًا، علمًا أن هناك مالا يحصى من الميتات غير العادية، كتب حولها الكثير، ونحن هنا نكتفي بالنزر القليل فحسب كي لا يتشعب بنا الحديث ويطول..

من بين أطرف الميتات التي تستحضرها الذاكرة الآن، تلك التي قضى على إثرها نحبه الممثل الأمريكي الشّهير ديفيد كارادين بتاريخ 3 إلى 4 جوان 2009 في بانكوك بتايلاندا داخل غرفة فندق، حيث عُثر على بطل المسلسل الشهير «كونغ فو» في السبعينيات (الذي كان من المفروض أن يؤدي دوره الأسطورة بروس لي!) معلقًا بحبل في وضعية مقلوبة، وكان الجميع يظنّ أنها عملية انتحارية مقصودة ومدبّرة سلفًا، قبل أن تكشف الشّرطة التايلاندية في تحقيقها الدّقيق أن الحادث ناجم عن لعبة جنسية انتهت بطريقة مروّعة، ومات على إثرها مخنوقا الممثل الشهير، الذي كان سببا في الإقبال والاتجاه بقوة إلى تعلم الرياضات القتالية في العالم أجمع..

ولم تكن حادثة وفاة نجم الغناء الفرنسي الملقب بـ «كلولو: CloClo» كلود فرونسوا في 11 مارس 1978 داخل حمامه أقل عجبًا، حيث تعرّض لصعقة كهربائية بطريقة تافهة للغاية، بينما كان يستعد للمشاركة في حصّة تلفزيونية ينشطها ميشال دروكر، كان عمره آنذاك 39 عاما وقد انتحرت فتاة في نهر السين عند سماعها نبأ وفاته وظلّ حوالي 200 شاب أمام باب شقته ينتظرون عودة غودو! وبعد مرور بضعة أشهر أذيعت أغنيته «انتهى العرض: Le spectacle est terminé».

لو نعود بضعة قرون إلى الوراء، وتحديدًا إلى القرن التاسع الميلادي، سوف نعيش حادثة أخرى لا تقل غرابة هي الأخرى، بطلها هذه المرّة الإمام مُسلم، عالم الحديث الشّهير، الذي يشكّل مع الإمام البخاري ثنائيا خاصا، وهما يلقبان احتراما وإجلالا لهما بالشيخين، المهمّ أن موت الإمام مُسلم يبقى مثيرا للغرابة والتساؤل، حيث أنه بعدما سُئل عن سند لحديث نبوي شريف، قصد منزله وراح يفتش في أوراقه، وكان يضع طبقا كبيرًا من التّمر أمامه، ومضى الشّيخ في عمله وبالموازاة مع ذلك كان يتناول التّمر بين الفينة والأخرى، حتى أفرط في أكله، فأصيب بتخمة أودت بحياته رحمه الله! وهي ميتة يمكن وصفها دون مبالغة أو استخفاف بـ«الحلوة!».

والحقيقة أن موت الشّيخ مسلم، ولو أنّه حادث إفراط في الأكل، إلا أنه ينم في خلفياته على مدى استغراق الباحث في بحثه إلى درجة نسي نفسه فيها، فحصل الذي حصل.

أما موت رفيق الشيخ مسلم في علم الحديث، أقصد الإمام البخاري فلم يكن بتاتًا بمثل هذا التّرف، حيث تظلّ حياة – الإمام البخاري – سلسلة من النّضال والشّجاعة والاستماتة في طلب العلم، بغض النّظر عن مواقف أعداء هذا الشّيخ وأكثرها تطرفا وتعصبا لأسباب طائفية وليست علمية.

ومعروف عن الشيخ البخاري أنه كان مجتهدًا أيضا في تحصيل علم زمانه منذ صغره، رغم تيتمه وهو بعد لا يزال في ميعة الصّبا، كما يقال. حيث ربته أمّه إلى أن صار مضرب المثل في الفهم والنباهة وإتقان علوم الحديث، ونتيجة شهرته في بلده ومسقط رأسه بخارى (أوزباكستان) دخل الحسد نفوس حتى أساتذته وشيوخه، وقد صادف أن انتشرت في زمانه فتنة خلق القرآن، التي دامت 15 سنة كاملة، وذهب ضحيتها الكثير من العلماء وسُجن وعُذب كثيرون أيضا في مقدمتهم الإمام أحمد بن حنبل، وراح هؤلاء يؤلبون الأمراء وولاة الأمور ضد الإمام البخاري إلى أن طرد من نيسابور بعد أن رفض القول بخلق القرآن، وقصد بلدته بخارى، فطرده أميرها أيضا، رغم استقباله من طرف الرعية بطريقة مميزة، حيث نثروا عليه الدنانير والسّكر احتفاءً به وسرورا بمقدمه، فذهب إلى قرية يُطلق عليها اسم «خرتنك» تقع في سمرقند، وهناك مكث مدّة قبل أن يأتيه من يطرده منها مرة أخرى، وحين امتطى فرسه كان يتصبب عرقا من شدّة الحمى، ورغم أن ذلك اليوم هو آخر أيام شهر رمضان وليلة عيد الفطر، إلا أن ذلك لم يشفع له فلم يقدر على ركوب فرسه وأنزل منها، ليفارق الحياة بطريقة مأساوية مؤلمة، وقد صل عليه الناس بتاريخ 1سبتمبر870م ودُفن هناك، تاركا غصّة كبيرة في نفوس تلامذته ومحبيه وما أكثرهم..

إنه الموت كما قلنا، قد يُجامل البعض وقد يمتحن البعض الآخر، لكنه في كل الأحوال مرّ طعمه.. فتأمل.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

جائزة مقابل خيانة اللغة الوطنية

بتاريخ  30 جوان 1996، كانت قناة “TF1” الفرنسية بصدد نقل فعاليات الجائزة الفرنسية الكبرى لسباق …

هل التعريب في الجزائر استعمار جديد؟

هذا السّؤال الغريب في الحقيقة لم أطرحه أنا، بل هو استنتاج توصّل إليه الكاتب محمد …